|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

نادية محمود
!--a>
2026 / 9 / 1
تستخدم العديد من منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة تعبير "خطاب الكراهية" لوصف العداء والتهديدات والعنف الممارس ضد الناشطات والناشطين النسويين والمدنيين، وضد حقوق المرأة والحقوق المدنية. وبرأيي، فإن استخدام هذا المصطلح، رغم صلاحيته لوصف بعض الأفعال، لا يكفي لوصف ما يجري اليوم، لأنه قد يختزل صراعات سياسية واجتماعية وبنيوية عميقة في أفعال خطابية منفردة.
يمكن أن يصدر خطاب كراهية عن أفراد، من خلال كلامهم أو كتاباتهم التي تهاجم أو تهدد أو تهين شخصًا أو جماعة على أساس الدين أو الموقف السياسي أو اللون أو الجنس أو الحالة الجسدية وغيرها. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود الأمر مجرد تعبير فردي، بل يتحول الخطاب العدائي إلى أداة للترهيب والإقصاء وإسكات الأصوات المعارضة، وتترافق معه حملات تشهير وتحريض وتهديد وعنف، في بيئة سياسية وقانونية وثقافية تسمح باستمرار هذه الممارسات أو الإفلات من العقاب. عندها لا تعود المسألة مجرد "خطاب" بل تصبح مسألة سلطة.
ما نحن بصدده هو تمييز قائم على أساس الجنس، يتخذ أشكالًا منظمة ومقننة ومشرعة، ويقف في مواجهة تطلعات النساء إلى الكرامة والعدالة والمساواة. إنه عداء متعدد الأشكال والمستويات لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، يبدأ أحيانًا بالكلمة، لكنه قد ينتقل منها إلى التهديد والفعل، ثم إلى المؤسسة والقانون والممارسة. وما يجري لا يقتصر على استهداف المرأة في حقها في التعبير، وإنما يمتد إلى استقلالها القانوني والاقتصادي والجسدي، وإلى حقها في تقرير حياتها واختيار علاقاتها ومصيرها. نحن أمام بنية اقتصادية وسياسية وقانونية وثقافية وأخلاقية متشابكة، تعمل على إبقاء المرأة في موقع التابع، لا في موقع المواطنة كاملة الحقوق.
لهذا، فإن وصف هذه الظاهرة بأنها "خطاب كراهية" وحده يحجب جانبًا أساسيًا منها. فنحن لا نتعامل فقط مع كلمات أو مشاعر فردية؛ بل مع نظام من العلاقات والممارسات والسلطات يعيد إنتاج عدم المساواة ويكرس تبعية النساء.وهنا تبرز مسألة المصالح. فاستمرار هذه التراتبية لا يحدث في فراغ، وإنما تتقاطع حوله مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية تستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من إبقاء النساء في موقع أدنى من الاستقلال والسلطة والموارد. وتشارك في إعادة إنتاج هذه البنية مؤسسات وأطراف متعددة: سياسيون، ومؤسسات دينية، ومؤسسات قانونية وقضائية، ووسائل إعلام، وأجزاء من المجتمع تتبنى أو تبرر التصورات التي تجعل من خضوع المرأة أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا.
ومن هذه الزاوية، يصبح من الضروري أن نميز بين مستويات مختلفة من الظاهرة: الخطاب المعادي للنساء، والعنف المباشر، والعنف السياسي، والتمييز القانوني والمؤسسي. هذه المستويات ليست منفصلة بالضرورة، فقد يعمل بعضها على تبرير البعض الآخر، وقد تتحول الكلمات إلى ممارسات، والممارسات إلى سياسات، والسياسات إلى قوانين ومؤسسات تعيد إنتاج التبعية.
ولعل هذا هو ما نشهده اليوم في مواجهة النساء والناشطات والناشطين الذين يتصدون للتحرش وأشكال التعسف والظلم التي تتعرض لها النساء والأطفال، أو الذين يعترضون على دونية مكانة المرأة في المدونة الشرعية. فالتشهير والإساءة والاتهامات والتهديد بالقتل ليست مجرد عبارات عابرة عندما تستخدم بصورة متكررة ومنظمة لإرهاب النساء وإخافتهن ودفعهن إلى الانسحاب من المجال العام.
وقد شهد العراق بالفعل حالات بالغة الخطورة من استهداف النساء والناشطات، وصلت في بعض الحالات إلى الاغتيال، كما في حالات ينار محمد، وريهام يعقوب، وسارة طالب، وسعاد علي وغيرهن. إن استهداف النساء بسبب آرائهن ومواقفهن السياسية والاجتماعية لا يمكن اختزاله في توصيف لغوي مثل "خطاب الكراهية". عندما يصل الأمر إلى القتل أو التهديد المنهجي أو استخدام العنف لإجبار النساء على الصمت، فنحن أمام عنف سياسي وترهيب وقمع يستهدف حرية التعبير والمشاركة في المجال العام.
حين تُستهدف امرأة لأنها تتحدث، وتُهدد لأنها تعترض، ويُقيد استقلالها القانوني أو الاقتصادي، وتُعاد صياغة حقوقها داخل الأسرة وفق تراتبية تجعلها تابعة، فإننا لا نتحدث عن الكراهية بوصفها شعورًا فرديًا، ولا عن الخطاب بوصفه كلمات منفصلة عن الواقع. نحن نتحدث عن صراع على السلطة، وعن نظام من العلاقات والقوانين والمؤسسات والممارسات التي تحدد من يملك ومن يقرر ومن يتكلم، ومن يُسمح له بأن يكون مواطنًا كامل الحقوق.
لذا، من الضروري تسمية الأشياء بأسمائها: تمييز جنسي، عنف سياسي، قمع، ترهيب، تمييز مؤسسي، وعنف بنيوي. فهذه المصطلحات لا تلغي وجود خطاب الكراهية، لكنها ترفض أن يكون هذا المصطلح غطاءً لغويًا يختزل منظومة أوسع من السيطرة والإقصاء .إن النساء اللواتي يواجهن اليوم هذه الضغوط لا يخضن معركة حول الكلمات فقط، وإنما حول حقهن في الوجود المستقل، وفي التعبير، والمشاركة السياسية والمدنية، والتمتع بالمساواة أمام القانون، واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن وأجسادهن وأسرهن.
ولهذا فإن الصراع الدائر ليس بين من "يقبلون" بالأمر بالواقع ومن "يرفضونه" فحسب، إنه صراع حول أي واقع نريد أن يكون واقعًا ملزمًا للمجتمع والدولة: واقع يعيد إنتاج التبعية والتراتبية ويطلب من النساء القبول به باعتباره أمرًا مفروغًا منه، أم واقع يعترف بالنساء مواطنات كاملات الحقوق، لهن الحق في الاختلاف والاعتراض والمشاركة وصنع مستقبل المجتمع. ما يجري، إذن، ليس مجرد خطاب كراهية. إنه صراع على الحقوق والسلطة، وعلى شكل الدولة والمجتمع والأسرة التي نريد أن نعيش فيها.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|