|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

منير المجيد
!--a>
2026 / 9 / 25
صديقي البعيد جغرافياً، وفي مكالماتنا المنتظمة، عاتبني على كتابتي، قبل يومين، عن مسألة حاجة المرأة الجنسية التي أُهملت على مرّ التاريخ، وحثني على التركيز على مواضيع لها علاقة بالسينما والأدب والقفشات المضحكة، ولم ينس كعادته السؤال عن «كيف الطقس عندك هالأيام في هولندا؟».
لا أعرف لماذا ذكرني الحوار معه بصديق آخر.
كنّا في المرحلة الثانوية، في الصف الحادي عشر تحديداً، حين أعلن صديقي وزميلي دعوته لي لحضور زفافه في قريته القريبة من القامشلي.
كانت مناسبة تبدو، في عيوني يومها، عجيبة وساحرة وايروتيكية في نفس الوقت.
استمرت الاحتفالات ثلاثة أيام كاملة. جاء الضيوف من قرى اخرى، يحملون شوالات السكر والأرز كهدايا ومساهمات في الوليمة التي أسفرت عن مجزرة بحق قطيع من الأغنام، وأقاموا في خيام نُصبت خصيصاً لهم.
لم يكن هناك متسع كبير للنوم أو الراحة، فالحماس كان يشتعل فيهم. حلقات الدبكة لا تتوقف، والغبار يرتفع تحت الأقدام ويختلط بتعرّقهم وموسيقى الفرقة الغجرية.
وفي الليلة الأخيرة جاء ما موعد «ليلة الدخلة». والمفارقة أنني لم أكن أعرف يومها، ولا أعرف إلا منذ وقت قريب، أصل هذه التسمية. فكلمة «الدخلة» مشتقة من «الدخول» أو «الإيلاج»، وهو تعبير قديم استُخدم لوصف انتقال الزواج من عقد إلى حياة زوجية فعلية، أو ما كان الفقهاء يسمونه «الدخول بالزوجة». ومع مرور الزمن تحولت العبارة إلى اسم شعبي لتلك الليلة الأولى التي يبدأ فيها الزوجان حياتهما المشتركة.
أخذوا صديقي إلى غرفة كانت عروسه تنتظره فيها، بعد أن نتفت نساء خبيرات كل شعرة في جسدها. كان الجميع في الخارج يترقب أكثر مما يترقب نتيجة مباراة نهائية. لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. خرجت علينا امرأة تحمل منديلاً عليه بقع دم، رفعته أمام الحاضرين كما لو أنه وثيقة انتصار، فانفجر الجمع بالهتاف، وعادت حلقات الدبكة بصخب أكبر من ذي قبل.
أتذكر أنني، رغم صغر سني، شعرت بنفور لم أتمكن من تسميته بدقة آنذاك. كان ثمة شيء غير مريح في المشهد كله. لم أفهم لماذا يصبح جسد فتاة شابة موضوعاً عاماً، ولماذا يتحول حدث يفترض أنه يخص شخصين فقط إلى احتفال جماعي يشارك فيه العشرات.
وبعد سنوات طويلة بدأت أجد الكلمات التي عجزت عنها في ذلك العمر. فكرت أن ما جرى لم يكن سوى اغتصاباً، أو على الأقل عن غياب أي اعتبار حقيقي لرغبة العروس ومشاعرها وتجربتها الخاصة.
وفي الحقيقة لم تفارقني المسألة منذ ذلك الحين.
ذلك الصديق لم يتلقَّ أي معرفة عن العلاقة الجنسية سوى أنها واجب يؤديه الرجل في تلك الليلة، وأن نجاحه يقاس بعلامة مادية ينتظرها الواقفون خلف الباب. لم يسأله أحد عمّا تشعر به زوجته، ولا إن كانت خائفة أو متوترة أو راغبة أو حتى مستعدة. ولم يسأل أحد كيف يمكن لعلاقة إنسانية طويلة أن تبدأ تحت ضغط هذا الكم من التوقعات الاجتماعية.
كنت أتساءل دائماً: ما الذي شعرت به تلك الفتاة في تلك الليلة؟ ما هي حقوقها؟ كيف تقبلت هذا كله؟ وكيف يمكن لامرأة أن تبني علاقة صحية مع الجنس إذا كانت تجربتها الأولى محكومة بالخوف والمراقبة والامتحان الاجتماعي؟ وكيف يمكن لرجل أن يتعلم احترام رغبات شريكته إذا كان المجتمع كله يلقنه أن القضية تتعلق بإثبات فحولته هو، لا بإنسانية الطرفين معاً؟
ربما لهذا السبب كتبت مقالتي شبه الأكاديمية عن حاجة المرأة الجنسية وأهميتها. لم أكتبها بدافع الاستفزاز، ولا رغبة في كسر المحرمات لمجرد الكسر. كتبتها لأنني كلما تذكرت ذلك المنديل المرفوع في الهواء، ازددت اقتناعاً بأننا تحدثنا كثيراً عن شرف المرأة، وقليلاً جداً عن مشاعرها، وأننا اهتممنا بإثبات عذريتها أكثر مما اهتممنا بحقها في المتعة والاختيار والرضا.
وربما لهذا السبب أيضاً لم أستطع التعامل مع موضوع حاجة المرأة الجنسية بوصفه ترفاً فكرياً أو قضية جانبية. فبالنسبة لي لا يبدأ الأمر من الكتب والدراسات والإحصاءات، بل من تلك الليلة البعيدة في قرية في الجزيرة السورية، ومن ذلك المنديل الذي رُفع، بينما لم يسأل أحد عمّا جرى للطرف الآخر من الحكاية.
بعد كل هذه السنوات ما زلت أظن أن المشكلة لم تكن في تلك الليلة وحدها، بل في الثقافة التي جعلتها احتفالاً عاماً بحق الرجل، وصمتاً مطبقاً حول المرأة.
لذلك كتبت المقالة. ليس دفاعاً عن فكرة مجردة، بل عن إنسانة حقيقية لطالما أُريد لها أن تكون موضوعاً للرغبة، لا صاحبة رغبة؛ وأن تكون موضوعاً للحكم، لا صاحبة حق. وربما كان صديقي البعيد محقاً حين يقول إن السينما والأدب أكثر متعة من هذه المواضيع، لكن بعض الذكريات القديمة تتحول مع الوقت إلى أسئلة، وبعض الأسئلة لا تجد طريقها إلى الخلاص إلا بالكتابة.
ولصديقي البعيد أجيب: نعم، ما زال الأدب والسينما والقفشات المضحكة تستحق الكتابة عنها، لكن بعض الذكريات ترفض أن تغادر صاحبها. أما الطقس في هولندا فقد بدأ يدخل الخريف فعلاً، وقد شغّلت جهاز التدفئة للمرة الأولى هذا الموسم، لأن الليالي، على وجه الخصوص، صارت تُسرّب برودة رقيقة تبدو لطيفة في البداية، لكنها تعرف طريقها إلى العظام جيداً.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|