إلسا ماراكشي، رائدة (( تجمّع المسلمين السابقين في فرنسا ))



موريس صليبا
2026 / 9 / 23

من هي إلسا ماراكشي؟
وُلدت إلسا في فرنسا، ولكنها قضت صباها في الجزائر بين أم أنهكها المرض وأب غائب عن البيت، لتنتقل في طفولتها بين رعاية الأقارب ومؤسسات الحماية الاجتماعية. وفي مرحلة المراهقة، بدأت تتلمس مسافة بينها وبين المسجد الذي ارتادته طفلةً، مفضلةً الابتعاد عن البيئة الدينية التي بدأت ترى فيها قدراً كبيرا من التناقض والنفاق. تزوجت في سن الثامنة عشرة، فكانت تجربة قاسية مريرة شابتها العزلة والعنف، ولكنها تمكنت في النهاية من نيل طلاقها. وعلى الرغم من تلقيها تشجيعاً من شريك جديد أتاح لها فرصة استئناف دراستها، إلا أن ظروفه اضطرته لمغادرة البلاد، لتجد إلسا نفسها مجدداً تحت وطأة الضغوط المجتمعية التي دفعتها إلى زواج ثانٍ لم يكن أقل قسوة من الأول، فعاشت سنوات تحت العنف الأسري، حتى انتهى بها المطاف إلى فقدان جنينها.
وقبل أربع سنوات، نجحت إلسا أخيراً في مغادرة الجزائر برفقة أطفالها الثلاثة نحو فرنسا. غير أن العودة إلى أرض الوطن لم تكن بالسكينة التي توقعتها: ! في تلك اللحظة، قطعتُ على نفسي عهداً بألا أستسلم لهذه الوصاية المدمّرة.>>
كان هذا الاصطدام الشرارة التي دفعتها لتأسيس حراكها المدني والدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الضمير.
من نقد النصوص إلى النضال المواطني
دفعت القراءات النقدية للتراث الإسلامي بإلسا إلى تبني موقف حاسم يعتبر أن المنظومة العقائدية التقليدية تنطوي على هيمنة متشددة تنعكس سلباً على حقوق المرأة. وانتقلت إثر ذلك من السجال النصي إلى العمل الميداني للتركيز على مفاهيم المواطنة والاندماج.
تؤكد إلسا، بصفتها أخصائية اجتماعية، على أهمية الاندماج الكامل في المجتمع الفرنسي واحترام مقوماته التاريخية والثقافية، دون التنكر لهويتها الأصلية. غير أن موقفها المعلن جلب عليها وعلى عائلتها ضغوطات شديدة وتهديدات مسّت سلامة أطفالها.
لذلك أسّست تجمعا يهدف إلى كسر التابو المحيط بالردة، وتوفير بيئة داعمة ومظلة حماية لكل من يختار ترك الدين، إلى جانب رفع الوعي ضد ممارسات التوجيه العقائدي القسري للأطفال.
وفيما يلي نصّ بيان التأسيس للتجمع الذي انطلق عام 2025 وشهد هذه السنة مظاهرة كبيرة للمرتدين في ساحة الجمهوريّة في وسط العاصمة الفرنسية، تحدّثت عنه وسائل الاعلام الفرنسيّة. أما وسائل الاعلام العربيّة فتجاهلتها تماما. لذلك رأينا من المفيد ترجمة هذا البيان الى العربية كي يتسنى لقراء لغة الضاد والحوار المتمدن الاطلاع عليه والاستفادة منه.
***

أن تكون مسلماً سابقاً في فرنسا: الحق في الوجود دون اختفاء أو مواربة

ينبغي أن يكون التخلي عن الدين قراراً شخصياً، حراً وخاصاً. وفي دولة علمانية كفرنسا، لا يجوز إرغام أي فرد على تبرير تحول أفكاره، أو الإفصاح عن ترك إيمانه، أو اختيار العيش خارج الأطر المدرسية للدين. غير أن هذه الحرية، بالنسبة للكثير من المسلمين السابقين، تظل مجرد مقولة نظرية جافة.
إن الردة ليست مفهوماً تجريدياً، بل هي واقع يومي يعيشه رجال ونساء يواجهون لمجرد خروجهم من الإسلام القطيعة الأسرية، والترهيب، والعزلة الاجتماعية، والتهديدات المباشرة، أو في أفضل الأحوال الخوف الدائم من التصريح بعقيدتهم. فبينما يختار فريق منهم المواجهة العازمة جهاراً، يلتمس آخرون الصمت صوناً لوظائفهم، وسلامة أطفالهم، واستقرار حياتهم. ومن رحم هذه المعاناة الصامتة وُلد .
إن معركتنا واضحة المعالم: الدفاع عن حرية الضمير، وصون العلمانية، وحماية أصوات المغادرين للدين، والتأكيد على أنه لا يحق لأي ضغط ديني أو مجتمعي في ظل الجمهورية الفرنسية أن يحرم فرداً من استحقاق حريته.
• نحن لا نحارب أفراداً.
• نحن لا نستهدف أصولاً أو هويات.
• نحن لا نناهض مكوّناً مجتمعياً.
نحن نناهض الهيمنة، والترهيب، والوصاية الفكرية، وحالة الخوف المفروضة على كل من يتجرأ على التفكير الاختلافي.

