مدينة أكادير: قراءة في رواية - مدينة تنبعث من رماد -



تفروت لحسن
2026 / 9 / 2

فرق كبير بين أن تصعد راجلا لقصبة أكادير أوفلا، وبين أن تركب السيارة أو الحافلة أو تطير مع " التيليفريك " الذي تم إحداثه مؤخرا كمشروع سياحي- تجاري بالمدينة. يمكن للزائر أن يطلع على مشروع تنمية القصبة وما شهدته من انجازات سياحية وشبه ثقافية. ربما المشي من تالبورجت القديمة مرورا بمكان حي فونتي القديم وصولا للقصبة عبر ممر الرجلين الذي أحدث سنة 2005، والذي هو اليوم في وضعية الإهمال، سيجعلك تشعر بأن مدينة موؤدة اسمها أكادير كانت لها حياة ونشاط وتاريخ وذاكرة وإحساس.
يبدو أن الزائر لا يدرك خصوصيات مدينة الإنبعاث ما لم يطلع على بعض الكتابات التي سلطت الضوء على ذاكرة المدينة، خاصة قبل زلزال 1960. تتنوع هذه الكتابات بين ماهو روائي كالرواية المعروفة ب" أكادير " لمحمد خير الدين 1967، و" أكادير: الجنة المسلوبة " الصادر سنة 2012، لجاك بنسيمون، وبين ماهو شعري ك"لقيست- نو كادير" المنشور باللسان الفرنسي والإنجليزي سنة 1987 للشاعر الأمازيغي محمد أوجامع إغيل المعروف ب" ابن إغيل"، وبين ماهو تاريخي كثلاثية " ذاكرة أكادير في القرن العشرين للمؤلفين: الحسن الرسافي وإعزا جافري وعبد الله كيكر، وبين الحكي التاريخي- الواقعي كمؤلف أورنا باعزيز الموسوم ب" حكاية ناجية من زلزال أكادير 1960 ، أو الكتابة النوستالجيا ككتاب " أكادير إينو " لحسون الحسين....
ومادامت تستمر الكتابة عن أكادير بعد الكارثة، فإننا سنتوقف مع إشارة مكتوبة لنسافر للوراء عبر الزمن للنبش في ذاكرة سوتها الجرافات، لتجعل المدينة مؤودة. يتعلق الأمر بالكشف عن ما تضمنته رواية حديثة الصدور بالمغرب سنة 2026. إنها رواية " مدينة تنبعث من رماد " للكاتب المغربي والأكاديري سعيد الغماز.
ليس قصدنا أن نلخص مكونات الرواية، بل فقط تقريب القارئ من مدينة منكوبة، كانت في شأن وأصبحت في شأن. لهذا سنحاول رصد وجوه المجهود الإبداعي المتميز للراوي مع تقديم بعض الملاحظات المتولدة من قراءتنا لفصول الرواية وتتبع أحداثها.
صدرت الرواية ضمن منشورات " مؤسسة إقرأ للدراسات والأبحاث " في طبعتها الأولى سنة 2026. ورغم أن الرواية لاتتوفر على مقدمة يبين فيها المؤلف نوع الكتابة الأدبية المعتمدة، فإن تصريحة في اليوتوب بمناسبة توقيعه لروايته في الدورة 31 لمعرض الكتاب لشهر ماي 2026، يفيد أن هذا العمل ينقل أحداثا واقعية ووقائع حقيقة، يضاف إليها أسلوب التخييل الأدبي.
قبل أن نعرج على بعض أحداث الرواية وشخصياتها وأساليب صياغتها، نقدم الشواهد التي تدلل على نقط القوة التي تتسم بها الرواية، كما يلي:
- يتسم هذا العمل الأدبي بالإبداع في صياغة الأحداث وسلاسة الأسلوب.
- تفوق الكاتب في خلق التشويق لدى القارئ في تتبع وتسلسل الأحداث.
- قدرة الكاتب في التمثيل البلاغي بتوظيف أساليب المجاز والإستعارة.
- نجاح الكاتب في منح الحياة للأحداث والأزمنة والأشخاص والأمكنة.
- تقديم صورة متكاملة عن مدينة أكادير قبل الزلزال ولحظة وقوع الكارثة.
- تحريك مشاعر القارئ وعواطفه وإيقاظ الأحاسيس، حيث تتزواج الانفعالات، بين الحب والخوف والبكاء والحزن والفرح...
