عام على المدونة الشرعية – ما هي محتويات هذه المدونة؟ النفقة مقابل الاستمتاع!



نادية محمود
2026 / 9 / 14

إن دور ومكانة المرأة وحقوقها في المدونة الشرعية او القانون الجعفري تعمل بتناسق تام وانسجام مع مجمل الاقتصاد السياسي للبلاد. سأتناول في هذه المقالة المواد القانونية التي وردت في المدونة الشرعية تتعلق بموضوعة اشتراط الانفاق ب"الجماع". حيث إحتلت هذه الموضوعة اهمية ومكانة في استحقاق "الانفاق" على المرأة تفوق حتى ما لدور المرأة من القيام بعمل رعائي في المنزل يتضمن العديد من المهام المنزلية والرعائية والخدمية، كما يراها المشرع الجعفري ( سنتطرق لهذا الموضوع في مكان اخر).
تنص المادة 65 على ان من حق الزوج على زوجته “الجماع”، وتُعفى المرأة من الاستجابة لرغباته في العلاقة الحميمية في ثلاث حالات فقط( الحيض، والنفاس والضرر) . بل وحتى تنال المرأة حق الرفض والامتناع عليها ان تضعه كشرط في عقد الزواج، بأن لا يرغمها على ممارسة الجنس، وعليه أن يتعهد بقبول ذلك، كما ورد في الفقرة اولا من المادة 65. ان هذا الشرط والتعهد من الرجل بقدر ما هو مهين للمرأة، هو مهين للرجل بنفس القدر، حيث يصور الرجل وكأنه في حالة من الاهتياج الجنسي المستمر والدائم وغير قابل للسيطرة عليه ويجب قنونته لترويضه والسيطرة عليه ووضع شروطا عليه.
تنص المادة 68 في مادة النشوز على احد اهم الشروط التي تضعها المدونة لانفاق الزوج على الزوجة هو" تمكين" الرجل منها لتكون قادرة على الحصول على النفقة من طعام وسكن وملبس. أن هذا شكل من اشكال العنف القائم على اساس النوع الاجتماعي. وهو إشتراط يفترض إن هنالك "رضا جنسي دائم ومستمر" من قبل الزوجة حيث انها دخلت في عقد زواج. انه ينزع عنها اي استقلالية عن الرجل، وإذا كان الرجل متزوج بأربع زوجات، وانه يأتي زوجاته أنى شاء، فان عدد النساء و عدد الحالات التي ترغم فيها النساء على ممارسة الجماع، لا تحصى ولا تعد.
إن إخضاع المرأة لهذا النوع من الارغام ناتج من علاقة حددها القانون والاعراف والدين والعلاقات الاقتصادية وحتى غياب السياسات الاجتماعية الحامية للمرأة حيث مُنِحَ، اولا، الزوج حق التحكم في حرية المرأة في الحصول على عمل، الامر الذي يضطرها الى ان تكون اقتصاديا تابعة للرجل. ثانيا: تحميلها تقسيم عمل يرغمها على القيام بدور الرعائي او دور ( اعادة الانتاج) غير مُقَدّر وغير مُعتَرف به وغير مَُثمن. ثالثا: غياب سياسات حماية اجتماعية للمرأة تحرر المرأة من هيمنة الرجل في داخل العلاقة الزوجية اذا ما اراد استغلال موقعه ومكانته. كل هذه العوامل الاقتصادية تتظافر في ان تجعل قدرة المرأة على الرفض ان لم ترغب في الدخول في هكذا علاقة وتجعل جسدها رهن إشارة وإرادة الرجل مقيدة ومحدودة.
لقد عفت الدول المتقدمة التي تحترم حقوق المرأة وحقوق الانسان عن نظرية " الرضا غير القابل للإلغاء" والتي كانت تتردد لقرون من الزمن في دول اوربا وامريكا، وفرضها كنظرية بان الزواج يمنح الزوج صلاحية مباشرة الزوجة جنسيا في اي وقت يشاء، وكأن عقد الزواج يتضمن قبولًا جنسيًا مستمرًا!!
من الواضح ان المشرع لم يسمع بشيء اسمه" الاغتصاب الزوجي" وربما سيحتاج الى زمن طويل ليصل الى هذا المفهوم، ولكن دعونا نقرب المسافة لنشرح حق حماية المرأة من الاغتصاب الزوجي. ان الاغتصاب الزوجي هو شكل من أشكال العنف الجنسي الذي يحدث داخل نطاق الأسرة، في وضع تكون فيه المرأة التي بلا مال، ولا منزل، ولا حماية اجتماعية من الدولة، واعتبارها " عالة" أما على زوجها، او اخيها او ابيها، اذا ما عادت لهم بعد الزواج او الطلاق، فهي تصبح امام هذه المنظومة بلا حيلة، ولا سبيل امامها الا الرضوخ.
في الوقت الذي اصبح تجريم الاغتصاب الزوجي مادة في القانون الجنائي، وانتقلت البشرية من وضع كان تسود فيه السلطة المطلقة للرجل ب"جماع " المرأة، و ضبط العلاقة بما يستجيب لرغبة الاثنين معا وليس للرجل وحده، وأي ربط او صلة بين النفقة وفرض العلاقة الجنسية أمر مرفوض .إن بقاء هذه الاخلاق وهذه الممارسات والتي تنص على دونية المرأة بالنسبة للرجل، وتفوق الرجل على المرأة انما يعكس في جوهره الأخلاق البرجوازية، اخلاق النظام الرأسمالي القائم اساسا على عدم المساواة، والتمييز واستغلال والتفرقة بين البشر في العراق وفي كل مكان في العالم. تقدم " المدونة الشرعية" او ما يعرف بالقانون الجعفري دليلا ساطعا وقاطعا على الاستغلال، التمييز والتفرقة واللامساواة. بسعينا الاصيل لوضع قانون احوال أسرة يحقق المساواة والكرامة لكلا الجنسين، سنضع امر الاغتصاب الجنسي كجريمة في بنود ومواد قانوننا القادم، حتى وان لم يرافقه استخدام العنف والاجبار بل منع اية طريقة حتى وان كانت غير عنفية مؤداها ارغام المرأة على الدخول في علاقة لا تريدها.