المرأة بين العصر الحديث والعصر الجاهلي بقلم -د انتصار الخشت



انتصار كامل جفلان الخشت
2026 / 9 / 11

من قيود الموروث إلى أسئلة الحاضر

ليست المرأة ابنة عصرها فحسب، بل هي مرآةٌ تكشف مقدار ما بلغه المجتمع من وعيٍ وعدلٍ وإنسانية. وكلما حاول التاريخ أن يغيّر ملامحه، بقي السؤال القديم واقفًا عند الباب: هل تحررت المرأة فعلًا، أم أن القيود تبدّلت أسماؤها فقط؟

حين نعود إلى العصر الجاهلي، لا يصح أن نرسم صورةً واحدة للمرأة؛ فقد كان ذلك المجتمع متنوعًا في عاداته ومواقفه ومكانته الاجتماعية. كانت هناك نساء عانين صورًا قاسية من التهميش والظلم، وفي المقابل برزت نساء امتلكن مكانةً وتأثيرًا وحضورًا في التجارة والشعر والرأي والأسرة. ومن هنا، فإن قراءة تاريخ المرأة تحتاج إلى إنصاف، لا إلى أحكام جاهزة.

كانت بعض النساء في الجاهلية يواجهن واقعًا اجتماعيًا يجعل الرجل صاحب السلطة الأوسع في تقرير مصير الأسرة والمرأة، وبلغ الأمر في بعض البيئات ممارسات بالغة القسوة، من بينها وأد البنات. لكن الجاهلية لم تكن زمنًا بلا نساء قويات؛ فقد حفظ لنا التاريخ أسماء نساء كان لهن حضور في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وأثبتن أن القدرة على التأثير لا تنبت دائمًا في أرضٍ تعترف بها.

ثم جاء الإسلام فغيّر كثيرًا من التصورات المتعلقة بالمرأة، وأقر لها حقوقًا في جوانب متعددة، منها الميراث والذمة المالية والاختيار في الزواج، وجعل إنسانيتها وكرامتها جزءًا من البناء الأخلاقي للمجتمع.

ومع مرور القرون، تغيّرت صورة المرأة، وتبدلت القوانين والأنظمة، وخرجت من فضاءات ضيقة إلى ميادين التعليم والعمل والثقافة والسياسة والبحث العلمي. وأصبحت المرأة الحديثة قادرة على أن تحمل قلمها بيد، وتصنع قرارها باليد الأخرى، وأن تكون طبيبةً ومعلمةً ومهندسةً وكاتبةً وباحثةً وقائدةً وصاحبة مشروع.

لكن المفارقة أن العصر الحديث، الذي يتغنى بالحرية والمساواة، لم ينجح بعد في تحرير المرأة من جميع القيود.

فقد تتغير السلاسل، لكن بعضها يصبح غير مرئي.

لم تعد القيود دائمًا بابًا مغلقًا أو قرارًا يُتخذ نيابة عن المرأة؛ قد تكون أحيانًا نظرةً اجتماعية، أو تمييزًا في العمل، أو عنفًا أسريًا، أو ابتزازًا إلكترونيًا، أو حكمًا قاسيًا على اختياراتها، أو مطالبتها بأن تثبت جدارتها أكثر مما يُطلب من الرجل.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: في العصر الجاهلي كانت بعض القيود تُفرض باسم العرف والقبيلة، وفي العصر الحديث قد تُفرض قيود أخرى باسم العادات أو الصورة الاجتماعية أو السلطة الأبوية أو حتى باسم الحداثة نفسها.

فالحداثة ليست هاتفًا ذكيًا في يد امرأةٍ مقيدة التفكير، وليست وظيفةً مرموقة لامرأةٍ تخشى أن تقول «لا». وليست شهادةً جامعيةً إذا كانت صاحبتها محرومة من حقها في اختيار مستقبلها.

الحرية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبواب التي تستطيع المرأة دخولها، وإنما بقدرتها على دخولها دون أن تفقد كرامتها.

