|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

منير المجيد
!--a>
2026 / 9 / 24
قرأتُ، بينما كنتُ أبحث في شأن آخر، على موقع المجلس الإسلامي للإفتاء ما يلي:
«يجوز للزوج أن يقبل فرج زوجته؛ لأنه لم يرد النص بالنهي، والأصل في الأمور الإباحة ما لم يرد التحريم. ولما جاز الوطء وهو أبلغ الاستمتاع جاز ما هو دونه. ولأن لكل من الزوجين أن يستمتع بجميع بدن الآخر بالمس والنظر، إلا ما ورد الشرع باستثنائه، ولم يرد في الباب استثناء. قال تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:٢٢٣].
جاء في حاشية إعانة الطالبين للدمياطي (٣/٣٨٨):"(قوله: يجوز للزوج) ومثله المتسري (وقوله: كل تمتع منها) أي من زوجته: أي أو من أمته (قوله: بما سوى حلقة دبرها) أما التمتع بها بالوطئ فحرام: لما ورد أنه اللوطية الصغرى وأنه لا ينظر الله إلى فاعله وأنه ملعون (قوله: ولو بمص بظرها) أي ولو كان التمتع بمص بظرها فإنه جائز".
والمحرم على الزوج هو اتيان المرأة في دبرها ووقت الحيضة والنفاس فقط. روى الترمذي عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقال: يا رسول الله، هلكت! قال:"وما أهلكك؟" قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) شيئا، قال: فأوحى إلى رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذه الآية:"نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ"، أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة" قال: هذا حديث حسن صحيح».
لن أُناقش ماورد أعلاه، خاصة الآية القرانية في سورة البقرة، لمعرفتي المسبقة أن الموضوع تناوله عدد لا يحصى من كافة الاختصاصات.
لكن ما لفت نظري، وجعلني أبحث في ندرة من «تجرأ» وتناول أهمية ودور البظر في حياة المرأة الجنسية، في الدول الناطقة بالعربية، أو من المحيط إلى الخليج، كما يحلو للبعض تسميتها.
والبظر، كما أُثبت علمياً، هو مركز هذه اللذة، وهو أيضاً سبب قمع هذه العضلة الصغيرة، بحجم حبّة حمص، وبالنتيجة قمع المرأة، على مرّ التاريخ.
لهذا سوف يدور موضوعي عن هذا العضو الصغير بحجمه، والكبير بمفعوله، ولا بأس بربطه بالسردية الفقهية والتاريخ.
لنبدأ من أول الفكرة.
حين نقرأ النصوص الفقهية التي تتناول العلاقة الجنسية بين الزوجين، نلاحظ أن الفقه الإسلامي، رغم لغته الذكورية، لم يحرّم استمتاع المرأة ببظرها، بل أباحه صراحةً. في حاشية إعانة الطالبين، يقول الدمياطي إن التمتع بالبظر، حتى بالمصّ، جائز لأنه لم يرد نصّ يمنعه، ولأن الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الإباحة ما لم يرد تحريم.
هذا النص، الذي يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً فقهياً صغيراً، يكشف شيئاً أكبر بكثير، وهو أن الفقه لم يكن هو الذي قمع البظر، بل الثقافة الاجتماعية التي أحاطت الجسد الأنثوي بالخوف والرقابة. الفقه، في بنيته النظرية، يجيز الاستمتاع بكل الجسد ما عدا الدبر والحيضة، لكنه لا يطوّر خطاباً يعترف بأن للمرأة رغبة مستقلة أو أن البظر مركز هذه الرغبة.
الإباحة موجودة، لكن الاعتراف غائب. وهذا الغياب هو ما يجعل النص الفقهي نقطة محورية لفهم تاريخ البظر في الثقافة العربية.
الشرع لم يمنع، لكن المجتمع تجاهل.
هذا التجاهل لم يبدأ مع الإسلام، بل هو امتداد لسياق تاريخي طويل يعود إلى اللحظة التي انتقل فيها الإنسان من جماعات الصيد إلى المجتمعات الزراعية. في تلك اللحظة، تشكّلت سلطة ذكورية قائمة على القوة البدنية، ثم تحوّلت إلى سلطة رمزية وثقافية ودينية. الرجل أصبح هو الذي يسنّ القواعد ويعرّف الأخلاق ويكتب اللغة التي تصف الجسد والجنس. ومع مرور الزمن، اختُزلت رغبة المرأة في وظيفتها الإنجابية، وأصبح الحديث عن متعتها أمراً غير مرئي أو خطراً يجب ضبطه. اللغة العربية الكلاسيكية نفسها تحمل آثار هذا الترتيب، فمثلاً أفعال الجنس تُسند إلى الرجل، بينما تُسند إلى المرأة صفات الطاعة والعفة والبكارة.
