|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

انتصار كامل جفلان الخشت
!--a>
2026 / 9 / 13
مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة
ليست مساواة المرأة بالرجل معركةً بين جنسين، ولا محاولةً لانتزاع مكانٍ من أحد، وإنما هي دعوةٌ إلى أن يأخذ كل إنسانٍ حقَّه في الحياة بقدر ما يملك من قدرةٍ وكفاءةٍ واستحقاق.
فالمرأة لم تكن يومًا هامشًا في كتاب الحياة، بل كانت في كثير من صفحاته الحبر الذي كُتبت به الحكاية. حملت طفلًا، وربّت جيلًا، ووقفت إلى جوار أسرتها في أشدّ الأيام، ثم خرجت إلى المدرسة والجامعة وميدان العمل، تحمل عقلًا قادرًا على التعلم، ويدًا قادرةً على البناء، وإرادةً تعرف كيف تشقُّ طريقها وسط الصخور.
والمساواة الحقيقية لا تعني أن تصبح المرأة نسخةً من الرجل، فلكلٍّ منهما خصوصيته الإنسانية، وإنما تعني ألّا يكون اختلاف الجنس سببًا في إغلاق الأبواب أمام الكفاءة.
حين تُمنح المرأة فرصةً عادلة في التعليم، فإن المجتمع يفتح نافذةً جديدة على المستقبل. وحين تصل إلى العمل وفق معيار القدرة لا معيار النوع، فإنها تضيف إلى الاقتصاد والإدارة والعلم والثقافة طاقةً لا يجوز إهدارها. وحين يكون لها صوتٌ مسموع في صناعة القرار، فإن المجتمع لا يمنحها امتيازًا، بل يستعيد نصف رؤيته التي كانت غائبة عن المشهد.
إن المرأة التي تتعلم ليست امرأةً تبحث عن منافسة الرجل، بل إنسانةٌ تبحث عن مساحةٍ تليق بعقلها. والمرأة التي تعمل ليست متمردةً على دورها في الأسرة، بل قد تكون أكثر قدرةً على حماية أسرتها حين تمتلك المعرفة والاستقلال والوعي. أما المرأة التي تتولى مسؤوليةً عامة، فلا ينبغي أن تُقاس بكونها امرأة، وإنما بما تقدمه من عدلٍ وكفاءةٍ ونزاهة.
ولقد أثبت التاريخ أن العقول لا تحمل جنسًا، وأن الإبداع لا يسأل صاحبه عن كونه رجلًا أو امرأة. كم من امرأةٍ حملت مشعل العلم، وكم من أخرى تركت أثرًا في الأدب والفكر والسياسة والتربية والطب والفنون، حتى أصبح اسمها جزءًا من ذاكرة الإنسانية.
ومع ذلك، ما زالت بعض المجتمعات تنظر إلى المرأة بعينٍ قديمة، كأن الزمن توقّف عند بابٍ لم يُفتح بعد. تُقاس أحيانًا بأدوارها الأسرية وحدها، بينما تُغفل طاقتها الفكرية والمهنية، وكأن العقل حين يسكن رأس امرأة يصبح أقل قدرةً على الإبداع.
إن المشكلة ليست في أن تكون المرأة امرأة، وإنما في أن تُختزل في هذا الوصف، وكأن إنسانيتها تأتي في المرتبة الثانية.
المساواة تبدأ من الفكرة قبل القانون؛ من البيت الذي يربي أبناءه على احترام الإنسان، ومن المدرسة التي تمنح الفتاة الثقة في عقلها، ومن المجتمع الذي يفتح أبوابه للكفاءة، ومن المؤسسات التي تجعل معيار التقدم هو الإنجاز لا النوع.
ولا يمكن أن نبني مجتمعًا حديثًا بعقلٍ يستبعد نصف طاقته. فالأمم التي تُقصي المرأة تشبه سفينةً تحاول الإبحار بمجدافٍ واحد؛ قد تتحرك قليلًا، لكنها لن تبلغ الشاطئ الذي تستحقه.
ومساواة المرأة ليست هدمًا للأسرة، بل يمكن أن تكون حمايةً لها حين تقوم على الوعي والتوازن والمسؤولية. فالمرأة القوية ليست بالضرورة امرأةً تهدم، بل قد تكون يدًا تبني، وقلبًا يحمي، وعقلًا يضيء الطريق.
إن المرأة لا تطلب أن تُرفع فوق الرجل، كما لا ينبغي أن تُدفع تحته؛ إنها تطلب فقط أن يقف الجميع على أرضٍ واحدة حين يتعلق الأمر بالحق والكرامة والفرصة.
فالمجتمع العادل لا يسأل: هل أنتِ امرأة؟
بل يسأل: ماذا تستطيعين أن تقدمي؟
وحين يصبح هذا السؤال هو المعيار، لن تكون مساواة المرأة شعارًا يُرفع في المناسبات، بل واقعًا يمشي على الأرض، ويجلس في مقاعد التعليم، ويدخل أبواب العمل، ويشارك في صناعة القرار، ويكتب بيده فصلًا جديدًا من تاريخ الإنسانية.
فالعدل لا ينقص حين يُعطى لصاحبه، والفرصة لا تفقد قيمتها حين تُمنح لمن يستحقها، والنور لا يطفئه نورٌ آخر.
وحين تستقيم كفة المرأة في ميزان العدالة، لا يميل الميزان ضد الرجل؛ بل يستقيم المجتمع كله.