ومن الخطأ كذلك أن نختزل المرأة الحديثة في صورة الضحية الدائمة، كما أنه من الظلم أن نختزل المرأة القديمة في صورة الإنسان العاجز. فالمرأة في كل عصر كانت ابنة ظروفها، لكنها كانت أيضًا قادرة على مقاومة تلك الظروف، وتوسيع المساحة التي تتحرك فيها، وصناعة أثرها الخاص.

لقد انتقلت المرأة من زمن كان فيه صوتها يُسمع أحيانًا من وراء جدار المجتمع، إلى زمن تستطيع فيه أن تقف على المنصة، وتكتب في الصحيفة، وتشارك في صناعة القرار، وتؤسس مؤسسة، وتخوض ميادين العلم والعمل.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا أعطانا العصر الحديث للمرأة؟

بل: ماذا بقي عليه أن يعطيها؟

ربما بقي الكثير.

بقي أن تتحول المساواة من نصوص جميلة إلى ممارسة يومية.
وبقي أن يصبح احترام المرأة ثقافةً لا شعارًا.
وبقي أن تُقاس كفاءتها بعلمها وقدرتها، لا بجنسها.
وبقي أن تتوقف المجتمعات عن محاسبتها على أخطاء لا تحاسب الرجل عليها.
وبقي أن نفهم أن حماية المرأة لا تعني مصادرة قرارها، وأن منحها الحرية لا يعني التخلي عن مسؤولية المجتمع في صون كرامتها.

إن المرأة لا تحتاج إلى مجتمع يضعها على عرشٍ من الكلمات ثم يسحب منها مفاتيح حياتها، كما لا تحتاج إلى مجتمع يحمّلها وحدها فاتورة التقدم.

هي تحتاج إلى عدالة.

والعدالة ليست امتيازًا للمرأة، كما أنها ليست انتقاصًا من الرجل؛ إنها ميزان يستقيم به المجتمع كله.

ولعل الفارق الحقيقي بين الجاهلية والعصر الحديث لا ينبغي أن يكون في شكل الملابس، ولا في سرعة وسائل الاتصال، ولا في عدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل في مقدار احترام الإنسان للإنسان.

فإذا بقيت المرأة تُهان داخل بيتها، أو تُستبعد بسبب جنسها، أو يُصادر صوتها، أو تُعامل باعتبارها أقل قيمة، فإن بعضًا من روح الجاهلية ما زال يتنفس تحت ثياب العصر.

إن الحضارة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان أكبر من العرف الذي يظلمه، وأكبر من السلطة التي تصادر حقه، وأكبر من الصور النمطية التي تحبسه في قالب جاهز.

والمرأة ليست مشروعًا مؤجلًا للحرية، ولا قضيةً موسمية تُستدعى في المناسبات؛ إنها نصف المجتمع، والأم التي تصنع البدايات، والمربية التي تشكل الوعي، والعاملة التي تبني، والمفكرة التي تسأل، والكاتبة التي تحفظ ذاكرة الزمن.

وحين تُمنح المرأة حقها في الكرامة والعلم والعمل والاختيار، لا يخسر الرجل شيئًا؛ بل يكسب المجتمع عقلًا جديدًا، ويدًا إضافية، وصوتًا قادرًا على أن يضيف إلى الحياة معنى آخر.

بين الجاهلية والعصر الحديث مسافة طويلة من الزمن، لكن المسافة الأهم ليست ما بين القرون، وإنما ما بين الوعي والجهل، والعدل والظلم، والحرية والقيد.

فقد يتغير العصر في ليلة، بينما يحتاج الوعي إلى أجيال.

وربما يكون أعظم انتصار للمرأة ألا تضطر في المستقبل إلى أن تثبت أنها تستحق حقوقها، لأن الحقوق الإنسانية لا تُمنح لمن يستحقها فقط؛ إنها تُصان لكل إنسان لأنه إنسان.

فالمرأة لا تريد أن تكون فوق الرجل، ولا خلفه؛ تريد أن تكون إلى جواره، في مجتمع يرى في اختلافها إضافةً، وفي حريتها قوةً، وفي كرامتها معيارًا لتحضره