|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
نجيب كيلاني
!--a>
2026 / 9 / 13
يُعد كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين من أبرز الكتب العربية التي ناقشت وضع المرأة في المجتمع المصري والعربي خلال أواخر القرن التاسع عشر. صدر الكتاب سنة 1899، وأثار عند نشره جدلًا واسعًا، لأنه دعا إلى مراجعة كثير من العادات الاجتماعية التي كانت تحد من حضور المرأة في الأسرة والمجتمع، وربط تقدم الأمة بقدرتها على تعليم نسائها ومنحهن مكانة أكثر عدلًا وكرامة.
ينطلق قاسم أمين من فكرة أساسية مفادها أن حال المرأة ليس شأنًا عائليًا خاصًا، بل قضية اجتماعية وحضارية تؤثر في مستقبل المجتمع كله. فالمرأة، في نظره، هي المدرسة الأولى للطفل، وهي التي تؤثر في تكوين شخصيته وأخلاقه وعقله خلال سنواته الأولى. وإذا كانت المرأة جاهلة أو مقيدة أو محرومة من التربية السليمة، فإن أثر ذلك سينعكس على الأبناء، ثم على الأسرة، ثم على الأمة بأكملها. لذلك لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يهمل نصف أفراده أو يمنعهم من المشاركة في بناء الحياة.
ينتقد المؤلف النظرة التي تجعل المرأة كائنًا ضعيفًا لا يحتاج إلا إلى الحماية والطاعة، ويرى أن كثيرًا من مظاهر ضعفها ليست طبيعية، بل نتيجة مباشرة للتربية والظروف الاجتماعية. فالمرأة التي تُحرم من التعليم، وتُمنع من التفكير، ولا تُهيأ لتحمل المسؤولية، ستبدو عاجزة لأنها لم تمنح الفرصة لكي تثبت قدراتها. ومن هنا يميز قاسم أمين بين الضعف الحقيقي والضعف الذي يصنعه المجتمع حين يحبس المرأة داخل الجهل والخوف والتبعية.
يحتل التعليم مكانة محورية في الكتاب. ويؤكد المؤلف أن تعليم المرأة ليس ترفًا أو تقليدًا للغرب، بل ضرورة اجتماعية وأخلاقية. فالمرأة المتعلمة تستطيع أن تفهم حقوقها وواجباتها، وأن تربي أبناءها تربية أفضل، وأن تدير شؤون أسرتها بوعي، وأن تميز بين العادات النافعة والعادات الضارة. ولا يقصد قاسم أمين بالتعليم مجرد حفظ بعض المعلومات، بل يريد تعليمًا ينمي العقل والشخصية ويمنح المرأة القدرة على التفكير واتخاذ القرار.
ويربط الكاتب بين جهل المرأة واستمرار بعض المشكلات داخل الأسرة. فالزواج، في رأيه، لا ينبغي أن يقوم على القسر أو الجهل أو المصالح المادية وحدها، بل يجب أن يقوم على التفاهم والاختيار والاحترام المتبادل. ويؤكد أن الأسرة لا تستقر إذا كانت العلاقة بين الزوجين قائمة على الخوف، لأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى وعي بالمسؤولية وإلى مشاركة وجدانية وعقلية بين الطرفين.
يناقش الكتاب أيضًا مسألة الحجاب والعزلة الاجتماعية. ولا يكتفي قاسم أمين بالنظر إلى الحجاب باعتباره قطعة من الثياب، بل يربطه بنظام اجتماعي كامل يفرض على المرأة الانفصال عن الحياة العامة. فالمشكلة، في نظره، ليست في الزي وحده، وإنما في تحويله إلى وسيلة لعزل المرأة ومنعها من التعلم والعمل والتواصل مع المجتمع. ويرى أن الإفراط في احتجاب المرأة يؤدي إلى جهلها بالعالم، ويضعف قدرتها على تربية أبنائها ومواجهة مسؤولياتها.
مع ذلك، لا يدعو المؤلف إلى التخلي عن الأخلاق أو إلى تقليد المجتمعات الأجنبية تقليدًا أعمى. فهو يكرر أن الإصلاح ينبغي أن يتم بطريقة تدريجية تراعي طبيعة المجتمع، وأن تحرير المرأة لا يعني إلغاء الأسرة أو هدم القيم الدينية. ويؤكد أن المقصود هو إزالة القيود التي لا تستند إلى مبرر صحيح، وليس نشر الفوضى أو تشجيع الانحلال. لذلك يربط الحرية بالمسؤولية، ويعتبر أن المرأة الحرة هي التي تملك عقلًا واعيًا وشخصية قادرة على ضبط سلوكها، لا التي تتحرر من كل التزام.
