المرأة ليست سلعة ولا سلاحًا ولا شعارًا موسميًا



فريد بوكاس
2026 / 9 / 8

في الثامن من مارس من كل عام، تحدث المعجزة! فجأة، تتذكر الشركات أن للمرأة حقوقًا، ويتذكر السياسيون أن للمرأة صوتًا، وتتزين الشوارع بالشعارات، وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بصور الورود والتهاني، وتبدأ خطابات طويلة عن «تمكين المرأة» و«تحرير المرأة» و«المساواة». ثم ينتهي اليوم، وتعود المرأة إلى حياتها، ويعود السياسي إلى حملته، والشركة إلى إعلاناتها، والإعلام إلى تجارته، ويُغلق ملف المرأة حتى العام المقبل. يا لها من مهزلة! المرأة لا تحتاج إلى يوم عالمي كي نتذكر وجودها، ولا تحتاج إلى وردة إلكترونية أو منشور منسوخ أو شعار عاطفي يُكتب مرة في السنة؛ المرأة تحتاج إلى احترام يومي، وفي كل لحظة وثانية.

فالمرأة ليست مناسبة في التقويم، وليست حملة تسويقية موسمية، وليست ورقة انتخابية، وليست جسدًا يوضع في إعلان لجذب الأنظار. المرأة إنسان. وقبل أن تكون شعارًا سياسيًا أو وجهًا إعلانيًا، هي الأم التي حملتنا في أحشائها تسعة أشهر، وتحملت مشقة الحمل وآلامه، ثم واجهت الولادة بما فيها من تعب وألم ومخاطر، وبعد ذلك لم تحصل على إجازة من الأمومة، بل بدأت المعركة الحقيقية: السهر، والرضاعة، والرعاية، والخوف، والمرض، والتربية، والقلق على المستقبل. ومع ذلك، هناك من يتعامل مع كل ذلك باعتباره أمرًا طبيعيًا لا يستحق حتى كلمة شكر.

المرأة... بين السياسة والسوق

المشكلة أن المرأة أصبحت، في كثير من الأحيان، محاصرة بين أشكال متعددة من الاستغلال: استغلال سياسي، واستغلال اجتماعي، واستغلال اقتصادي، وأحيانًا استغلال إعلامي وأمني واستخباراتي. كل طرف يريد شيئًا منها؛ السياسي يريد صوتها، والشركة تريد صورتها أو جسدها لبيع منتجاتها، والإعلام يريد حضورها لجذب المشاهد، وبعض القوى قد تحاول استغلال حياتها الخاصة وعلاقاتها للوصول إلى معلومات أو أشخاص. ثم يأتي الجميع في النهاية ليتحدثوا عن «مصلحة المرأة»! أي مصلحة هذه، حين يصبح الجميع مستفيدًا منها بينما تبقى هي نفسها آخر من يستفيد؟

السياسة من أكثر المجالات قدرة على تحويل الإنسان إلى رقم. وفي كل مرة تقترب الانتخابات، تصبح المرأة فجأة قضية مركزية: خطابات عن التمكين، وعن المساواة، وعن المشاركة، وعن المستقبل. لكن أين تختفي هذه الشعارات بعد انتهاء الانتخابات؟ كم مرة تحولت المرأة إلى مجرد صورة تُعلّق على لافتة انتخابية؟ وكم مرة أصبح وجودها في قائمة سياسية مجرد وسيلة لإثبات «التنوع» أمام الكاميرات؟ المرأة ليست ديكورًا سياسيًا، وليست بطاقة انتخابية، وليست رقمًا تستخدمه الأحزاب والمؤسسات عندما تريد تحسين صورتها. ومن يريد الدفاع عن المرأة، فليدافع عنها عندما لا توجد كاميرات، ولا انتخابات، ولا مصلحة سياسية.

