|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

امال قرامي
!--a>
2026 / 9 / 8
نادرًا ما يهتمّ الناس بالنقاشات التي تدور بين الرجال حول مسائل تخصّ تمثّلهم للرجولة والتحوّلات التي تمرّ بها في السياقات المُعاصرة، ومواقفهم من أنماطها المُتنوّعة، وغيرها من المسائل، وهو أمر متوقّع. فهذه المسائل التي تُحوّل الرجال إلى موضوع للبحث لا تشكّل أهميّة بالنسبة إلى أغلبهم، لأنّ ما يشغل الناس الصراعات" التي تُفتعل بين الحين والآخر، تارةً حول قضايا تعدّد الزوجات والحجاب والنفقة والحضانة وتصرّفات النساء وأجسادهنّ... وطورًا حول "انهيار" الأخلاق والقيم وتفكّك الأسرة بسبب "النسويات".
وبالرغم من هذا التعتيم، والتهميش، فإنّ هذا النقاش المُحتدم حول ذهاب فئة من الرجال إلى صالونات الحلاقة الخاصّة، أو المُختلطة أو عيادات التجميل لقصّ أظافرهم أو العناية بشعرهم ولحاهم، أو تغيير بعض ملامحهم مهمّ، حتى وإن بدا في ظاهره، تافهًا. ويرجع ذلك إلى صلته بمعايير الرجولة إذ يكفي أن يتصرّف الرجل في جسده فيضع قرطًا أو سلسلة في رقبته، أو يغيّر لون شعره حتى يواجه بسيل من الشتائم التي تعمل على تجريده من مقوّمات "الرجولة الكاملة": يا نهار أسود هما دول رجالة"...
ترتفع أصوات حارسي سلطة الضبط الاجتماعي لتردع كلّ فرد يتجرّأ على إرباك المعايير التي ضبطها المجتمع، ولتفرض على الصبيان الامتثال لها حتّى يكونوا رجالًا بأتمّ معنى الكلمة. وليس العنف المُمارس على كلّ رجل شكّل نمط رجولته على النحو الذي يُريده إلاّ دليلًا على الصراع القائم بين سلطة المجتمع وتدخّله في الحريات الفردية وبين دفاع الفرد عن حقّه في امتلاك جسده والتصرّف في هيئته والتعبير عن ذاته بالطريقة التي ترضيه. والملاحظ أنّ الصراع يتجاوز رفض اختلاف سلوك الرجال وتدخّلهم في تشكيل هيئتهم إلى التنازع حول الأنموذج المقبول للرجولة وهُويّة من يملك حقّ تعريفه.
لسنا بحاجة إلى تبرير دوافع الرجال الذين يقصدون مراكز العناية بأجسامهم (لغاية صحية أو نفسية أو جمالية أو للدلع") فالمسألة في نظرنا، أعمق بكثير. إنّها تتقاطع مع بناء الرجولات والتحوّلات الطارئة عليها في سياقات الأزمات الاقتصادية والصراعات والحروب والكوارث وغيرها، ما يثبت أنّه لا توجد رجولة واحدة، ثابتة ومُكتملة الملامح، ومُنمّطة، إنّما هي رجولات متعدّدة تتشكّل تاريخيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وتتقاطع مع الطبقة والعمر والعرق والموقع الاجتماعي والسلطة وغيرها من المُحدّدات. فهناك رجولة أبوية تقوم على السيطرة وإثبات القوّة واحتكار القرار، وأخرى أكثر إنصافًا تمارس المشاركة والرعاية وتقاسم المسؤوليات، وثمّة رجولات هشّة أو هامشية، أو خاضعة تتعرّض بدورها، للوصم لأنّها لا تنسجم مع الأنموذج المُهيمن.
لكنّ المجتمعات الأبوية لا تعترف بهذا التنوّع وتسعى جاهدة إلى فرض أنموذج مُهيمن للرجولة يجعل من القوّة، والقدرة على السيطرة، وإخفاء الهشاشة، والابتعاد عن الرعاية والأعمال المنزلية، معايير لما ينبغي أن يكون عليه "الرجل الحقيقي". ومن ثمّ، لا يصبح الاختلاف مجرّد اختلاف في طرق العيش، بل يتحوّل إلى تهديد للهُويّة الذكورية السائدة.
وتكشف مقاومة الرجال الذين يختارون أنماطًا أخرى من الرجولة عن آلية عميقة من آليات النظام الأبوي: معاقبة كلّ رجل يتخلّى عن امتيازات الرجولة التقليدية، أو يُعيد توزيعها. فالرجل الذي يشارك في الرعاية، ويعبّر عن خوفه وحزنه، ويرفض العنف، ويقبل بمساواة شريكته، أو لا يرى في السيطرة على النساء دليلًا على سلطته، قد يتعرّض للسخرية والتشكيك في "رجولته"، ما يقيم الدليل على أنّ الرجولة تخضع بدورها، للمراقبة داخل النظام الجندري وتُراقب نفسها، وأنّ الرجال الذين يحاولون تحريرها من سلطة الأنموذج أو إعادة تعريفها يُعاقَبون لأنّهم يسمحون بتفكيك العلاقة بين الذكورة والهيمنة التي استُخدمت لتبرير السيطرة على النساء.
إنّ الاعتراف بتنوّع أنماط الرجولة هو في نظرنا، فعل نقدي وسياسي لأنّه يحرّر النساء من علاقات القوّة الأبوية، والهيمنة الذكورية، وفي الوقت نفسه، يفتح المجال أمام الرجال لإعادة بناء ذواتهم خارج القوالب التي تربط قيمتهم بالسلطة والقوّة والقدرة على إخضاع الآخر، ويحرّرهم أيضًا من إلزامية أداء نمط رجولة واحدة. وهكذا يُفسح المجال أمام رجولات أكثر إنسانية، ترتكز على الرعاية والتضامن والاعتراف بالهشاشة والمساواة بدلًا من السيطرة والإقصاء.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|