حقوق المرأة و ملكية المال في العراق و مصر: من إرث الحضارة إلى فجوة الاستقلال الاقتصادي– مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 9 / 2

يُختزل الحديث عن حقوق المرأة اقتصادياً في كثير من الأحيان في حقها في العمل و الحصول على راتب، وكأن وجود مصدر للدخل يعني تلقائياً وجود استقلال اقتصادي. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالاستقلال لا يتحقق بمجرد أن تعمل المرأة، بل عندما تكون قادرة قانونياً و فعلياً على امتلاك المال و العقار، و إدارة مدخراتها، و الدخول في مشروع أو استثمار، و اتخاذ قراراتها المالية من دون وصاية اجتماعية غير منصوص عليها في القانون. ولهذا تبدو قضية ملكية المال واحدة من أقل قضايا حقوق المرأة نقاشاً، رغم أنها من أكثرها تأثيراً في حياتها اليومية.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى العراق و مصر، وهما من أقدم مراكز الحضارة في المنطقة. ففي وادي الرافدين و وادي النيل تظهر الوثائق التاريخية أن المرأة امتلكت، في مراحل مختلفة، مساحة قانونية و مالية لافتة مقارنة بالسياق الاجتماعي في تلك الأزمنة.
في مصر القديمة، لم تكن المرأة مساوية للرجل في جميع جوانب الحياة، وكان المجتمع أبوياً في بنيته العامة، لكنها استطاعت أن ترث الممتلكات، و تشتري و تبيع الأرض، و تحتفظ بأموالها بعد الزواج، و تدخل في العقود، و تلجأ إلى القضاء. كما كانت بعض الترتيبات الزوجية تنظم الحقوق المالية للزوجة و ملكيتها بصورة واضحة. وفي بلاد الرافدين كانت الصورة تختلف من عصر إلى آخر، إلا أن النساء ظهرن كذلك في العقود الاقتصادية و الملكية و التجارة و إدارة الممتلكات، و امتلك بعضهن الأراضي و الأموال و شاركن في النشاط الاقتصادي بصورة موثقة.
لا يعني ذلك أن المرأة القديمة كانت أكثر حرية بصورة مطلقة، فالمجتمعات القديمة عرفت قيوداً اجتماعية و قانونية واسعة، لكن المفارقة تبقى قائمة: بعض الحقوق المالية التي كانت واضحة قبل آلاف السنين ما زالت اليوم موضع تفاوض اجتماعي داخل الأسرة.
وتظهر الأرقام الحديثة حجم الفجوة بصورة أكثر مباشرة. ففي العراق بلغت مشاركة النساء في قوة العمل عام 2025 نحو 10.9% فقط، مقابل 72.6% للرجال، بينما بلغت في مصر نحو 18.5% للنساء مقابل قرابة 70.5% للرجال. وهذا يعني أن غالبية النساء في البلدين ما زلن خارج النشاط الاقتصادي الرسمي، وإن كان الوضع المصري أفضل نسبياً.
أما العلاقة بالنظام المالي الرسمي فتوضح فارقاً آخر. ففي العراق امتلك نحو 18.8% فقط من النساء حساباً مصرفياً أو حساباً لخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول في 2024، مقابل 40.8% من الرجال. وفي مصر اقتربت النسبة بين النساء من 40.2% مقابل نحو 46% للرجال. هذه المؤشرات لا تعني أن كل امرأة بلا حساب مصرفي محرومة من مالها، لكنها تكشف المسافة بين المرأة و الأدوات التي تسمح لها ببناء هوية مالية مستقلة.
ومع ذلك، لا يكفي امتلاك حساب مصرفي أو راتب شهري. فقد تكون المرأة موظفة لسنوات لكنها لا تمتلك عقاراً باسمها، ولا مدخرات مستقلة، وقد تشارك في شراء منزل أو تأسيس مشروع عائلي بينما تسجل الملكية باسم الزوج أو أحد أفراد الأسرة. وقد تحصل على نصيبها من الميراث قانوناً، لكنها تتنازل عنه تحت ضغط اجتماعي أو خوفاً من الخلاف مع الإخوة و الأقارب. هنا يظهر الفرق الحقيقي بين «الحصول على المال» و «امتلاك المال».
كما أن ضعف الملكية يجعل المرأة أكثر هشاشة عند الأزمات. فالطلاق، و الترمل، و فقدان المعيل، و النزوح، قد تحول امرأة كانت تعيش بمستوى اقتصادي مقبول إلى شخص بلا أصول أو ضمان مالي. ولهذا فإن ملكية البيت أو الأرض أو المدخرات ليست ترفاً، بل أداة حماية اقتصادية و اجتماعية.
ولا ينبغي فهم الاستقلال الاقتصادي على أنه دعوة إلى تفكيك الأسرة أو فصل مصالح الزوجين. الأسرة تقوم بطبيعتها على التعاون و المشاركة، لكن الفرق كبير بين المشاركة الطوعية و فقدان حق التصرف. عندما تعمل المرأة ثم يصبح دخلها مورداً عائلياً لا تملك قرار استخدامه، أو عندما تسهم في أصل اقتصادي لا يظهر اسمها في ملكيته، فإن المشكلة تتجاوز المال إلى مفهوم المواطنة و الأهلية القانونية نفسها.
الحل لا يبدأ بالشعارات، بل بأدوات عملية. من الضروري توسيع الشمول المالي للنساء، و تسهيل فتح الحسابات و الوصول إلى الخدمات المصرفية و الرقمية، و تشجيع تسجيل العقارات و الأصول بأسماء أصحاب الحقوق الفعليين، و توفير التوعية و المساعدة القانونية في قضايا الميراث و الملكية. كما تحتاج الدول إلى بيانات أكثر دقة عن ملكية النساء للأرض و العقار و المشاريع، لأن ما لا يُقاس غالباً لا يدخل بجدية في السياسات العامة.
برأيي المتواضع فإن تمكين المرأة لا يُقاس بعدد الموظفات أو الشهادات الجامعية فقط، بل بقدرتها على تكوين أصل مالي تملكه و تديره و تحميه قانونياً. المرأة التي تعمل لكنها لا تستطيع الادخار، أو تمتلك حقاً لا تستطيع المطالبة به، أو تسهم في مال لا تملك قرار التصرف به، ما زالت بعيدة عن الاستقلال الحقيقي. ولعل أكثر ما يدعو إلى التفكير أن بغداد و القاهرة، وهما وريثتا حضارتين عظمتين، ما زالتا تناقشان اليوم بعض الحقوق المالية التي عرفت النساء أشكالاً منها قبل آلاف السنين.