- تحضر مفاهيم التعدد الثقافي والتثاقف والتقليد والتحديث بطرق غير مباشرة في المثن، حيث نستشف حوارا بين المكون الأصيل والأجنبي الدخيل,
ليس صعبا على قارئ الرواية أن يتلمس جمالية الرواية وتميزها الذي نقترب منه عبر هاهو موال:
تتوزع أحداث الرواية على ثلاثة عشر فصلا، تترابط بينها، وتتسلسل بطريقة تجعل تتبع الوقائع يتم بشكل تراتبي. هذه الوقائع تمتد من سنة 1952 ، بما فيها زيارة المغفور له الملك محمد الخامس سنة 1959 حتى سنة 1960، لحظة تحطم المدينة تحت الأنقاض، مع ما استتبع ذلك من أهوال وأحزان ومعانات...
تجري الأحداث في مدينة جميلة تتكون من عدة مواقع، تتفاوت درجة حضورها في الرواية، حيث حظي الحي القديم لقصبة أكادير أوفلا بنصيب وافر من الأحداث، من الفصل الأول حتى ماقيل الأخير، في حين جاء حي تالبورجت الحديث ببنائه وهندسته وثقافته في المرتبة الثانية، يليه حي فونتي أسفل الجبل والذي شيد لإيواء البحارة. ويبقى نصيب أحياء إحشاش والباطوار-بوتشكات متواضعا، كما أن الحديث عنه عرضيا، بل إن نسبة حضور المدينة الجديدة تبقى باهتة إن لم تكن منعدمة، رغم أن بعض أحداث الرواية تجري بها.
شخصيات الرواية متعددة، وتختلف حسب الدور الذي تشخصه، وهي على ثلاثة أنواع: شخصيات أساسية ورئيسية مثل: د امبارك – فاطمة – عباس – يامنة ...، وشخصيات ثانوية مثل: أب فاطمة ( الحاج أيت أعديل ) – أب عباس ( الحاج ابراهيم أصيدان ) – دا سعيد – عيسى – بلافريج – عنبرة ... وشخصيات عابرة مثل: أصدقاء عباس – دا بلعيد – شباب المقاومة – دا عطرشة ...
يبدو أن تيمة الرواية في ظاهرها هي قصة زواج فاشل بالطلاق، زواج شابة قاصر – 15 سنة - أسمها فاطمة بنت الحاج محمد أيت واعديل، والمنحدرة من قصبة أكادير أوفلا ومن حي فونتي، بالشاب عباس ابن الحاج ابراهيم أصيدان الساكن بحي تالبورجت.
ما لا يظهره حدث هذا الزواج هو مسألة التثاقف، فأسرة فاطمة محافظة على التقاليد، تقليدية في أفكارها وطقوسها ومعيشها، حيث أن رب الأسرة يمارس الصيد البحري، أما عباس فينتمي لأسرة متمدنة وعصرية في مسكنها وملبسها وسلوكها وعلاقتها مع الفرنسيين، بل أن هذه الأسرة متفتحة لحد تناول عباس وإخوته لشرب الخمر وتعاطي التدخين.
سيفصل الراواي في الحديث عن هذا الاختلاف في البنية الثقافية للأسرتين من خلال إقامة عرس تقليدي بالقصبة تكلف به أهل فاطمة، وعرس لاحق حديث وغربي في مظاهره نظمته أسرة أصيدان بمقهى " لاريزرف "، حيث تميز العرس بشكله الأوروبي وضيوفه من الفرنسيين، وكؤوس الخمر والرقص المختلط بين الجنسين وبين الجنسيتين..
رغم انسحاب فاطمة العروسة من قاعة الحفل، فإن صدمتها أمام هذا المكون الثقافي الدخيل على الأصول، ستزداد حدة بعد أن اكتشفت أن زوجها عباس مدمن على شرب الخمر، إضافة إلى كونه لا يهتم لشؤون المقاومة ولا للاستقلال.
هذا الوضع هو الذي سيدفعها لطلب الطلاق، بعد سنة من الزواج، لتعود لبيت أهلها، ولتداوم الارتباط بالقصبة ودروبها وسويقتها وساحتها وضريحها " سيدي بوجمعة أكناو...
بالفعل، حظي العنصر الثقافي بأهمية كبرى، حيث استغل الرواي عدة أحداث للتذكير بالمكونات الثقافية الأصيلة كما هو أمر عرس فاطمة الذي نظم قرب ساحة المسارح حيث حضره الروايس وكناوة وأولاد سيدي حماد أوموسى، إضافة للأهازيج النسوية التي تشرف عليها عنبرة زوجة دامبارك كل يوم جمعة بضريح سيدي حماد أكناو.
