|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

ملهم الملائكة
!--a>
2026 / 9 / 27
عملياً لا فرق بين صغير وبين كبير في تلقي الرصاص، فالموت أو الإصابة حتمية بنفس القدر من الخطورة، لكنّ مقتل الصغير أو أصابته تحرك في النفس مشاعر حزن تتجاوز تخوم الأسى على البالغ إن أُصيب أو قتل، لأنّ الصغير ما زال مشروعاً للمستقبل، والجميع يأمل أن تُزهر جنينة عمره فيصنع حياة لامعة لا يتوقعها أحد. ومقاتل الصغار التي حرّكت مشاعر ملايين الناس بل وأحدثت هزات سياسية خطيرة لا تعد ولا تحصى، ولعل من أشهرها خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين:
مجزرة مدرسة بيسلان في روسيا عام 2004، التي اعقبت عملية احتجاز رهائن في مدرسة بمدينة بيسلان في أوسيتيا الشمالية على يد إسلاميين انفصاليين شيشيان وأسفرت عن مقتل أكثر من 334 شخصاً، بينهم 186 طفلاً.
بنفس القدر أثار مقتل الطفل السوري حمزة الخطيب البالغ من العمر 13 عاماً في معتقلات الأمن السوري بدرعا عام 2011، صدمة كبرى حيث تحول جثمانه الممهور بآثار التعذيب إلى رمز لقمع السلطات للمتظاهرين حتى اليافعين منهم، ومثل ذلك إذ بُهت العالم إزاء وحشية السلطات الإيرانية في التصدي لتظاهرت كانون الثاني/ يناير 2026 في المدن الإيرانية التي طالت أكثر من 20 طفلا إناثا وذكوراً، كان من أشهرهم أبو الفضل دهقانی المقتول في بیجار/ كردستان إيران، والصبي أمیر علي پرویزی المقتول في طهران، والمراهقة غزل جان قربان المقتولة في أصفهان، والأمثلة الفردية على مقتل الصغار لا تحصى، وبوسع المهتم أن يسأل منصات الذكاء الاصطناعي وسيحصل على إجابات لانهاية لها بكل اللغات.
لكنّ الاستهجان ينقلب استحساناً وتشهّياً حين يتعلق الأمر بافتراس الناس للحيوانات، فصغار الغزلان هي المنتجة لأغلى لحوم حمراء يبحث عنها الآكلون لافتراسها بلا شفقة بعد أن يطلقوا عليها الرصاص ويذبحونها ويشوونها (رميٌ بالرصاص وذبحٌ وحرقٌ بالنار لقتل ضأن لا يقوى على العدو!؟)، ولحم الحمل الذي لم يبلغ عامه الأول (ويسمونه قوزي، هرفي...) هو المفضّل عند الجميع بعد ذبحه وطبخه أو شيّه، كما أنّ لحم العجول (ولاسيما التي لم تتجاوز عامها الأول) هو المفضل في مطابخ المطاعم والبيوت، ويصدق ذلك على صغار النوق (الفصائل) وكذلك صغار الخنازير (لمن يأكلونها) مشوية، ويمتد التشهي إلى مساحة فراريج الدجاج وصغار الطيور. نحن نقتل ونفترسُ صغار الحيوانات بلا شفقة، ألا يتناقض ذلك مع حزننا على صغار البشر الذين يقتلون!؟
هذه المقاربة تنقلب إلى ضدها حين يتعلق الأمر بصغار الذكور من المثليين، فالصغير في هذه الحالة عدو يجب قتله، مع أنّ الإحصاءات والمعلومات والتقارير تفيد أنّ كثيراً من عمليات اغتصاب الذكور اليافعين تتم غصباً عنهم، (رغم أن ما يقوله صغار المثليين أنفسهم يناقض هذا، فهم يقرون همساً أنّ المواقعة جرت برضاهم وبالاتفاق مع الفحول!). التناقض هنا لا حدود له في هذه المساحة الخطرة المسكوت عنها، لكن القبائل والشيوخ يشرعنون قتل المفعول به (الذكر اليافع الذي يتلقى الفعل الجنسي)، أما الفاعل (الغاصب أحياناً) فلا أحد يفكر بقتله لأنّ "شهوته قد اعمت عقله وبصيرته" فأقدم على الفاحشة! ولا أحد يترحم على الصبي الجميل حين يصيبه الرصاص لأنه مارس الجنس من منفذ لا يرتضيه الناس وأعرافهم! وتحضرني هنا الآية الكريمة 19 من سورة الإنسان (وتتكرر جزئيا في سورة الواقعة):
"وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا"، ويشغلني سؤال محيّر، إذا كان وعدُ رب العزة للمؤمنين المسلمين في الجنة "ولدان مخلدون" (ومعنى ولدان مخلدون صبية لم تنبت لحاهم ولن تنبت قط لأنهم مخلدون في ميعة الصبا)، فلماذا يقتل الناس الولدان في هذا الزمان؟ الولد بمعنى الغلام المليح هو وعد رباني للرجال المسلمين ما يعني أنّ هناك فئة من الذكور تختص بصفة الملاحة والحسن وتمارس دور المؤنث مع الرجال الذين يهوون الغلمان ويشيحون عن النساء!
ومن مفارقات التاريخ أن (أمير المُؤمِنين وخَليفَة المُسْلِمين الإمام) أبي عبد الله مُحمَّد الأمِين سادس خلفاء بني العباس كان يعشق ولداً مليحاً اسمه كوثر، وقد انشغل به عن المُلك والدنيا وكل نساء البلاط، وحين قُتل الأمين في عام 198 هجري على يد قائد جيش أخيه المأمون، قُتل معه صبيه كوثر ومثُل بجثتيهما حسب اجماع المصادر التاريخية.
ولم أجد في الذكر الحكيم نصاً يدعو لقتل المفعول به من الذكور، بل إنّ النص الوحيد الذي يشير تلميحاً -وليس تصريحاً- إلى من مارسا الجنس المثلي قد ورد في سورة النساء الآية 16:
"وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا"
و"يأتيانها" هنا تشير إلى (ذكران) يمارسان "الفاحشة" التي وردت في الآية السابقة لهذه الآية، وعقابهما ليس القتل أو الرجم وما شابه بل " فآذُوهُمَا"، بمعنى الزجر والردع وربما الشتم والتضييق عليهما حتى يتوبا.
والمفارقة الشاسعة المستجدة أن كمّاً هائلاً من الغناء العربي الحديث (والغناء هو التاريخ غير الرسمي للشعوب)، ما برح يتغزّل بالمذكر، ونحن في عصر لم يعد فيه تغزل الشعراء والمغنين بالنساء محرّماً.
عبد الحليم حافظ غنى:
"يا مالكاً قلبي يا آسراً حبي
النهر ظمآن لثغركَ العذب"
ومحمد قنديل غنى:
جميل و اسمر..جميل و اسمر
بيتمخطر .. بيتمخطر
شغل قلبى..شغل قلبى
بكام نظره.. بكام نظره"
سعدون جابر غنى:
"يا ريت بضلوعي اضمك وبوسط العيون
صغيرون يا بعد اهلنا وبفراقك شلون
نذرا لاخيط عيوني لمن يرجعون"
كاظم الساهر غنى:
"صغير وملعّب.. على كَلبي يلعب خلينه نروح يا بابا
أنه خايف منه.. أبعدني عنه.. نسلم عالروح يا بابا
ينزل دمعاته.. أبوس خديداته.. حلوة حركاته يا بابا
ولما أتقرب.. يغمزلي ويهرب.. أتجن واتعصب يا بابا"
وبوسعي ان أسطّر كتاباً كاملا عن قصائد التغزل بالمذكّر في عصرنا، ولا حرج على الشعراء ولا على المغنين ولا على الشعوب وهي تطرب لهم، لكنّ الصغار يقتلون ولا عزاء لهم في بلادنا، يا لها من قسمة ضيزى!
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك