|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

نزار جاف
!--a>
2026 / 9 / 26
"وراء كل رجل عظيم امرأة"... عبارة تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها إنصاف للمرأة واعتراف بدورها في صناعة النجاح. لكنها، إذا ما تجاوزنا معناها الظاهري، قد تكشف عن مفارقة أكثر عمقا: لماذا يفترض هذا القول أن مكان المرأة الطبيعي هو خلف الرجل، حتى عندما تكون هي نفسها صاحبة الدور والإنجاز؟
لقد اعتادت المجتمعات، على مدى قرون، أن ترى المرأة باعتبارها القوة التي تسند الرجل، والعقل الذي يساعده، واليد التي تفتح له الطريق، والشريكة التي تتحمل معه أعباء الحياة. لكن حين يأتي النجاح، غالبا ما يحمل اسم الرجل وحده، فيما تبقى المرأة في الخلف، كأن مساهمتها لا تصبح ذات قيمة إلا بقدر ما تخدم نجاح رجل آخر.
والسؤال هنا ليس لماذا نقول "وراء كل رجل عظيم امرأة"، بل لماذا لم تتحول عبارة "وراء كل امرأة عظيمة رجل" الى التعبير نفسه عن العلاقة الإنسانية بين الطرفين؟ ولماذا يبدو نجاح الرجل أمرا طبيعيا يحتاج إلى امرأة تسانده، بينما يحتاج نجاح المرأة في كثير من المجتمعات الى تفسير وتبرير وإثبات؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في الرجل بقدر ما هي في منظومة اجتماعية وثقافية قديمة جعلت من الذكورة معيارا ضمنيا للسلطة، ومن الأنوثة مساحة يفترض أن تتحرك داخل حدود مرسومة سلفا.
لقد تغير العالم كثيرا. دخلت المرأة الجامعة والمختبر والمستشفى والمحكمة والبرلمان، وأصبحت عالمة وطبيبة ومهندسة وقاضية وكاتبة وسياسية وقائدة. وأثبتت، في ميادين لا حصر لها، أن القدرة ليست امتيازا بيولوجيا محصورا في جنس دون آخر.
ومع ذلك، لم تسقط كل الجدران.
فالمرأة قد تعمل طوال النهار، ثم تعود إلى منزلها لتبدأ "دواما" آخر لا راتب له ولا إجازة منه. وقد تصل الى موقع قيادي، لكنها تجد نفسها مطالبة بإثبات جدارتها أكثر من الرجل. وقد تنجح، فيبحث أحيانا عن الرجل الذي يقف وراء نجاحها، بدلا من النظر الى نجاحها باعتباره إنجازا شخصيا لها.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: لم يكن حرمان المرأة دائما يأتي في صورة منع صريح. أحيانا كان يأتي في صورة كلمات جميلة.
تحت اسم الحماية يمكن أن تصادر الحرية، وتحت اسم التكريم يمكن أن تحجب الحقوق، وتحت اسم التضحية يمكن أن تحمل المرأة أعباء لا تحمل للرجل بالقدر نفسه، وحتى تحت اسم الحب يمكن أن تمر أشكال من السيطرة لو ظهرت باسمها الحقيقي لرفضها الجميع.
ولهذا فإن قضية المرأة اليوم لم تعد مجرد الحصول على وظيفة أو مقعد في البرلمان أو منصب إداري. إنها قضية أعمق: إعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة نفسها.
لماذا يجب أن يكون أحدهما أعلى من الآخر؟ ولماذا ينبغي أن تحدد ولادة الإنسان، رجلا كان أم امرأة، سقف أحلامه وموقعه في المجتمع؟
فالمرأة التي تطالب بالمساواة لا تريد أن تصبح رجلا، ولا تريد أن تنتزع مكانه. إنها تريد فقط أن يسقط الجنس باعتباره معيارا لتحديد قيمة الإنسان وقدرته وحقوقه. تريد أن يصل الإنسان إلى المكان الذي تؤهله له كفاءته، لا الى المكان الذي تسمح له به هويته الجنسية.
ومن هنا، فإن ما يجري ليس حربا على الرجل، كما يحاول البعض تصويره، وإنما مواجهة مع فكرة قديمة جعلت امتياز الرجل يبدو طبيعيا، بينما جعلت استقلال المرأة يبدو استثناء يحتاج الى الدفاع عنه.
لقد بدأت المرأة تدرك أنها ليست موجودة لكي تكون "المرأة التي تقف خلف الرجل العظيم". إنها موجودة، قبل كل شيء، لكي تكون إنسانة كاملة الحقوق، قادرة على أن تصنع وتقرر وتنجح وتخطئ وتحلم، من دون أن تحتاج الى رجل يمنح إنجازها شرعيته.
وفي المقابل، لا يحتاج الرجل الى امرأة تقف خلفه لكي يكون عظيما. فالعظمة ليست علاقة ترتيب بين اثنين؛ وليست مقعدا في المقدمة لا يتسع إلا لشخص واحد.
المساواة الحقيقية لا تعني أن يتراجع الرجل لكي تتقدم المرأة، وإنما أن يسقط السؤال نفسه: من يجب أن يكون في المقدمة؟
عندها فقط ستفقد عبارة "وراء كل رجل عظيم امرأة" ضرورتها القديمة. ليس لأن المرأة لم تعد خلف الرجل، بل لأن المرأة والرجل سيكونان قد تجاوزا فكرة الوقوف خلف بعضهما أو فوق بعضهما.
سيكونان ببساطة... إلى جانب بعضهما.
وربما تكون تلك هي اللحظة التي لا تخرج فيها المرأة من ظل الرجل فحسب، بل يخرج المجتمع كله من ظل فكرة قديمة طالما أقنعته بأن هناك إنسانا خلق ليقود، وإنسانا آخر خلق ليتبع.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|