يضاف لهذه المكونات رموز ثقافية أخرى، منها:
- دلالة أسماء الأعلام: تحيل أسماء " دامبارك " و " داسعيد " و" دا بلعيد " و" داعطرشة "إلى خصوصية سوسية أمازيغية تتمثل في احترام الشخص الأكبر سنا أو الشخص ذو كريزما...
- إن بعض الأسماء الواردة في النص من قبيل السيدة عنبرة والممرضة-المولدة فاطمة عزي، وتخصيص فصل كامل لأسطورة البطل بوجمعة أكناو وعرسه الذي لم ينته ورقصة إسمكان ... هي دليل على تنوع روافد الثقافة الأكاديرية، خاصة الرافد الإفريقي.
- استحضار بعض اليهود المغاربة في الرواية يضمر علاقات التفاعل والتكامل بين كل مكونات المجتمع المغربي، فاستضافة دامبارك لأبيسرور و بن عبو ودافيد، اليهود المغاربة، لمائدة كسكس يوم الجمعة ليشهد على أخلاق التسامح بين المغاربة.
- إن إدراج بعض التعابير باللسان الأمازيغي، ليعتبر اعترافا بالهوية المغربية، في بعدها الأمازيغي. هذا البعد الذي ميز ومازال يميز ساكنة أكادير.
- ويمكن إجمال نظرنا لمكونات الرواية بالتدرج في السطور الموالية:
1 – باب القصبة:
إن هذا الإسم يتضمن معنيين، المعنى الأول حقيقي وهو الباب المصنوع من الخشب منذ العهد السعدي، والذي تم إخراجه من تحت الأنقاض في السنوات الأخيرة، والمعنى الثاني المجازي الذي يحيل على حضارة أصلية في بنائها وعيشها وهندستها وتاريخها
خصص هذا افصل للحديث عن حارس باب القصبة " دامبارك " وصديقه " داسعيد " نادل مقهى الأندلس المتواجدة بتالبورجت، هذا المقهى الذي يختلف عن مقهى " مور " المحاذي لباب القصبة. الذي يشتغل به النادل عيسى الذي سيصبح صهرا لدا مبارك بعد الزواج من ابنته يامنة الصديقة الحميمة لفاطمة، بطلة/ ضحية الرواية.
يحدد هذا الفصل أيضا نقطة انطلاق الرواية، حيث يتواجد من بين السكان المحترمين بالقصبة " الحاج محمد أيت أوعديل " الذي يشتغل في الصيد البحري، ومن بين ساكنة تالبورجت " الحاج ابراهيم أصيدان ".
هنا يبدأ نسج الحكاية، بالإعداد لزواج فاطمة بنت القصبة بعباس ابن تالبورجت.
2 – الحياة اليومية لسكان القصبة:
يمكن هذا الفصل من الإطلاع على الأنشطة الاقتصادية لسكان القصبة، وهي في غالبها أنشطة تقليدية معيشية كالصيد التقليدي والتجارة في السويقة والفلاحة المتواضعة خارج القصبة في قطع أرضية صغيرة. بعد ذلك ينتقل الراوي لحي فونتي ليفتح القوس في أصل إسمه المشتق من منبع الماء في قدم الجبل، مع تحديد أسباب الاستقرار بهذا الحي كالتوسع العمراني لحي إحشاش وتطوير نشاط الصيد البحري، حيث أصبح هذا الحي مقاما أمنا ومريحا للبحارة لقربه من الميناء.
3 – عرس في قصبة أكادير أوفلا:
خصص هذا الفصل لتفصيل معطيات هذا العرس الأصيل، وقد أفلح الراوي في جعل القارئ يتماهى مع العرس وكأنه يعيشه فعليا، بدءا من تحضير يوم الحناء إلى سبت العرس، إلى لحظة مغادرة العروس. هذه الالتفاتة تجعلنا نعيش الثقافة الشعبية وأصالة الثقافة المغربية المتنوعة مع طقوسها، ناهيك عن الكرم الحاتمي المغربي، فالعرس في القصبة هو عرس للجميع دون تمييز وفق المتعارف عليه من أخلاق أهل سوس.
4 – في قلب المدينة، خارج قلب فاطمة.