حين ظهرت النصوص الدينية الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية والإسلام)، استقر هذا الترتيب داخل بنية شرعية تنظّم العلاقات الجنسية بهدف حماية المجتمع من الانحراف، لكنها لا تقدّم تصوراً متكاملاً عن حق المرأة في المتعة.
الآيات التي تتحدث عن الزواج والطلاق والقوامة تخاطب الرجل مباشرة، وتضعه في مركز الفعل، بينما تُترك رغبة المرأة في الهامش. ومع ذلك، توجد إشارات في التراث الإسلامي تحثّ على مراعاة المرأة جنسياً، لكنها بقيت هامشية ولم تتحول إلى نظرية فقهية. الأحاديث الصحيحة لا تتضمن وصفاً مباشراً لأفعال جنسية، بل إشارات عامة إلى الملاطفة، مثل تقبيل النبي لعائشة وهو صائم. أما الروايات التي تتضمن تفاصيل حميمية دقيقة فهي ضعيفة السند أو موضوعة، ولا يعتمد عليها الباحثون الجادون.
هذا الإهمال لرغبة المرأة لم يكن دينياً فقط، بل كان أيضاً طبياً. الطب القديم، اليوناني والروماني والإسلامي، كتبه رجال عاشوا في ثقافات أبوية، فاختزلوا الجسد الأنثوي في أعضاء مرتبطة بالإنجاب: الرحم، المهبل، الثدي، وغشاء البكارة. أما البظر، العضو المركزي في المتعة الجنسية الأنثوية، فقد جرى تهميشه أو اعتباره شيئاً ثانوياً أو خطيراً لأنه يحفّز الشهوة.
الطبيب اليوناني غالينوس رأى أن أعضاء المرأة نسخة داخلية ناقصة من أعضاء الرجل، وهو تصور يعكس رؤية ثقافية أكثر مما يعكس معرفة تشريحية دقيقة. ومع أن بعض الأطباء القدماء وصفوا البظر، فإنهم لم يبنوا حوله معرفة علمية متماسكة، ولم يربطوه بالنشوة الأنثوية.
حين انتقل هذا التراث إلى الطب الإسلامي، ورث الأطباء المسلمون النموذج اليوناني نفسه تقريباً. في كتب الرازي وابن سينا وابن النفيس، يظهر البظر كعضو حساس ينتفخ عند الإثارة، ويشبه حشفة القضيب، لكن هذه الإشارات بقيت سطحية ولم تُبنَ حولها نظرية متكاملة عن المتعة الأنثوية.
الطب الإسلامي كان متقدماً في فهم الحمل والولادة والأمراض النسائية، لكنه لم يطوّر خطاباً علمياً حول المتعة الجنسية للمرأة، لأن الثقافة العامة كانت ترى الجنس من منظور الإنجاب والطهارة، لا من منظور المتعة المتبادلة. ومع ذلك، نجد إشارات دقيقة في بعض الكتب الطبية تشير إلى أن المرأة قد تشتهي وأن شهواتها قد تكون قوية، وأن البظر يلعب دوراً في ذلك، لكن هذه الإشارات بقيت محصورة في الطب ولم تنتقل إلى الفقه أو الثقافة العامة.
ومع دخول العالم الإسلامي العصر الحديث، بقيت الكتابة الطبية حول البظر محدودة. بعض الأطباء العرب في بدايات القرن العشرين، مثل داود الأنطاكي، قدّموا وصفاً تشريحياً عاماً للأعضاء التناسلية الأنثوية، لكن حديثهم عن البظر كان مقتضباً ومحكوماً بخطاب أخلاقي. ثم جاء أطباء معاصرون مثل محمد كامل حسين، الذي كتب في الطب الجنسي من منظور علمي، ووصف البظر كمركز عصبي مهم، لكن دون تحليل اجتماعي. في المقابل، ظهر في النقد الثقافي مفكّرون (مثل جورج طرابيشي وصادق جلال العظم)، الذين لم يكتبوا عن البظر مباشرة، لكنهم قدّموا تحليلاً عميقاً عن القمع الجنسي في الثقافة العربية، وكيف يُعاد تشكيل رغبة المرأة داخل منظومات السلطة.
