سلاح لا يستطيع الرجل الصمود أمامه



ناضل حسنين
2026 / 9 / 4

الكل يتحدث عن المجتمع العربي باعتباره مجتمعًا ذكوريًا، مجتمعًا يمنح الرجل السلطة ويضع المرأة في الهامش، أو يسمح لها بدور مشروط، على أن يبقى الرجل فوق رأسها، يقرر عنها ويدير حياتها ويدير دورها.
لكن هناك حقيقة لا يحب كثيرون الحديث عنها. في هذا المجتمع الذي يبدو للوهلة الأولى ذكوريًا حتى النخاع، هناك سلاح تملكه المرأة يمكنه، في لحظة واحدة، أن يقلب موازين القوة كلها، وأن يسقط الرجل الذي يبدو أقوى من الجميع. يكفي أن يتعرض هذا الرجل القوي لتهمة التحرش بامرأة أو بالمساس بشرف فتاة.
من تلك اللحظة تبدأ القوة في التبخر. قد يكون الرجل صاحب منصب، وقد يكون صاحب نفوذ، وقد يكون محاطًا بالمال والعلاقات والجاه. لكن بمجرد أن تدخل تهمة من هذا النوع إلى حياته، يصبح كل ما بناه طوال سنوات مهددًا بالانهيار.
إذا وصلت القضية إلى القضاء، فهناك قانون سيقول كلمته، ومن تثبت إدانته لا يمكن أن يحتمي بمنصبه ولا باسمه. لكن الأخطر أحيانًا يبدأ قبل المحكمة. إنها السمعة.
في مجتمعاتنا العربية، السمعة ليست شأنًا فرديًا. إنها ملك جماعي، وضحية التحرش لا تحمل اسمها وحده، بل تحمل وراءه اسم عائلتها ومكانتها وصورتها في المجتمع، أي تحمل شرف هذه العائلة، وأي اعتداء عليها يعتبر مساس بشرف العائلة برمتها. ولهذا يمكن لتهمة واحدة يتعرض لها الرجل أن تتحول إلى سقوط حر، حتى قبل أن يصدر القضاء حكمه.
وهنا تكمن المفارقة القاسية. الرجل الذي لا يهزه شيء قد يجد نفسه عاجزًا أمام مجرد اتهام يمس امرأة أو فتاة. قوته، ومكانته، وهيبته، وعلاقاته، كلها تصبح فجأة عاجزة عن حمايته من كلمة واحدة.
وأما الرجل من عرب الداخل فخلافا لنظيره فيجد نفسه في مواجهة مزدوجة. هناك أولًا القانون، الذي يحاسب من تثبت عليه مثل هذه الأفعال، ولا ينبغي لأحد أن يكون فوقه. وهناك في المقابل الحساب الاجتماعي، الذي قد يتجاوز الشخص نفسه إلى عائلته ومحيطه، لأن المساس بشرف فتاة لا يعتبر في مجتمعنا اعتداءً على فرد واحد فقط، بل جرحًا يصيب دائرة اجتماعية واسعة من حولها.
والأغرب أن مجتمعنا نفسه يملك معايير شديدة القسوة في هذا المجال. قد تمر صفعة على وجه فتاة أثناء شجار بوصفها لحظة غضب، لكن مجرد لمس شعرها بنية قذرة قد ينظر إليه باعتباره فعلًا أكثر خطورة وإهانة، لأن المسألة عندها لا تتعلق بالعنف وحده، بل بالشرف والكرامة والحدود التي لا يسمح المجتمع بتجاوزها.
إذن، كيف يكون المجتمع ذكوريًا إلى هذا الحد، بينما يستطيع اتهام صادر عن امرأة أن يهزم رجلًا مهما بلغت قوته؟ هذه هي المفارقة التي لا نحب الاعتراف بها. الذكورية لا تعني أن الرجل محصن من المرأة. فأحيانًا يكون الرجل، بكل ما يملكه من قوة، في أضعف حالاته أمامها.
ولهذا فإن القضية المتداولة اليوم حول مرشح الكنيست جعفر فرح، بصرف النظر عن تفاصيلها، وبصرف النظر عما إذا كان البعض يراها قضية أخلاقية ويرى فيها آخرون مؤامرة، تفتح بابًا أكبر بكثير من القضية نفسها. إنها تذكرنا بأن هذا السلاح موجود.
لكن السلاح، مثل كل سلاح، يمكن أن يكون وسيلة لكشف الحقيقة، ويمكن أن يتحول أيضًا إلى أداة للتدمير إذا استخدم زورًا. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة. لأن اتهامًا صادقًا قد ينقذ امرأة من اعتداء، أما اتهام كاذب فقد يدمر حياة إنسان بريء.
وفي الحالتين، لا تعود المسألة لعبة. إنها حياة إنسان، وسمعته، وكرامته، ومستقبل عائلته. ولهذا لا يجوز أن تكون الكلمة وحدها محكمة، كما لا يجوز أن تتحول هيبة الرجل إلى درع يحميه من الحقيقة. بين الاثنين يجب أن يقف شيء واحد فقط: الحقيقة.