العراب يزن يكتب: ميزان القرب وخديعة ال «شوجر دادي».. المرأة بين البهرج والغدر



يزن تيسير سعاده
2026 / 9 / 5

في زمن أُرهقت فيه المجتمعات تحت وطأة الديون المتتالية، واختنقت فيه الأسر نتيجة القرارات التنظيمية الخاطئة والتخطيط الفاشل، لم تعد الأزمات مجرد أرقام جافة في تقارير المؤسسات المالية. لقد تسرب الانهيار كالسّم اللطيف إلى قلب العقد الاجتماعي، مستهدفاً البنية الأخلاقية والنفسية، ولعل أكثر الساحات تأثراً واضطراباً في هذا التحول هي مؤسسة الزواج، التي تحولت في كثير من محطاتها من سكنٍ ومودة إنسانية إلى حلبة صفقات وملاذ هارب من جحيم الفقر.

تشهد المجتمعات اليوم تحولاً خطيراً في منظومة الوعي الإنساني والأنثوي؛ حيث يتراجع حلم الشراكة القائمة على الحب والوفاق لصالح حلم الرفاهية السريعة والهروب المادي. إن ظاهرة التفكير في الزواج من أثرياء أو ما بات يُعرف بصفقات الزواج من "الشوجر دادي" لم تعد مجرد شذوذ سلوكي أو نزوة فردية، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء تلجأ إليها بعض النساء لتأمين حياة مليئة بالمجوهرات والملابس الفاخرة. ولكن، وفق رؤيتنا الفكرية في "ميزان القرب"، فإن هذا التحول يمثل خللاً جائراً في فلسفة العلاقات؛ حيث يُقاس القرب والأمان بمدى الامتلاء المالي لا بالعمق الإنساني والروحي. إنها معاهدة يبيع فيها الإنسان شعلة قلبه وشغفه مقابل قشور وزينة ظاهرة، ليجد نفسه متلبساً بحياة خالية من المعنى، ممتلئة بالبهرج الغدار الذي يفتقر لأدنى درجات الحب والوفاق.

إن ما يبدو اليوم كحلٍ سحري لهروب المرأة من شبح الفقر، هو في الحقيقة فخ ناعم ومكتمل الأركان. زواج المصلحة يُجرد الطرفين من إنسانيتهما؛ يرى فيه الرجل المالي ملكيةً يستطيع شراءها بستار الرفاهية، وترى فيه المرأة صرافاً آلياً يسد رمق تطلعاتها المادية، وفي هذه المعادلة الصفريّة، تسقط المشاعر الإنسانية صريعة. إن المرأة التي تختار إطفاء شعلة قلبها لتضيء أضواء الحفلات الزائفة تكتشف متأخرة أنها انتقلت من سجن الحاجة الاقتصادية إلى سجن العزلة الروحية. فالبهرج الذي يُبهر الأبصار في البداية سرعان ما يستحيل إلى جدران باردة، لا حب يرمم فيها الانكفاء النفسي، ولا وفاق يقي فيها من حرارة الجفاف العاطفي.

هذا النزوع نحو البهرج لا ينفصل بحال من الأحوال عن الواقع الاقتصادي المأزوم. إن ارتفاع معدلات العنوسة والتفكك الأسري في بلد يرزح تحت ديون ثقيلة وتخبط في التنظيم والتنمية ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مؤشر خطر على اختلال "ميزان القرب" بين المواطن وبيئته. وعندما يعجز الشاب الطامح لبناء بيت عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة بسبب سياسات الإرهاق الاقتصادي، يتهاوى مفهوم الشراكة العاطفية التقليدية، وتتجه الأنظار نحو الخيارات السهلة وإن كانت مكلفة أخلاقياً وإنسانياً. وهنا يكمن التحذير الفكري لـ "ميزان القرب": حين يتحول الأمان المالي إلى بديل تام للأمان العاطفي، فإن المجتمع يتجه بخطى حثيثة نحو تسليع الإنسان وتفريغ العلاقات من مضمونها الأخلاقي.

إن هذا التدهور الاجتماعي يفرض علينا أسئلة صريحة ومؤلمة حول ما إذا كانت القيمة الإنسانية والمكانة العاطفية قد أصبحت تُقاس بالفعل بحجم الحساب البنكي وبريق المجوهرات، وكيف تحولت التضحية بالكرامة العاطفية والوفاق النفسي إلى خيار يراه البعض منطقياً لكسر طوق الفقر، ومدى مساهمة السياسات التنموية الفاشلة والديون المتراكمة في إفساد الفطرة الإنسانية وتشويه جوهر الزواج.

إن التصدع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم ليس مجرد قلة في الموارد المادية، بل هو أزمة قيم عميقة يغذيها الخوف من المستقبل والهروب إلى الحلول الفردية الزائفة. ولن يصلح هذا الخلل إلا بإعادة ضبط "ميزان القرب"؛ الميزان الذي يعيد للاستقرار الإنساني قيمته، وللزواج معناه الأصيل كرباط مودة وسكن ووفاق، لا كصفقة تجارية ينتهي بريقها عند أول اختبار حقيقي للحياة. فالبهرج قد يشتري الراحة المؤقتة والرفاهية الشكلية، لكنه أبداً لا يستطيع شراء سلام الروح ولا دفء القلوب.