|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

سعاد عزيز
!--a>
2026 / 9 / 6
ليس غريبا أن يكون ملف حقوق الإنسان، والمرأة تحديدا، من أكثر الملفات التي تثير حفيظة نظام الملالي. فحقوق الإنسان بالنسبة لهذا النظام ليست مجرد ملف دولي يواجه بشأنه انتقادات وإدانات، وإنما مرآة تكشف طبيعة منظومته السياسية والاجتماعية، وتفضح التناقض الصارخ بين الشعارات التي يرفعها والممارسات التي يفرضها على الإيرانيين.
وعلى الرغم من تراكم الإدانات الدولية، يصر النظام على رفض أبسط حقيقة: أنه أمام منظومة حكم تتهم بصورة متكررة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. بل إن المفارقة الأكثر إثارة للسخرية هي أن النظام لا يكتفي بإنكار هذه الحقيقة، وإنما يحاول أحيانا تقديم نفسه للعالم بوصفه مدافعا عن القيم والأخلاق والحقوق!
لكن ما يخشاه الملالي اليوم ليس الإدانات بحد ذاتها، وإنما انتقال الحقيقة من داخل إيران إلى خارجها.
وهنا تكمن أهمية مشروع "مكافحة النفوذ الأجنبي" الذي أثار إدانة بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في إيران، والتي دعت إلى سحبه، بينما حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، من أن تتحول الاتصالات بين الإيرانيين والعالم الخارجي إلى مجال تتحكم به الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
فأي نظام واثق من نفسه لا يخشى أن يتحدث مواطنوه مع العالم. ولا يخشى الصحفي الذي ينقل الحقيقة، ولا الباحث الذي يوثق الوقائع، ولا الناشط الذي يفضح الانتهاكات. أما حين تتحول المعلومة إلى جريمة، والتواصل إلى "نفوذ أجنبي"، والشهادة على الانتهاك إلى تهمة أمنية، فإن ذلك يكشف شيئا واحدا: أن السلطة لم تعد تخشى خصومها بقدر ما تخشى الحقيقة.
والأخطر أن الصياغات الفضفاضة التي تسمح بتجريم التواصل تحت عناوين مثل "السيادة" و"الوحدة الوطنية" و"الاستقلال" تمنح الأجهزة الأمنية مساحة شبه مفتوحة لملاحقة المجتمع. وهكذا يصبح الصحفي، والطالب، والباحث، والناشط الحقوقي، وحتى المواطن العادي، معرضا لأن يتحول تواصله الطبيعي مع الخارج إلى ملف أمني.
وهذه السياسة لا يمكن فصلها عن قضية المرأة الإيرانية. فمنذ أن تحولت المرأة إلى رأس حربة في الاحتجاج على القوانين القسرية والتمييز، بات جسد المرأة وحريتها وحقها في الاختيار ميدانا لصراع أوسع حول مستقبل المجتمع الإيراني كله. ولم تعد المرأة الإيرانية مجرد ضحية لانتهاك الحقوق؛ لقد أصبحت شاهدا على طبيعة النظام، ورمزا لمجتمع يرفض أن تفرض عليه السلطة شكل حياته ومستقبله بالقوة.
ولهذا يريد النظام أن يغلق النوافذ قبل أن يغلق الأبواب. يريد أن يمنع الصورة قبل انتشارها، والشهادة قبل تسجيلها، والتواصل قبل أن يتحول إلى تضامن دولي. إنه لا يحارب "النفوذ الأجنبي" بقدر ما يحاول احتكار تفسير ما يجري داخل إيران.
لكن التاريخ أثبت أن الجدران الأمنية لا تستطيع أن تحجب الحقيقة إلى الأبد. فقد يستطيع النظام قطع الإنترنت، وتجريم التواصل، وتهديد الصحفيين والنشطاء، وتشديد العقوبات؛ لكنه لا يستطيع إلغاء أسباب الغضب التي صنعت الاحتجاج، ولا محو الذاكرة التي صنعتها الضحايا، ولا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
إن مأزق الملالي الحقيقي ليس أن العالم يتدخل في شؤون إيران، بل أن الإيرانيين أنفسهم باتوا يريدون أن يسمع العالم صوتهم.
ومن هنا، فإن مشروع «مكافحة النفوذ» يكشف مقدار ضعف النظام أكثر مما يكشف عن قوته. فالنظام الواثق من شرعيته يفتح أبوابه للعالم، أما النظام المرتبك فيغلق النوافذ ويضع الحراس على الأبواب.
وفي النهاية، قد يستطيع الملالي تجريم الكلام، لكنهم لن يستطيعوا تجريم الحقيقة؛ وقد يستطيعون عزل المجتمع عن العالم لبعض الوقت، لكنهم لن يستطيعوا عزل الحقيقة عن المجتمع إلى الأبد.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|