كيف نجحت المرأة العراقية في صنع واقع بديل لواقع الثقافة الرجالية؟



نعيم مرواني
2026 / 9 / 27

منذ ان اصبح العراق جزءا من الدولة العثمانية عام 1534 بدأ حيز الثقافة النسائية في العراق يتقلص. ورغم انني أعزو النظرة الدونية للمرأة في المجتمعات الشرقية وتسيد الثقافة الرجالية الى الديانات التوحيدية التي وصفت الوجود الانساني بانه نتيجة لخطيئة ارتكبها آدم بعد أن اغوته حواء باكل التفاحة، لكن تراجعا مخيفا لحقوق ونشاطات المرأة المسلمة والغاءً شبه تام لدورها خارج البيت دشنته الدولة العثمانية (القبلية) حسب بعض المؤرخين.
تجد المرأة نفسها بالعراق الآن حبيسة البيت تنفق كل اوقاتها في تربية الاطفال وتأدية كل الواجبات المنزلية المطلوبة. وحتى التي تكمل تعليمها وتحصل على وظيفة ، حكومية في اغلب الاحوال، فانها حالما تعود من العمل تجد الاعمال المنزلية بانتظارها، وهنا سيكون عملها قد تضاعف.
على الجانب الاخر، فالرجل مطلق الحرية بالدراسة والنشاطات الرياضية والترفيهية والثقافية والاجتماعية وارتياد النوادي والمقاهي والتزاور مع الاصدقاء والاقارب في كل الاوقات، وجلهم ينفق اوقاته خارج البيت في هكذا نشاطات حتى ساعات متأخرة من الليل. يعود بعدها منهكا ليجد كل شي في البيت مرتب حسب الاصول وكل مايحتاجه مهيأ على أحسن الاحوال.
المرأة، على الجانب الآخر، لاتجد المساحة الكافية للتعبير عن ذاتها والتسلية والترفيه لانها ممنوعة من الاختلاط بالرجال ومشاركتهم نشاطاتهم. بمررو السنين تأقلمت المرأة مع الظروف ولكنها تدريجيا خلقت لنفسها واقعا بديلا ( تحت الارض) بعيدا عن سيطرة ومراقبة الرجل او لنقل بمباركته غير المعلنة.
وجدت المرأة العراقية نفسها في ابنها وبنتها، وعوضها الاستمتاع بتربيتهما والاهتمام بهما عما فقدته من متعة الاختلاط بالمجتمع الرجالي والحضور في النشاطات الرجالية الاجتماعية، وعبرت عن نفسها في تكوين شخصيتهما تعويضا عن فقدانها المساحة الاجتماعية اللازمة للتعبير عن ذاتها وفلسفتها بالحياة وآرائها في قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة.
أوجد المجتمع النسائي واقعا بديلا موازيا لواقع تتسيده الثقافة الرجالية ولكن تحت اضواء خافتة تتجنب اثارة حفائظ الرجال من تواصل النساء مع بعضهن البعض لان في ذلك ، حسب رأيهم، شر مستطير يهدد الثقافة الاجتماعية (اي سلطة الرجل) وتاليا كيان العائلة.
ففي الواقع النسائي الموازي، وجدت النساء متعة وواقعا بديلا يتجسد في تعلم وتطوير مهارات الطبخ والتزاور في الافراح والاتراح والتواصل الهاتفي وتبادل الطرف والدارميات والنكت والاشعار وقصص التاقلم مع الازواج التعسفيين.
وهذا الواقع البديل ساعد الزوجة العراقية على التاقلم مع الواقع الاصيل الرجالي وصارت المرأة ترى العلاقة الزوجية كما لو انها كانت علاقة مساكنة قبلتها لاجل عيون اولادها التي وجدت فيهم سلوى لما حرمت منه.
نساء العراق يتسلين بتربية ابنائهن وهم يكبرون امام اعينهن ويسردن القصص الجميلة عن ذكائهم وجمالهم ومحاسن اخلاقهم.
وكأن حالهن حال العبد في جدلية العبد والسيد في كتاب فينومينولوجيا الروح لهيغل، إذ يقول هيغل انه عندما يأمر السيد تابعه بصنع شيء ما كزراعة محصول او صناعة شيء مادي فأن هذا الأمر يبدو اضطهادا، لكن ، والقول لهيغل، عمل العبد يصبح مفتاحا للحياة، فعلى النقيض من السيد الذي يستهلك الأشياء التي يصنعها العبد فوراً، يتعين على العبد كبح رغباته ويلتزم الصبر والتأني من أجل اتقان المنتج وصياغته.
ومن خلال عمله الإبداعي هذا، يعكس العبد أفكاره ومهاراته الخاصة وطاقته على الشيء الذي يصنعه لسيده. وحين ينظر العبد إلى المنتج النهائي يشعر بالفخر حالما يدرك انه هو من صنع ذلك. باختصار، ان النشوة التي تغمر العبد حين يرى منتوجه بشكله النهائي وكيف ترجمت مهاراته وصبره الى منتج فني جميل او نافع تطغى على شعوره بالظلم والقمع.
وهذا تماما مايغمر المرأة العراقية من شعور حينما ترى بناتها وابنائها ينجحون في حياتهم ويشقون طريقهم نحو الشهرة والمجد اللتين منعتها التقاليد من تحقيقهما.