أما السوق، فقد اكتشف طريقة أخرى لاستغلالها: استغلال جسدها. تصفح بعض الإعلانات وستجد المفارقة المضحكة المبكية: سيارة؟ امرأة شبه عارية. عطر؟ امرأة شبه عارية. مشروب؟ امرأة شبه عارية. منتج إلكتروني؟ امرأة شبه عارية. بل حتى المنتجات التي لا علاقة لها بالمرأة أصلًا تُسوَّق أحيانًا من خلال جسدها وصورتها. ثم يأتي أحدهم ليقول: هذه حرية، هذا فن، هذا تسويق، هذا اختيار شخصي. ولكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: متى يصبح جسد الإنسان سلعة تجارية؟

عندما تستخدم الشركة جسد المرأة كأداة لجذب المستهلك ورفع المبيعات، فإن المرأة لم تعد في تلك اللحظة هي الهدف، بل أصبحت وسيلة. وهنا يمكن الحديث بوضوح عن تسليع جسد المرأة والمتاجرة بصورته لأغراض تجارية. المشكلة ليست في جسد المرأة، وليست في جمالها، وليست في اختيارها الشخصي لمظهرها؛ المشكلة في المنظومة التي تختزل قيمتها في قدرتها على جذب الأنظار. أي تحرير هذا الذي يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته على إثارة أعين المستهلكين؟ وأي تمكين هذا الذي ينتهي بالمرأة إلى أن تكون طُعمًا بصريًا لبيع سيارة أو عطر أو هاتف؟

الحرية ليست في قطعة قماش

وهنا تبدأ المعركة الأكثر سطحية: ماذا ترتدي المرأة؟ كم تغطي؟ كم تكشف؟ هل ترتدي هذا أم ذاك؟ وكأن قضية المرأة كلها يمكن أن تُختصر في قطعة قماش! المرأة ليست قطعة قماش حتى نقيس حريتها بعدد السنتيمترات التي تغطي جسدها أو تكشفه. فإذا كان البعض يريد إقناع المرأة بأن الحرية تعني كشف الجسد، فهو يرتكب خطأ لا يقل خطورة عن الطرف الذي يريد فرض لباس معين عليها بالقوة. ففي الحالتين، هناك من يجعل جسد المرأة هو محور وجودها.

المرأة ليست جسدًا فقط؛ هي عقل، وشخصية، وإرادة، ومشاعر، وطموحات، ومسؤوليات، وأمومة، وعمل، وخبرة، وحياة كاملة. الحرية الحقيقية لا تُقاس بكمية القماش، وإنما بمدى احترام الإنسان وكرامته وقدرته على اتخاذ قراراته بعيدًا عن الاستغلال والإكراه. فالمرأة لا ينبغي أن تُختزل في ما ترتديه، كما لا ينبغي أن تُختزل في جسدها أو شكلها أو قدرتها على جذب الآخرين.

تسعة أشهر من الحمل... ثم تبدأ الرحلة

هناك حقيقة بسيطة يتجاهلها كثيرون وسط صخب الشعارات: كل واحد منا بدأ حياته داخل امرأة. المرأة هي التي تحمل، وهي التي تمر بتجربة الحمل بما فيها من تغيرات ومشقة، وهي التي تواجه الولادة، ثم تبدأ مرحلة جديدة من التعب لا تقل أهمية عن الحمل والولادة: التربية. والأم التي تستيقظ في الليل عندما يمرض طفلها لا تقوم بعمل «هامشي»، والتي تعيش القلق عندما يتأخر طفلها ليست ضعيفة، والتي تتابع دراسته وأخلاقه وصحته ومستقبله لا تؤدي وظيفة بلا قيمة؛ إنها تبني إنسانًا.

والمجتمع الذي يحتقر العمل التربوي لأنه لا يحمل راتبًا شهريًا يحتاج إلى إعادة النظر في معنى «العمل» نفسه. لقد أصبح من السهل جدًا أن نقول للمرأة: «كوني مستقلة»، لكن الاستقلال لا يعني احتقار الأمومة، ولا يعني إقناع المرأة بأن الإنجاب والتربية عبء يجب التخلص منه حتى تصبح «حرة». وفي المقابل، لا يعني تقدير الأمومة إجبار كل امرأة على أن تكون أمًا. القرار يجب أن يكون للمرأة، والاحترام يجب أن يكون حاضرًا في الحالتين.

الأسرة ليست سجنًا... وليست عدوًا

هناك خطاب متطرف يصور الأسرة وكأنها أصل كل الشرور، وكأن العلاقة بين الرجل والمرأة معركة صفرية لا يمكن أن ينتصر فيها أحد إلا بخسارة الآخر. وهذا خطر؛ لأن الأسرة المتماسكة ليست عدوًا للمرأة، وليست عدوًا للرجل، بل يمكن أن تكون مصدر حماية واستقرار ورحمة وتعاون. المشكلة ليست في الأسرة، وإنما في الأسرة التي تقوم على العنف والإكراه والإهانة والاستغلال، كما أن المشكلة ليست في استقلال المرأة، وإنما في تحويل الاستقلال إلى حرب دائمة على الرجل أو على الأسرة.

ومن هنا يجب أن نطرح سؤالًا لا يحب كثيرون سماعه: من المستفيد عندما تتحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع دائم؟ من المستفيد عندما يصبح الزواج معركة؟ ومن المستفيد عندما تنهار الثقة داخل الأسرة ويصبح الأب خصمًا والأم خصمًا والأطفال ضحايا لصراع لا ينتهي؟ هذه أسئلة مشروعة، لكنها تحتاج إلى أدلة وتحليل، لا إلى نظريات مؤامرة جاهزة.

المرأة في لعبة النفوذ العالمي

وعندما ننتقل من المجتمع إلى دوائر النفوذ الكبرى، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. هناك من يرى أن العالم تحكمه شبكات واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية، وأن بعض مراكز القوة تحاول التأثير في المجتمعات، بما في ذلك شكل الأسرة والعلاقات بين الجنسين. قد تختلف التفسيرات حول طبيعة هذه القوى وحجم نفوذها، ولا يصح تحويل فكرة «حكومة عالمية واحدة تتحكم في كل صغيرة وكبيرة» إلى حقيقة دون أدلة واضحة. لكن هذا لا يعني أن النفوذ العالمي والمصالح السياسية والاقتصادية العابرة للحدود غير موجودة؛ بل هي واقع يمكن مناقشته ودراسته.

والسؤال المشروع هو: هل يمكن أن تُستخدم قضايا المرأة أحيانًا كأداة ضمن صراعات سياسية وثقافية واقتصادية أكبر من المرأة نفسها؟ هذا احتمال يستحق البحث والمساءلة عندما توجد أدلة. لكن النقد الحقيقي لا يحتاج إلى عدو أسطوري؛ نحتاج إلى أسماء، ووثائق، وتمويلات، وسياسات، ومصالح، ووقائع. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة هو أن تُدفن داخل ادعاءات غير قابلة للإثبات.

وحين تدخل المرأة إلى عالم الاستخبارات

أما الوجه الأكثر قتامة فهو عندما يتحول الإنسان إلى أداة داخل العمليات الاستخباراتية. لقد عرف التاريخ حالات استخدمت فيها العلاقات الحميمة والإغراء والابتزاز للوصول إلى معلومات أو التأثير في أشخاص. وفي مثل هذه الحالات، لا تعود العلاقة علاقة إنسانية طبيعية، وإنما تصبح أداة من أدوات التجسس والنفوذ. وقد تُستخدم امرأة للوصول إلى مسؤول، أو بناء علاقة مع شخص يمتلك معلومات حساسة، أو التأثير في قرار، أو جمع معلومات، أو ممارسة ضغط أو ابتزاز.

وهنا لا مجال للتجميل اللغوي: عندما يُستغل جسد امرأة أو حياتها الخاصة للحصول على معلومة، فإننا أمام استغلال للإنسان، لا تمكين له. والأمر لا يتعلق بالنساء وحدهن، فالاستغلال الاستخباراتي يمكن أن يطال الرجال أيضًا. لكن حين تُستغل الأنوثة والجاذبية والعلاقات الجنسية باعتبارها أدوات عملياتية، فإن ذلك يكشف وجهًا شديد القسوة لعالم السلطة: الجسد نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة في يد من يملك المعلومات والمال والقوة.