وفي الأدب، كتب رجال مثل حيدر حيدر ورشيد بوجدرة ومحمد شكري نصوصاً تتناول الجسد الأنثوي بجرأة، وأحياناً يرد ذكر البظر باعتباره جزء من تجربة المرأة، لكن هذا يبقى ضمن سياق سردي لا يمكن اعتباره بحثاً علمياً. أما في الدراسات النسوية التي كتبها رجال، فهناك باحثون مثل عبد الله الغذامي، الذي ناقش الجسد الأنثوي في إطار نقد الخطاب الذكوري، وإن لم يتناول البظر مباشرة، لكنه قدّم أدوات لفهم كيف يُعاد تشكيل المتعة الأنثوية داخل اللغة والرمز.
وليس مُستغرباً أن تحجم المفكرات والكاتبات العرب عن تناول موضوع البظر على وجه الدقة، وذلك في غياب مدرسة فكرية عربية تتناول المتعة الأنثوية من منظور تشريحي وثقافي متكامل. الموجود هو شذرات موزّعة عن طب يقدّم الوصف التشريحي، ونسوية تقدّم النقد الثقافي، وأنثروبولوجيا تقدّم تحليل الممارسات، وأدب يقدّم الحساسية الجمالية.
نوال السعداوي هي الوحيدة التي وضعت البظر في قلب خطابها، والبقية اقتربن منه عبر طرق غير مباشرة.
في أوروبا الحديثة، خصوصاً في القرن التاسع عشر، ظهر ما يشبه الإنكار المؤسسي لمتعة المرأة. بعض الأطباء اعترفوا بوجود رغبة أنثوية قوية، لكنهم ربطوها بالمرض أو الانحراف، بينما ركّز آخرون على النشوة المهبلية بوصفها الشكل «الناضج» من المتعة، واعتبروا النشوة البظرية طفولية أو غير مكتملة، وهو تصور تأثر لاحقاً بقراءات معينة للتحليل النفسي. ومع ذلك، بقي البظر خارج المناهج الطبية المدرسية، وظل يُرسم كنقطة صغيرة، بينما تجاهلت الكتب بنيته الداخلية المعقدة.
التحول الحقيقي بدأ في أواخر القرن العشرين، حين أعادت الباحثة الأسترالية هيلين أوكونيل رسم البنية التشريحية للبظر بدقة، وأظهرت أنه ليس مجرد حشفة صغيرة ظاهرة، بل عضو داخلي كبير يمتد بساقين على جانبي المهبل، وله بصيلات إسفنجية تنتفخ أثناء الإثارة. هذا الاكتشاف أعاد الاعتبار للبظر كونه العضو الأساسي للنشوة الأنثوية، وفتح الباب أمام إعادة كتابة المناهج الطبية وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
أما ما يسمى نقطة جي، فهي منطقة في الجدار الأمامي للمهبل وصفها الطبيب الألماني إرنست غرافنبرغ في منتصف القرن العشرين. الدراسات الحديثة لا تؤكد وجود نقطة محددة ثابتة عند كل النساء، بل تشير إلى وجود منطقة حساسة تختلف من امرأة لأخرى، وترتبط تشريحياً بالبظر الداخلي والبصيلات والأنسجة الإسفنجية. لذلك فإن النشوة التي تُنسب إلى هذه المنطقة ليست منفصلة عن البظر، بل هي في الغالب نتيجة تحفيز غير مباشر له. وهذا يعني أن الفصل بين النشوة المهبلية والنشوة البظرية فصل اصطناعي، وأن البظر هو المفتاح الأساسي للنشوة عند معظم النساء.
على المستوى الاجتماعي، لعب التعليم الجنسي دوراً حاسماً في الدول المتقدمة، حيث بدأت المدارس منذ منتصف القرن العشرين بتدريس الجنس كظاهرة بيولوجية ونفسية واجتماعية، لا مجرد وسيلة للإنجاب. ومع مرور الوقت، دخلت مفاهيم جديدة مثل الموافقة والاحترام المتبادل والمتعة المشتركة، وأصبح الحديث عن البظر والنشوة الأنثوية جزءاً من المناهج في بعض الدول.
