أسطورة الرجل المُعيل-



امال قرامي
2026 / 9 / 25


ظلّت صورة "الرجل المعيل" الذي يعمل ويكسب المال وينفقه على أهل بيته مترسّخة في المخيال العامّ على الرغم من دخول النساء سوق الشغل واضطلاعهنّ بأدوار هامّة في الاقتصاد المحليّ، وتحمّل فئة منهنّ كلّ أعباء إدارة شؤون الأسرة، خاصّة بعد موت الزوج، أو هجره، أو تنصّله من مسؤولية الإنفاق على أبنائه بعد الطلاق. ولا عجب في شيوع هذا التصوّر ما دام المجتمع الأبويّ يربط الرجولة بكسب المال والسلطة والمكانة الاجتماعية والامتيازات ويمنح الرجال، الذين أثبتوا قدرتهم على ممارسة القوامة المادية والمعنوية والرمزية، الحظوة والتقدير والاحترام.

وفي المقابل لا يعترف المجتمع الذكوري بمساهمة النساء في الإنفاق ويروّج لتمثّلات تقرن النساء بالكسل والسلبية والضعف وسوء التصرّف. فهنّ مُستهلكات وغير منتجات، أو مُستثمرات للثروات مع أنّ التاريخ الاجتماعي والواقع اليومي يفنّد هذا التصوّر.

وتتجلّى المقاومة الذكورية لمسألة الاعتراف بمساهمة النساء في الإنفاق في عدّة مجالات، لعلّ أهمّها اللغة. فعندما يتحدّث واضعو السياسات والقوانين والإعلاميون والخطباء في المساجد وغيرهم عن "ربّ العمل و"ربّ الأسرة و الفاعل الاقتصادي و"المُنفق" و الرجل الشقيان والتعبان" ويحجبون "المرأة المعيلة" و"المكدودة" و"العالمة في الاقتصاد" و... ، فإنّهم يُثبّتون هذه التمثّلات، ويهمّشون أشكالًا من العمل النسائي غير المدفوع الأجر، ولا يدرجونها في دورة الإنتاج العامّ، فتكون بذلك غير مرئية في الإحصائيات والبيانات والتقارير وغيرها.

لا يعترف المجتمع الذكوري بمساهمة النساء في الإنفاق ويروّج لتمثّلات تقرن النساء بالكسل والسلبية والضعف وسوء التصرّف

تعي أغلب النساء اليوم أنّهنّ "عاملات" ومُنتجات ومساهمات في الاقتصاد من خلال العمل في عدّة قطاعات، وأنّهنّ يضطلعن أيضا بأدوارهنّ التقليدية في ظلّ ظروف صعبة، وأنّ عملهنّ، سواء كان مدفوع الأجر أم لا، ساعد في إعالة الأسر وتحقيق التنمية. ولكنّ الفضل يُنسب في الغالب إلى الرجال وحدهم، فعندما يتحدّث هؤلاء فإنّهم ينسجون أسطورة الرجل المُعيل الذي أنفق أموالا طائلة على تعليم أبنائه وتحقيق أحلامهم، وهو الذي نمّى ثروته، وأنجز مشاريع جديدة بجهده الخاصّ...، وعندما يريد الرجال تقريع أحد أبنائهم فإنّهم يذكّرونه بأنّهم أفنوا أعمارهم في العمل وأنفقوا عليه "الغالي والرخيص" من أجل أن ينجح في الحياة. ويتناسى هؤلاء أنّه لولا جهود النساء، وعملهنّ، وما حصّلنه من أجور، لما أمكن ضمان الاستقرار والنجاح.

وبناء على هذا التجاهل أو النسيان، أو التغافل أو الحرج الذي يشعر به الواحد أمام المجموعة، والذي يجعله يحجب دور زوجته أو أخته أو أمّه في حياته حفظًا لصورته ورجولته، بدا من الضروريّ، اليوم، اهتمام المُناضلات والأكاديميات الناشطات والمُمارسات الاهتمام بـ"الاقتصاد النسويّ" وطرح أسئلة حرية بأن يُفكّر فيها: من يعمل؟ من يعترف بعمله؟ ما الذي يجعل الأعراف الاجتماعية ذات سلطة؟ لمَ ساد التمييز واللامساواة والتهميش؟ لمَ تنصّلت الدولة من واجباتها وأثقلت كواهل النساء وفرضت عليهنّ إيجاد الحلول؟ من هم مقدّمو الرعاية والإعالة؟


قضايا كثيرة تشغل المهتمّات بـ"الاقتصاد النسويّ"، منها انتزاع الاعتراف بمساهمة النساء في الإعالة التي تتسع لتشمل الخدمات المنزلية والرعاية وإدارة الشؤون المالية للأسرة، ومن ثمّ المشاركة في الاقتصاد الرسمي، ومنها إدراج مجموعة من القيم كالعدالة الجندرية والاجتماعية والمساواة والحرية والكرامة... ومنها إعادة توزيع الأدوار وخدمات الرعاية، ومنها مناهضة الهيمنة الذكورية وما يستتبعها من علاقات قوّة، والعنف داخل الأسرة وفي مواطن العمل، وتغيير السياسات، وتحقيق العدالة الضريبية...

تكشف النقاشات المُحتدمة التي تخوضها الجمعيات النسائية/النسويّة التطوّر الحاصل على مستوى طرح المواضيع التي تستوجب التفكير العميق، والنظريات والمفاهيم والمصطلحات التي تتطلّب إعادة النظر (كالتمكين النسائي، الرعاية...) والبحوث التي ينتجها المجتمع المدني، والوعي بالفجوات المعرفية، إذ تغيب الإحصائيات الرسمية حول الاقتصاديات السائدة في مجتمعاتهنّ ويُمنع النفاذ إلى المعلومات...

وفي مقابل هذا التطوّر تستمرّ الجامعات في تدريس الاقتصاد من دون الأخذ بوجهات نظر النساء، ومراجعة إنتاجهنّ والإفادة من المعرفة المُنتجة، لا لشيء إلاّ لأنّ الاقتصاد النسويّ محمّل بالنفس الثوري، والرغبة في تغيير المناهج والمضامين والتصوّرات. وهنا تتضاعف مساحات اللااعتراف.