لا نريد وردة في الثامن من مارس

كفى وردة في يوم، وكفى نفاقًا في بقية العام. لا نريد شركات تتحدث عن احترام المرأة ثم تستخدم جسدها في الإعلان، ولا نريد سياسيين يتحدثون عن تمكين المرأة ثم يستخدمونها كرقم انتخابي، ولا نريد مجتمعًا يقول للمرأة إن قيمتها في جسدها. وفي المقابل، لا نريد مجتمعًا يسلبها حقها في الاختيار باسم حمايتها، ولا خطابًا يجعل الأمومة عارًا، ولا خطابًا يجعل المرأة مجرد آلة للإنجاب، ولا نريد أن تتحول الأسرة إلى ساحة حرب بين الرجل والمرأة.

المرأة ليست ملكًا لأحد. ليست ملكًا للشركة، ولا للحزب، ولا للإعلان، ولا للإعلام، ولا للرجل، ولا للمجتمع، ولا لأي سلطة تريد أن تتحدث باسمها وتقرر عنها.

المرأة ليست سلعة... وليست سلاحًا

لقد حان الوقت لكي نتوقف عن الكذب على المرأة تحت عناوين براقة. ليس كل ما يسمى «تحريرًا» تحريرًا، وليس كل ما يسمى «تمكينًا» تمكينًا، وليس كل ما يسمى «حرية» حرية. قد تكون الحرية أحيانًا مجرد اسم جميل لعملية استغلال قبيحة، وقد يتحول «التمكين» إلى تمكين للشركات من بيع المزيد، وقد تتحول «المساواة» إلى أداة سياسية، وقد يتحول «تحرير الجسد» إلى تحرير للسوق من أي حرج أخلاقي في استخدامه.

وفي الجهة المقابلة، قد تتحول «حماية المرأة» إلى وصاية عليها وسلب لإرادتها. ولهذا يجب أن نرفض الطرفين معًا: الاستغلال والوصاية. المرأة لا تحتاج إلى من يتاجر بجسدها باسم الحرية، ولا تحتاج إلى من يصادر قرارها باسم الأخلاق؛ تحتاج إلى شيء أبسط وأعمق: الكرامة.

الاحتفال الحقيقي ليس يومًا واحدًا

لا نحتاج إلى يوم عالمي للمرأة كي نتذكر الأم التي حملتنا، ولا نحتاج إلى منشور على فيسبوك كي نتذكر من سهرت معنا في مرضنا، ولا نحتاج إلى إعلان تجاري كي نعرف قيمة المرأة، ولا نحتاج إلى خطاب سياسي كي نفهم أن لها حقوقًا. المرأة تستحق الاحترام في الثامن من مارس، وفي التاسع منه، وفي كل يوم بعده؛ بل في كل لحظة وفي كل ثانية.

لأنها ليست حدثًا سنويًا، وإنما جزء من كل يوم نعيشه. وإذا كان هناك احتفال حقيقي بالمرأة، فهو أن نحميها من الاستغلال السياسي، وأن نحميها من التسليع التجاري، وأن نرفض اختزالها في جسدها، وأن نحترم عقلها وإرادتها، وأن نقدر أمومتها دون فرضها عليها، وأن ندافع عن الأسرة دون تحويلها إلى سجن، وأن ندافع عن استقلال المرأة دون تحويله إلى حرب على الأسرة، وأن نرفض استخدامها في الصراعات السياسية والاستخباراتية.

وفي النهاية، هناك جملة واحدة ينبغي أن تكون واضحة: المرأة ليست سلعة كي تُباع، وليست صورة كي تُستغل، وليست ورقة كي تُنتخب بها الأحزاب، وليست سلاحًا كي تستخدمه أجهزة النفوذ، وليست شعارًا كي يُرفع مرة واحدة في السنة.

المرأة إنسان ... وإذا كنا نريد فعلًا أن نحتفل بها، فلنبدأ بأبسط شيء: توقفوا عن استخدامها.