دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك الموروث البشري



الناصر خشيني
2026 / 10 / 9

مقدمة: أزمة خلط المقدس بالبشري
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر هو التباس الفارق بين التشريع الإلهي المعصوم المتمثل في القرآن الكريم، وبين المنظومة الفقهية والتقاليد الاجتماعية التي هي نتاج بشري وتاريخي محكوم بسياقاته. لقد جاء القرآن برؤية عليا تعلي من شأن الإنسان كإنسان، وتؤسس لعلاقة قائمة على التساوي المطلق في الكرامة والمسؤولية بين الرجل والمرأة. ولكن بمرور الزمن، تحولت اجتهادات الفقهاء وأعراف القبائل إلى "قوانين موازية" صُبغت بصبغة الدين، مما أدى إلى تراجع مكانة المرأة وتحويل مؤسسة الزواج من "سكن ومودة" إلى "عقد تبعية وسيطرة".
أولاً: آية "المثليّة" كقانون للمساواة الربانية الكاملة
في قلب التشريع القرآني تبرز آية محورية تُعد القاعدة الذهبية والعمود الفقري للعدالة الإنسانية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
هذه الصياغة الربانية المعجزة وضعت حداً حاسماً لكل أشكال الهوى البشري والتسلط:
المثلية المطلقة: استخدام كلمة "مِثْلُ" ينسف أي ادعاء بالفوقية البيولوجية أو الروحية للرجل، ويجعل الحقوق والواجبات كفتي ميزان متعادلتين تماماً في شتى مجالات الحياة (السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية).
مرونة "المعروف": إحالة الحقوق والواجبات إلى "المعروف" تعني ربطها بالضمير الإنساني المستنير والعقل السليم الذي يتطور بتطور العصور، مما يجعل العدالة متجددة ولا تخضع لجمود تفسيرات العصور الوسطى.
التساوي في أصل الخلق: يرفض القرآن النظرة الدونية للمرأة ويؤكد وحدانية الأصل الإنساني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1].
ثانياً: الفلسفة القرآنية للزواج مقابل تسليع المنظومة الفقهية
عند مقارنة النص القرآني المحكم بالمنتج الفقهي والعادات البشرية، نجد انزياحاً خطيراً عن مقاصد الوحي:
في القرآن الكريم: الزواج آية كونية ورابطة روحية سامية محددة بأركان عاطفية: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. وهو شراكة تُدار بالتشاور والتراضي.
في الفقه الموروث والعادات: جرى "تسليع" عقد الزواج وتكييفه فقهياً كعقد معاوضة مالية (المهر مقابل الطاعة والتمكين)، وتحولت "القوامة" من وظيفة تكليفية ورعائية قائمة على الإنفاق والخدمة إلى سلطة مطلقة وحق في السيطرة، بينما تفرض العادات على المرأة تحمل الظلم باسم "الستر"، متناسين أمر القرآن الحاسم: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} و**{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}**.
ثالثاً: التطبيق الكامل للمساواة والخصوصية البيولوجية المكرمة
إن المنهج القرآني يقر بالمساواة التامة للمرأة مع الرجل في شتى الميادين؛ فلها أهليتها المالية المستقلة، وحريتها في الاختيار، وحقها في القيادة والعمل والتشريع. ومع ذلك، فإن هذا التشريع الإلهي يمتاز بالرحمة والواقعية، حيث يفرّق بين المساواة في القيمة الإنسانية والأهلية القانونية، وبين المراعاة التامة للخصوصية البيولوجية في أوقات وأعمال محددة:
مراعاة فترات الحمل، والحيض، والنفاس:
هذه الفترات الطبيعية التي تمر بها المرأة ليست نقصاً في إنسانيتها أو أهليتها كما صورتها بعض الثقافات الجاهلية والعادات القاصرة، بل هي حالات بيولوجية تستوجب تخفيف الأعباء وتوفير معاملة خاصة قائمة على الدعم والتكريم والرحمة. القرآن شرع لها إسقاط أو تأجيل بعض العبادات (كالصلاة والصيام) تقديراً لجهدها البدني والنفسي، وهو ما يجب أن ينعكس في القوانين البشرية كإجازات مدفوعة الأجر ورعاية صحية ونفسية شاملة.
قدسية الرضاعة والرعاية:
ينظر القرآن للرضاعة كعمل عظيم يُبنى على التراضي والتشاور بين الزوجين: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]. هنا تبرز المرأة كشريك كامل القرار، ويفرض التشريع مكافأة المرأة وتكريمها مادياً ومعنوياً لقاء هذا العطاء البشري.
التكامل لا التناحر:
هذه المعاملة الخاصة في الأوقات البيولوجية ليست تمييزاً ضد الرجل، ولا انتقاصاً من المرأة، بل هي تكريم رباني يضمن ألا تتحول المساواة إلى عبء إضافي يظلم طبيعتها الجسدية، بل تكون مساواة عادلة تحمي ضعفها المؤقت وتصون كرامتها الدائمة.
رابعاً: نحو صياغة "عقد الزواج القرآني" الجديد
لتطبيق هذه الرؤية القرآنية الصافية ونبضها التشريعي، يجب أن يُعاد بناء القوانين والمدونات المدنية للأحوال الشخصية، بحيث يستند البند الأول والأساسي في عقد الزواج إلى الآتي:
"تأسس هذا العقد بين الطرفين على مبدأ الشراكة الإنسانية الكاملة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات المادية والمعنوية، إعمالاً لقوله تعالى {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وتدار الحياة الأسرية بينهما على قيم السكن، والمودة، والتشاور والتراضي، مع الالتزام الكامل بالمعاشرة بالحسنى في جميع الأحوال."
خاتمة: انتصار الوحي على الهوى البشري
إن القوانين البشرية، سواء كانت أعرافاً ذكورية موروثة أو تفريعات فقهية متأثرة بزمنها، قد عجزت عن الارتقاء إلى سقف القرآن الكريم لأنها صدرت عن عقول محكومة بالصراع وموازين القوة البدنية والمادية. أما التشريع القرآني فهو عدل إلهي مطلق منزه عن الهوى.
إن العودة للمنبع القرآني وتفعيل آية "المثلية بالمعروف" هو السبيل الوحيد لتحرير مؤسسة الأسرة من قيود التاريخ، وبناء مجتمع إنساني سليم يتساوى فيه الرجل والمرأة كشريكين في استخلاف الأرض، مع كامل التكريم والرحمة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.