رغم انتقالها إلى وسط حديث، إلى حي تالبورجت الجديد، الوسط المخالف للثقافة السائدة في القصبة، فإن فاطمة تشعر بالغربة في المدينة، لهذا لم تستطع الاندماج في الحياة الجديدة، فهي ترفض الذهاب للسينما وارتياد المقاهي العصرية. إنها ترفض كل ما هو مغاير لهويتها ولثقافتها الأصلية.
5 – العرس العصري: إستيلاب أم تحضر؟
بعد عرس القصبة، قامت أسرة الحاج ابراهيم أصيدان، بتنظيم حفل ثان لعرس ابنها عباس في مقهى " لاريزرف "، وهو المقهى الفريد في هندسته والمقام على الشاطئ. هذا العرس الذي حضره العروسان رفقة أسرتهما، وبالأخص أسرة فاطمة الوحيدة التي جاءت من القصبة. أما باقي الضيوف فهم من أقارب عباس وأصدقاء أسرته من الفرنسيين الذين تربطهم بالحاج ابراهيم أصيدان علاقات تجارية في حي تالبورجت. هذا العرس الذي طغى عليه الرقص العصري وشرب الخمر، لدرجت حالت دون إتمام مراسيم العرس أمام العروسة فاطمة وأسرتها، بشكل جعلها تغادر قبل نهاية الحفل؟ !!!
6 – مقهى " مور" أو ملتقى الوطنيين.
عكس مقاهي تالبورجت، فإن مقهى " مور " ذات الماضي البعيد، والمعروفة بتوفير الحلويات المغربية والشاي المنعنع، تشهد زيارات متكررة للمغاربة المنتمين للمقاومة. ولقد خصص الراوي هذا الفصل للتذكير بشخصيات واقعية بصمت تاريخ المقاومة المغربية، ومن هؤلاء: بلافريج وعباس القباج والحسين بيجوان والشتوكي والهواري... هؤلاء الذين انخرطوا في تحرير الوطن، بل ساهم الاحياء منهم بعد الزلزال في إعادة إعمار أكادير.
7 – 1959، زيارة لا كالمعتاد.
للتدليل على تلاحم ساكنة سوس عامة، والأكادريون بوجه خاص، مثل باقي الشعب المغربي بالعرش، خصص الكاتب فصلا كاملا لوصف حفاوة استقبال الملك. وبالفعل، تعتبر زيارة الملك محمد الخامس برفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن (الملك الحسن الثاني فيما بعد) إلى مدينة أكادير سنة 1959 محطة تاريخية بارزة، حيث استقبلته الجماهير بحفاوة بالغة تعبيراً عن التلاحم بين العرش والشعب وترسيخاً للوحدة الوطنية قبيل فاجعة الزلزال المدمر الذي ضرب المدينة سنة 1960.
8 – صدام الثقافات.
العنوان الذي خصصه الراوي لهذا الفصل هو " فاطمة في بيت سيء السمعة "، وهو عنوان لا يبدو مناسبا ولا ملائما، إن لم يحيل إلى معاني قدحية، لكن إماطة اللثام عن ما تضمنه المقام يحيل إلى دلالات أخرى. فالأمر، بعد زواج فاطمة، يتعلق بحوار بين ممثلة الثقافة الأصيلة، المسماة " يامنة " بنت دا مبارك، وزوجة عيسى نادل مقهى " مور "، و فاطمة التي استقرت بتالبورجت، والتي كانت تعيش غربة مجتمعية.
جعلت فاطمة من زيارة يامنة فرصة للكشف عن المفارقات وأوجه التباعد من عباس وسلوكه، وكذلك سلوك أفراد أسرته، وخاصة أخواته اللواتي يدخن ويتعاملن مع الذكور. هذه اللحظة هي مقدمات للطلاق، للانفصال عن ثقافة الغير، للأجنبي الغريب عن أصالة المغاربة وهويتهم.
9 – جينيالوجية ثقافة كناوة.
لم يفت الراوي الالتفات للثقافة المهيمنة على قصبة أكادير أوفلا، وهي الثقافة ذات الأصول الإفريقية. إنها الرقصة الكناوية. هنا توجه لإدراج أسطورة " سيدي بوجمعة أكناو" والذي يشكل ضريحه مزارا للنساء كما للرجال. وإذا كانت عنبرة زوجة دا مبارك هي التي تنشط جلسات الذكر والتذكار بالضريح، فإن الراوي أحاط القارئ بكاريزما الولي الصالح، وسماه ب" في حضرة أمير العرسان وعريس الشهداء ".