عن الشجاعة واستحقاق الحرية
• لا ينبغي أن يكون ترك الإسلام مغامرة محفوفة بالمخاطر.
• ولا ينبغي أن يُستبشع نقد الأديان بوصفه استفزازاً.
• ولا ينبغي أن تُوصَم المرأة الحرّة بالعار لمجرد رفضها للهيمنة.
• ولا ينبغي أن يتطلب الالتزام بالعلمانية والجمهورية والحرية شجاعةً استثنائية.

ومع ذلك... فإن الواقع يفرض شجاعة فائقة:
• يتطلب الأمر شجاعة للإعلان جهاراً: <لم أعد أؤمن>
• يتطلب الأمر شجاعة للقول: <أرفض أن يُملى عليّ مسار حياتي باسم الدين>
• يتطلب الأمر شجاعة للتأكيد: <ضميري ملكي وحدي>
• يتطلب الأمر شجاعة للتصريح: <أنا مرتد، ولست نادماً ولا متأسفاً>.
لقد دفع الكثير من المسلمين السابقين ثمناً باهظاً لهذه الشجاعة: بين من خسر أسرته، ومن فقد أصدقاءه، ومن تعلم الحذر المفرط في كل كلمة ينطق بها أو يكتبها. واضطر آخرون لإعادة بناء حياتهم من الصفر، في صمت وألم، لغياب الفضاء الذي يستوعب أصواتهم.
ويجب على فرنسا أن تكون هذا الفضاء.

العلمانية: حماية فعلية لا مجرد شعار
يمتلك بلدنا رصيداً سياسياً وأخلاقياً فريداً: العلمانية. غير أن العلمانية لا يجوز أن تبقى مجرد مقولة تلميحييه باهتة، بل يجب أن تترجم إلى حماية فعلية للأفراد، ولا سيما الخاضعون لضغوط دينية. إن حرية الاعتقاد حق أساسي، لكن حرية عدم الاعتقاد لا تقل عنها أهمية، وحرية مغادرة الدين جوهرية تماماً كحرية الانتماء إليه.
اليوم، يظل المرتد هو الحلقة المغيبة في النقاش العام. يتحدث الجميع عن الأديان والمؤمنين والمؤسسات الدينية، ونادراً ما يُلتفت إلى أولئك الذين خرجوا من هذه الأطر ويريدون العيش بحرية ومواطنة كاملة. إن المسلمين السابقين لا يطلبون امتيازاً خاصاً، بل يطالبون بالتطبيق الناجز والمباشر للمبادئ الجمهورية.

إيصال صوت تجمعنا
ويسعى تجمعنا إلى إيصال هذا الصوت عبر أهداف محددة:
1. تهيئة بيئة آمنة للحوار والدعم والحماية لمن يخشون التعبير عن أنفسهم.
2. التذكير الدائم بأن نقد الأديان حقٌ مكفول بنص القانون.
3. حماية النساء اللاتي يرفضن الوصاية الدينية.
4. تنبيه المؤسسات الرسمية عندما تتعارض الضغوط المجتمعية أو الأيديولوجية مع القيم الجمهورية.

بين النقد المشروع وتهمة الكراهية
إن قضيتنا ليست قضية كراهية، بل هي قضية حرية.
كثيراً ما تُكال اتهامات الكراهية لكل من يمارس حق نقد الدين، وهو خلط مفهومي خطير. فنقد العقائد، والأيديولوجيات، والممارسات الدينية ليس اعتداءً على الأشخاص، بل هو ممارسة لحق إنساني أصيل. إن المجتمع الحر يجب أن يمتلك القدرة على مناقشة الدين كما يناقش الأفكار السياسية والأنظمة الفلسفية. فلا توجد عقيدة فوق النقد.
إن دور تجمعنا هو التذكير بحقيقة بسيطة: الردة واقع موجود، وهي حق مشروع وجمهوري. للمواطنين القادمين من خلفيات مسلمة الحق الكامل في أن يعلنوا عدم رغبتهم في هذا الدين، وفي اختيار طريقهم دون خضوع للإذلال أو المراقبة أو التهديد.
لا يمكن للجمهورية أن تدعي الدفاع عن حرية التعبير دون الدفاع عن المرتدين، ولا أن تتغنى بالعلمانية دون حماية من يعانون من القسر الديني.

رسالتنا
رسالتنا واضحة: نحن هنا.
• نحن هنا من أجل المرتدين الخائفين.
• نحن هنا من أجل من يعجزون عن التعبير داخل أسرهم.
• نحن هنا من أجل النساء اللاتي يرفضن المصادرة والوصاية.
• نحن هنا لنذكر الجميع بأن فرنسا لا تنتمي لأي دين، بل تنتمي لمواطنيها كافة.
عبر "تجمع إلسا للمسلمين السابقين"، نرفض التواري، ونرفض طلب الإذن لنكون أحراراً.
نضالنا نضال جمهوري، علماني، إنساني، من أجل حرية الضمير...
وهذا النضال قد بدأ للتو.

هل سنرى يوما تجمعات مماثلة في العالم العربي والإسلامي؟