لعنة حواء



بشرى الهلالي
2026 / 10 / 5

لا أحد يستطيع الجزم إن كانت حواء، أمّ البشرية، تعرف الماكياج، أو تلوّن خديها وشفتيها، أو تضع الكحل في عينيها. ولا نعرف إن كانت قد مارست الطبخ، أم اكتفت بما يصطاده آدم، ولا إن كانت قد انشغلت بالملابس والموضة، سوى ما تقوله الحكاية عن ورق التوت الذي أخفى عورتيهما. كل ما نعرفه أن الأسطورة لم تخبرنا شيئًا عن هذه التفاصيل، ومع ذلك يبدو أن بعض الإعلام قرر أن يجعلها جوهر حكاية المرأة منذ الأزل وحتى اليوم.
لقد تغيّرت الأزمنة، وخرجت المرأة من هامش الحكاية إلى متن التاريخ، كتبت وأبدعت وقادت وخاضت الحروب، وأسهمت في صناعة التحولات السياسية والعلمية والفكرية. ومع ذلك، ما يزال الإعلام العربي، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يتعامل معها أحيانًا كما لو أن كل هذه التحولات لم تحدث، وكأن مهمتها الأزلية أن تكون نسخة محسّنة من حواء: أجمل، وأكثر أناقة، وأمهر في إعداد الطعام.
يكفي أن نتأمل البرامج والصفحات التي تحمل لافتة "المرأة". كثير منها يبدو كأنه مساحة أُضيفت إلى محتوى ذكوري لرفع الحرج، لا اعترافًا بأن للمرأة قضايا تتجاوز المرآة والمطبخ وخزانة الملابس. وكأن وجودها الإعلامي يحتاج إلى رخصة، شرطها ألا تبتعد كثيرًا عن الصورة التي اعتاد المجتمع استهلاكها.
ليس الاعتراض على الموضة أو الطبخ أو الماكياج، فهذه اهتمامات مشروعة. الاعتراض هو أن تتحول التفاصيل إلى تعريف، والاختيارات إلى أدوار مفروضة، وأن يُختزل عالم المرأة في وصفات ونصائح حتى يبدو كأن لا شيء آخر يستحق أن يُقال عنها أو معها. المشكلة ليست في أن تتعلم المرأة كيف تضع أحمر الشفاه، بل في أن يظل الإعلام عاجزًا عن رؤية ما وراء شفتيها.
ثم إن هذه المعرفة لم تعد حكرًا على الإعلام أصلًا. فقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها يوتيوب، للنساء ما يكفي من مواد الجمال والطبخ والأزياء. وفي المقابل، كشفت هذه المنصات عن نساء لامعات في العلم والأدب والفن والفكر، وعن تجارب تستحق الإصغاء لا لأنها نسائية فحسب، بل لأنها تضيف شيئًا إلى المعرفة الإنسانية.
ومع ذلك، ما يزال بعض الإعلام يتصرف كما لو أن المرأة تحتاج إلى أن تتعلم كيف تبدو، لا كيف تفهم العالم الذي تعيش فيه، وتواجه تناقضاته، وتدافع عن حقوقها، وتفكك القيود التي تحاصر خياراتها. وكأن المعرفة التي تليق بها هي ما يحسّن صورتها في عيون الآخرين، لا ما يمنحها القدرة على مساءلة هذه العيون نفسها.
لقد تعقّدت حياة المرأة، ولم تعد قضاياها مجرد التوفيق بين العمل والأسرة، بل تشمل الاستقلال الاقتصادي، والتمييز، والعنف، والحقوق القانونية، والضغط الاجتماعي، وصراع الفرد مع الأدوار التي تُفرض عليه. وهذه مسائل تحتاج إلى نقاش جاد، لا إلى وصفات جاهزة، وإلى إعلام يتعامل مع المرأة بوصفها إنسانًا كامل الأهلية، لا جمهورًا مستهدفًا للبيع.
أما الجسد، فله حكاية أخرى. إنه السلعة التي لا تفقد صلاحيتها في سوق الإعلان، تُستدعى المرأة لتزيين الرسالة التسويقية، حتى حين لا تكون لها علاقة بالمنتج. من معجون الطماطم إلى مساحيق التجميل، يحضر جسدها أحيانًا بوصفه وسيلة لجذب الانتباه، وكأن قيمته تكمن في قدرته على الإغراء، لا في كونه جسد إنسان له حرمته وكرامته.
والأكثر مفارقة أن المرأة تُطالَب بأن تتحرر، وفي الوقت نفسه أن تبقى مطابقة لمعايير الجمال، أن تثبت كفاءتها في العمل، ثم تُختبر مجددًا أمام المرآة. مطالبة بأن تكون كل شيء، فيما لا يزال بعض الخطاب الإعلامي مصرًّا على تقديمها من زاوية واحدة.
فهل كانت تلك لعنة حواء فعلًا، أم لعنة التأويل الذي ورثناه عنها؟ هل المشكلة في المرأة التي تهتم بجمالها، أم في ثقافة لا تكاد ترى فيها شيئًا آخر؟
ربما لم تكن المشكلة في حواء، بل في أننا ما زلنا نبحث عن المرأة في المرآة، بدل أن نبحث عنها في عقلها، وتجربتها، وما تستطيع أن تضيفه إلى العالم.