ومن القضايا التي يعالجها الكتاب تعدد الزوجات والطلاق. يرى قاسم أمين أن إساءة استعمال هذه الأمور تضر بالمرأة والأسرة معًا، لأنها تجعل الزوجة معرضة للقلق وعدم الاستقرار، وتضعف شعورها بالأمان. كما أن الزواج المتعدد، حين يتحول إلى نزوة أو وسيلة لإرضاء رغبات الرجل، قد يؤدي إلى الظلم والإهمال وإلى تفكك الأسرة. أما الطلاق، فيرى أن سهولة وقوعه دون مسؤولية أو تفكير عميق تترك آثارًا خطيرة على الزوجة والأبناء. ولذلك يدعو إلى تنظيم العلاقات الزوجية بما يحفظ كرامة المرأة ويمنع استغلال السلطة الأسرية.
يظهر في الكتاب بوضوح أن المؤلف يحمل الرجل مسؤولية كبيرة عن وضع المرأة. فالرجل هو الذي وضع القوانين الاجتماعية، وهو الذي احتكر التعليم والعمل والقرار، ثم اتهم المرأة بالعجز والقصور. ويشير قاسم أمين إلى التناقض في مطالبة المرأة بالطاعة الكاملة، في الوقت الذي يُسمح فيه للرجل بممارسة سلوكيات لا يُسمح بها للمرأة. فالمجتمع يراقب المرأة بشدة، لكنه يتسامح مع أخطاء الرجل، وهذا يكشف عن نظام أخلاقي غير متوازن يقوم على التمييز بين الجنسين.
كما ينتقد الكاتب الاهتمام المبالغ فيه بالمظاهر، مثل حبس المرأة داخل المنزل وتقييد حركتها بحجة صيانة الشرف. فالشرف، في نظره، لا يُحفظ بالعزلة وحدها، بل بالتربية والوعي والثقة. ولا يمكن بناء الأخلاق بالخوف الدائم من المجتمع، لأن الإنسان لا يصبح صالحًا لمجرد أنه مراقب، بل عندما يمتلك قناعة داخلية بالمسؤولية. ولهذا فإن تربية المرأة على العقل والخلق أهم من إحاطتها بالقيود الخارجية.
تقوم لغة الكتاب على الحجاج والإقناع، إذ يعرض المؤلف المشكلة ثم يناقش أسبابها ونتائجها، ويستخدم المقارنة بين المجتمعات المتقدمة والمجتمع المصري ليؤكد أن تقدم الأمم يرتبط بتقدم المرأة. ومع أن بعض أفكاره تبدو اليوم محدودة بسبب ارتباطها بدور المرأة في الأسرة والأمومة، فإن الكتاب كان متقدمًا في سياقه التاريخي، لأنه طالب بتعليم المرأة، واحترام عقلها، ومراجعة العادات التي تحول بينها وبين المشاركة الاجتماعية.
يمكن القول إن «تحرير المرأة» ليس دعوة إلى تحرير المرأة من الأسرة أو الدين، بل دعوة إلى تحريرها من الجهل والتبعية والظلم الاجتماعي. وقد أراد قاسم أمين أن يثبت أن المرأة لا تستطيع أداء دورها في تربية الأبناء وبناء المجتمع ما لم تحصل على التعليم والاحترام وشيء من الاستقلال. كما أراد أن يبين أن إصلاح المرأة لا ينفصل عن إصلاح الرجل والأسرة والقانون.
في النهاية، تكمن أهمية الكتاب في أنه نقل قضية المرأة من نطاق الحديث الخاص إلى مجال النقاش العام. فقد جعل تعليم النساء وحقوقهن واستقلال شخصيتهن موضوعًا فكريًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله. ورغم ما أثاره الكتاب من اعتراضات، فإنه أسهم في فتح باب طويل من النقاش حول علاقة المرأة بالأسرة والمجتمع والدين والتعليم. وتبقى رسالته الأساسية أن نهضة المجتمع لا تكتمل بإصلاح الرجل وحده، لأن المرأة شريكة في بناء الأجيال، وأن احترامها وتمكينها ليسا امتيازًا يمنحه المجتمع لها، بل شرطًا من شروط تقدمه.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|