هذا لا يعني أن كل شيء مثالي، فهناك مقاومات دينية ومحافظة، لكن الفارق كبير مقارنة بالدول النامية التي تفتقر إلى التعليم الجنسي وتختزل الجنس في العفة والبكارة والفضيحة.
في كثير من المجتمعات النامية، تُختزل ليلة الزفاف في فضّ غشاء البكارة وإظهار الدم كدليل على الطهر، وهو طقس يعكس رؤية تعتبر جسد المرأة ملكاً للعائلة، وشرفها مرتبطاً بغشاء رقيق لا علاقة له بالفضيلة أو الأخلاق. هذا الطقس يجعل الجنس تجربة مرتبطة بالخوف والقلق، لا بالمتعة. وفي هذه الثقافات، لا يُسأل أحد عن رغبة العروس أو حقها في المتعة، بل يُسأل فقط عن الدم.
إلى جانب ذلك، توجد ممارسات أكثر قسوة مثل الختان الأنثوي، الذي يستهدف البظر نفسه بالقطع أو التشويه، في محاولة لضبط شهوة المرأة. هذه الممارسة مثال صارخ على كيف تتحول الثقافة الذكورية إلى عنف مباشر ضد الجسد الأنثوي.
ختان الأنثى ممارسة لا علاقة لها بالنص القرآني، ولم تكن جزءاً من الطب الإسلامي العلمي، بل كانت عادة اجتماعية موجودة قبل الإسلام في بعض مناطق أفريقيا والجزيرة العربية.
الطب الإسلامي لم يعتبر الختان الأنثوي ضرورة طبية، بل تعامل معه بوصفه عادة اجتماعية تهدف إلى تهذيب الشهوة. في بعض النصوص الفقهية، يُذكر ما يسمى بـ «الختان الخفيف»، وهو قطع جزء صغير من القلفة التي تغطي البظر، لكن هذا الوصف لا يشبه أبداً الممارسات القاسية التي ظهرت لاحقاً في شرق أفريقيا، حيث يُقطع البظر كاملاً أو تُخاط الشفران فيما يسمى بـ«الختان الفرعوني».
تاريخياً، بدأت ممارسة الختان الأنثوي في وادي النيل وشرق أفريقيا قبل الإسلام بقرون طويلة، وكانت مرتبطة بمفاهيم الطهارة والعفة والانتقال إلى البلوغ. ومع انتشار الإسلام في تلك المناطق، اختلطت العادة بالدين، رغم أن النصوص الإسلامية لا تفرضها
اليوم، تمارس هذه العادة في الصومال وإريتريا وجيبوتي وجنوب مصر والسودان وبعض مناطق إثيوبيا، وهناك أيضاً حالات في كردستان العراق، خاصة في أربيل والسليمانية، كما توجد أشكال أخف في بعض مناطق اليمن وإندونيسيا، بينما اختفت تقريباً في البلاد العربية خارج هذه المناطق.
الطب الحديث يعتبر الختان الأنثوي تشويهاً للأعضاء التناسلية، ويؤكد أنه يسبب أذى جسدياً ونفسياً، وأنه يدمّر البظر الذي هو العضو الأساسي للنشوة الأنثوية.
الحركات النسوية منذ القرن التاسع عشر لعبت دوراً مركزياً في إعادة كتابة الجسد الأنثوي، إذ فضحت الأساطير التي تقول إن المرأة أقل شهوة أو لا تحتاج إلى النشوة، وطالبت بأن يُنظر إلى الجنس كتجربة مشتركة، لا كخدمة تقدمها المرأة للرجل.
ومع تطور علم الجنس في القرن العشرين، ومع ظهور الحركات النسوية العارمة، ظهرت، أيضاً، قراءات نقدية أعادت الاعتبار للبظر، ورفضت التصنيفات التي تضع متعة المرأة في مرتبة أدنى من متعة الرجل.
يمكن القول، في نهاية المطاف، إن التاريخ الطويل للجنس في الثقافات البشرية هو تاريخ إخفاء صوت المرأة، وإعلاء صوت الرجل، وإنكار رغبتها، وتحويل جسدها إلى موضوع للضبط والرقابة. ومع أن العلم الحديث أعاد الاعتبار للبظر والنشوة الأنثوية، فإن الطريق ما زال طويلاً، خصوصاً في المجتمعات التي تربط شرف المرأة بغشاء البكارة، وتربط الجنس بالخوف والفضيحة، وتفتقر إلى تعليم جنسي علمي يعترف بأن للمرأة رغبة مستقلة يجب احترامها.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|