10 – ألم الفراق.
بعد فشل الزواج بعباس، حصلت فاطمة على طلاقها لتعود لأسرتها، بل لتعود لماضيها المجيد، لتعود للقصبة، ولتحيي علاقتها بصديقة العمر يامنة بنت دا مبارك. إن الرجوع للقصبة هو رجوع للأصل، للحرية، لمعانقة أزقة ودروب القصبة وساكنتها.
خلافا لوضع فاطمة، يجد عباس نفسه في وضع محرج، فقد أصبح في حالة تيه، حالة ضياع، مما ترتب عنه التعاطي للخمر والتدخين.
11 – قبل الزلزال أو صحوة الضمير.
كغيره من المغاربة المتشبعين بثقافة الثوبة مع شهر رمضان، أستغل عباس، المتأزم نفسيا بسبب طلاقه من فاطمة، حلول شهر رمضان ليغير سلوكه وليتخلي عن بعض عادات االرذيلة، كشرب الخمر ولعب الورق، رغم أنه لم يترك التدخين. هذا التحول المفاجئ لعباس سيدفعه لارتياد المسجد لأول مرة في حياته، كأنه اعتنق الإسلام لأول مرة. وكان يأمل أن تعود إليه فاطمة بعد موافقتها، بعد تكليف صديقه بلافيرج للقيام بدور وساطة الصلح. ورغم أن التخلي عن لعب الورق كان يجره إلى المقهى، فإنه استطاع أن يقاوم هذه الرغبة و يلج المسجد في اليومين الأول والثاني الذي ستقع فيه الكارثة.
12 – تحت الأنقاض.
قدم الراوي هذا الفصل، ما قبل الأخير، بأسلوب متميز، بعبارات عاطفية، تجعل القارئ يتابع أحداث الزلزال، وكأنه يعيشها فعليا، بل يمكن الجزم بأن المتتبع لأحداث الرواية منذ البداية سيجهش بالبكاء، وسيتكون لديه إحساس بالألم والحزن، التي يولدها الوصف الإنساني للمؤلف.
بعد أن خرج عباس سالما من الخراب، وتأكد من وفاة أصدقاءه بمقهى الأندلس، أمتطى سيارته رفقة صديقه بلافريج ليتوجها إلى القصبة. ورغم أنه طلق فاطمة، فإن حبه لها لم ينقطع، لذا ستفصل الرواية في مجهودات عباس ورفاقه في عملية الإنقاذ، ويسوق الراوي، بأسلوب سلس و بعبارات مؤثرة ما وقع في القصبة في رمشة عين، تحث جنح الظلام.
مباشرة بعد الواقعة، توجه الحاج أيت أعديل إلى القصبة، ليجد دا مبارك، الناجي الوحيد، ليجتمعا مع عباس للنبش عن أحياء، ليتم، في مرحلة أولى، إخراج جثة يامنة إبنة دا مبارك. وبعد المزيد من الحفر تحث الأنقاض، سيخرج عباس حبيبته فاطمة، وهي مازالت تتنفس، لكن بمجرد أن تنادي على عباس بصوت خافث، ستنطفئ روحها، وتغادر الحياة. هذه اللحظة المؤثرة ستدفع عباس للمزيد من البكاء، و هو يردد: فاطمة، قولي: سامحتك، سامحتك... لكن فاطمة راحت عند ربها، دون جواب، لتدفن رفقة صديقتها يامنة بمقبرة إحشاش.
13 - بعد الفاجعة: إحياء الذاكرة.
خصص الفصل الأخير من الرواية، لإستحظار شهادات ناجين من الزلزال. وخلافا للطرق التقليدية في الحوار، سلك الرواي منهجا اخر، حيث قام بجولة حول الأمكنة السالمة من الزلزال. كان المحاور الرئيسي هو دا مبارك، كأنه العلبة السوداء لذاكرة أكادير قبل وبعد الزلزال. لقد استثمر الراوي حوار هذا الفصل لاستدراك ما فاته في الفصول السابقة، بل أن كلام شخصية دا مبارك كانت تكشف عن أشياء أخرى، مثلا ما يخص المدينة الجديدة، علما أن الاعتماد على الخطاب الشفهي هو ضمان الخلود الذكريات وحفظها من الضياع. وكما يقال " إذ مات شيخ، إحترقت مكتبة ".
