|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
تغريد شحادة
!--a>
2026 / 9 / 6
المرأة ليست حالة واحدة يمكن اختصارها بكلمة، ليست عاشقة فقط، ولا قوية او حساسة ، ولا تلك التي تعرف دائما ماذا تريد، هي مزيج من حالات كثيرة، تتبدل بينها دون ان تفقد حقيقتها، وقد تجتمع كلها فيها في لحظة واحدة، قد تكون واثقة جدا، ثم تربكها كلمة، وهادئة، بينما يدور في داخلها حديث طويل لم يسمعه احد، قد تشتاق، ثم يمنعها كبرياؤها من الاقتراب، تتذكر كل شيء، لكنها تتصرف كما لو انها نسيت، واحيانا تريد ان تسأل سؤالا واحدا، ثم تقرر ان بعض الاجابات لم تعد تستحق السؤال، فالمرأة لا تعيش مشاعرها في خطوط مستقيمة، ولا تنتقل دائما من الحب الى النسيان، ومن الحزن الى التعافي، من الضعف الى القوة كما لو كانت تغلق بابا وتفتح آخر، في داخلها تبقى اشياء كثيرة معا، تبقى التي صدقت ووثقت كثيرا، الى جانب المرأة التي اصبحت اكثر حذرا، التي عرفت الخوف، الى جانب تلك التي تعلمت ان بعض الفقد نجاة، والعاشقة حتى بعد ان يصبح الحب في نظرها اكثر تعقيدا من مجرد شعور جميل، فالمرأة حين تحب تصبح التفاصيل اكثر وضوحا في عالمها، الكلمة ليست مجرد كلمة، والصمت ليس دائما مجرد صمت، والاهتمام الصغير قد يعني لها الكثير، كما ان التغير البسيط قد يفتح في داخلها اسئلة لا تنتهي، تنتبه الى النبرة، الغياب، الى الاختلاف بين ما كان وما اصبح، والى اشياء قد تمر عادية، لكنها بالنسبة اليها تحمل في طياتها معاني كثيرة، وربما لهذا تحفظ المرأة الشعور اكثر مما تحفظ الحدث، قد تنسى متى حدث الشيء، لكنها لا تنسى كيف جعلها تشعر، قد تنسى تفاصيل الحديث، ولا تنسى جملة واحدة غيرت شيئا في داخلها، وقد تمر سنوات، ثم تعيدها كلمة او مكان او موقف عابر الى لحظة كانت تظن انها تجاوزتها تماما، فالذاكرة لا تعمل دائما وفق ما نريده، وبعض الاشياء تنتهي في الحياة قبل ان تنتهي في داخلنا، وحين تجرح المرأة، لا تختفي تلك التي احبت، تبقى منها اثار صغيرة، لهذا قد تبتعد وهي ما زالت تشتاق، وقد تسامح دون ان تستطيع العودة، وقد تقول انها تجاوزت، وتكون صادقة، ثم يوقظ موقف عابر ذكرى قديمة، فيعيد الى القلب شيئا من احساس ظنت انه انتهى، ليس كل ما نتجاوزه ننساه، وليس كل ما نتذكره نريد استعادته، وهذه واحدة من اكثر الحالات الانسانية تعقيدا، ان يصبح الشيء جزءا من الذاكرة، ومع الوقت تتعلم المرأة ان اشتياقها لا يعني ضعفها، وان حزنها لا يلغي قوتها، وان خوفها لا يجعلها اقل شجاعة، وان حساسيتها ليست عيبا، فالقوة ليست في ان تصبح غير قادرة على الاحساس بالالم، بل في ان تعرف ما يؤلمها، ثم تعرف كيف تحمي نفسها منه، وليست القوة في ان تنكر حاجتها الى الحب، بل في الا تجعل هذه الحاجة سببا لقبول ما لا يليق بها، وهناك مرحلة تصل اليها المرأة لا تصبح فيها اقل قدرة على الحب، بل اكثر فهما له، تكتشف ان الحب ليس كلمة وحدها، وان الاشتياق ليس اختيارا، وان الوعود لا تساوي شيئا ان لم تحملها الافعال، وتفهم ان وجود شخص في القلب لا يعني بالضرورة ان يكون له مكان في الحياة، عندها تبدأ في فهم معنى ان تعرف قيمتها، لا بالغرور ولا بالقسوة، بل بذلك الوعي الهادئ الذي يجعلها تعرف ما تستحق وما لا تستطيع قبوله، وهنا تحديدا لن تقبل نصف حب، لن يكفيها حضور متردد، ولا اهتمام يأتي ويغيب، ولا كلمات كثيرة تتركها في النهاية امام السؤال نفسه، اين اقف من كل هذا؟ فالمرأة التي نضجت عاطفيا لا تبحث عن كثرة الكلام بقدر ما تبحث عن وضوحه، ولا عن شدة البدايات بقدر ما تبحث عن صدق الاستمرار، وقد تكون اصعب حالات المرأة حين يصل القلب والعقل الى اجابتين مختلفتين، ان تحب، لكنها تعرف ان عليها ان تمضي، ان تشتاق لكنها لا تعود، ان يبقى شيء جميل في داخلها تجاه شخص ما، ومع ذلك تدرك ان وجوده في حياتها لم يعد مناسبا لها، هنا يصبح الرحيل مختلفا، فالرحيل عن شيء انتهى اسهل من الرحيل عن شيء ما زال حيا في القلب، ان تقول لا لشيء ما زلت تريده، ان تختار نفسك دون ان يعني ذلك ان مشاعرك اختفت، ان تدرك ان بعض العلاقات لا تنتهي بسبب غياب الحب، بل لان الحب وحده لم يعد كافيا، وفي هذه المرحلة يحدث تحول هادئ في داخل المرأة، من التي كانت تنتظر كلمة، الى التي اصبحت تفهم معنى الكلمة، من التي كانت تبحث عن الحب، الى التي تبحث عن الحب الذي يليق بها، ومن التي كانت تخاف ان تفقد من تحب، الى التي تعرف ان عليها قبل كل شيء الا تفقد نفسها، لكن النضج لا يمحو كل النسخ القديمة منها، تبقى في داخلها تلك التي تفرح من قلبها، وتلك التي تغار وتتاثر، وتلك التي تخاف، والتي تقول لا يهم بينما يعنيها الامر كثيرا، والتي تصمت لان الكلام هذه المرة لن يغير شيئا، وتبقى ايضا تلك التي تريد ان تبدو قوية، رغم انها تعبت من القوة احيانا، وقد تجتمع كل تلك النساء في امرأة واحدة، فالمرأة تحمل عمرها معها، تحمل الفتاة التي حلمت، وانتظرت، وخاب ظنها، وتلك التي بدأت من جديد، وسامحت، وقالت في يوم ما كفى، وما زالت رغم كل ما حدث، قادرة على ان تؤمن بان الاشياء الجميلة ممكنة، لهذا قد تغلق المرأة بابا بكل ثبات، ثم تحزن عليه، وتتخذ القرار الصحيح، ومع ذلك تتالم، فالقرار الصحيح ليس دائما القرار الذي لا يوجع، وقد تضحك بينما تحمل في داخلها شيئا ثقيلا، وتنجو من امر كبير، ثم تؤلمها كلمة صغيرة، لا لان الكلمة اقوى منها، بل لانها مست مكانا لا يعرفه سواها، ليس في ذلك تناقض، هناك فقط نفس بشرية لا تسير وفق معادلات جاهزة، وربما تكون رحلة المرأة الحقيقية مع الزمن هي رحلتها في فهم هذه الحالات كلها، فعليها ان تتوقف عن لوم نفسها لانها شعرت كثيرا، ان تسامح نفسها على لحظات الضعف، ان تحترم المرأة التي اختارت الرحيل، وان تتفهم تلك التي احتاجت وقتا طويلا حتى تستطيع ذلك، لتدرك ان الرقة لا تناقض القوة، الاستقلال لا يلغي الحاجة الى الحب، الكبرياء لا يمحو الاشتياق، والنضج لا يعني ان يصبح القلب باردا، ثم تصل بعد كل ذلك الى سلام مختلف، وهذا لا يعني انها لم تعد تحزن، تشتاق، تخاف، بل يعني انها لم تعد تخجل من اي امرأة مرت بها في طريقها الى نفسها، لا تخجل من العاشقة، المجروحة، المنتظرة، والتي اخطأت، سامحت اكثر مما ينبغي، ولا من التي تاخرت كثيرا قبل ان تقول كفى، فكل واحدة منهن صنعت شيئا من المرأة التي اصبحت عليها اليوم، ولعل اجمل ما في المرأة انها لا تحتاج ان تختار بين كل هذه الحالات، يمكنها ان تكون قوية ورقيقة، عاقلة وحالمة، واثقة وخائفة في بعض اللحظات، ان تحب وتعرف متى تمضي، ان تتذكر دون ان تعود، وان تحمل قلبا شديد الحساسية، دون ان تسمح للعالم بان يقنعها ان حساسيتها نقص، فالمرأة لا تكون امرأة في حالة واحدة، هي حكاية من التحولات، وذاكرة من المشاعر، ونسخ كثيرة تعيش معا في روح واحدة، امرأة احبت، تعلمت، تغيرت، وامرأة ما زالت تكتشف نفسها، انها ببساطة... امرأة في كل حالاتها.
29.8.2026