ينقل دا مبارك رفيقه عباس إلى لحظة تذكارية ثانية، هذه اللحظة ستكون بطلتها الممرضة – المولدة " فاطمة عزي " التي كانت تسعف نساء تالبورجت والقصبة، خاصة أمور الحمل والولادة، وكانت يامنة بنت دا مبارك إحداهن. كان اللقاء مع فاطمة عزي فرصة لتذكر ما وقع في الليلة الملعونة، خاصة بمستشفى محمد الخامس – ليوطي سابقا -، حيث شاركت، رفقة قلة من الممرضين، في إنقاد 150 شخصا، رغم حلكة الظلام وقلة أو انعدام وسائل الإسعاف و الإنقاذ.
كانت زيارة حي إحشاش الجديد – حي ولي العهد – فرصة لزيارة ذاكرة – نوسنتلجيا أخرى تخزن الكثير من التاريخ ومن أحداث زلزال أكادير. يتعلق الأمر بشخص خياط يسمى " باموس أهمو " الذي استرسل في الكلام عن المدينة المنكوبة، حيث مزج كلامه بالحسرة على ما وقع، والتذكر لما مضى !!!
قراءة الرواية بتأن، و تتبع أحداثها، تعتبر بحق وسيلة لربطنا بماض مضى ليعود عبر جنس أدبي مشوق، بأسلوب يشد القارئ من البداية، بل يوسع أفق المتلقي، ويغني صوره التخييلية، لأنه يميط اللثام عن ذاكرة مدينة رغم كونها مؤودة، فقد بعثت من رماد.
نظرا لأهمية الرواية وراهنية موضوعها، سنقدم بعض الملاحظات التي نقصد من خلالها اغناء المجهود الذي بدله الكاتب سعيد الغماز. ومن ذلك:
- خارج النص الروائي، صرح المؤلف أن أحداث الرواية واقعية و حقيقية، وأنه إستند في صياغتها على قراءاته لعدة كتب و اطلاعه على عدة شهادات. لكن لم يفصح عن المرجعية التي غرف منها، عن المقلع الذي أخرج منه الحجارة التي بنى به مثنه الروائي. يتعلق الأمر بالجزء الثالث من كتاب " ذاكرة أكادير في القرن العشرين "؛ فكثير من شخصيات الرواية وأماكنها متضمنة بالقول والصورة في الكتاب، مثلا: شخصيات " دا سعيد " نادل مقهى الأندلس و " دا بلعيد " عامل الفرن التقليدي و " فاطمة عزي "و " بيجوان " ... ومقهى " لاريزرف " ومقهى " مور " التي لم يشر المؤلف الى كونها معروفة بمقهى " مازور " نسبة الى الشخص المسؤول على تسييرها.
صحيح أن لمسة الراوي على ترجمة ما تضمنه كتاب " ذاكرة أكادير في القرن العشرين " من تحقيق وتدقيق، تبدو واضحة، خاصة أنه أعاد لها الحياة بتحويلها إلى أحداث تعج بالحياة والموت. لكن المفترض، بناء على ثقافة الاعتراف باعتباره فضيلة، أن يعترف بمجهود مؤلفي كتاب ذاكرة أكادير، ومساهمتم في مده بالمادة الخام لتأليفه.
- نعث أسرة عباس بأسرة " أصيدان "، وتعيين رب الأسرة بالحاج ابراهيم أصيدان، هو مغامرة روائية. فقد تضمن كتاب " ذاكرة أكادير في القرن العشرين " إسم أصيدان كتاجر يهودي يسكن بتالبورجت. وبالفعل، تبين لنا، من خلال البحث، أن لقب أصيدان يطلق على ممثل شركة فيليبس موسى أصيدان، وأخوه ماكس أصيدان بائع الدراجات ولوازمها.
- ما يسيء لاختيار إسم " أصيدان " هو نعث هذه الأسرة بالانحراف والرذيلة، حيث أسندت لعباس وأخواته البنات صفات التعاطي للخمر والتدخين، بل التعامل مع المستعمر الفرنسي, هذا مأ أفصح عنه عرس أصيدان بمقهى " لاريزرف " بشاطئ المدينة. والخطير أن الرواية تضمنت فصلا كاملا تحث عنوان: " فاطمة في بيت سيء السمعة " وهي إشارة لبيت أسرة أصيدان، علما أن العنوان يمكن أن يؤول إلى الماخور السيء السمعة بتالبورجت.
رغم هذه الملاحظات، تبقى مجهودات سعيد الغماز متميزة وواضحة، وتضيف لبنة أخرى للحفظ على ذاكرة مدينة أكادير