حق المرأة في الوقت: الوجه المنسي للمساواة في الأسرة و سوق العمل – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 10 / 9

عندما نتحدث عن حقوق المرأة، غالباً ما تتجه المناقشات إلى التعليم و العمل و الأجور و المشاركة السياسية، و هي قضايا أساسية في قياس مستوى المساواة داخل المجتمع. لكن هناك حقاً آخر لا يحظى بالاهتمام نفسه، رغم تأثيره المباشر في حياة المرأة و فرصها الاقتصادية و الاجتماعية، و هو حقها في الوقت. فالوقت ليس مجرد ساعات تمر خلال اليوم، بل مورد إنساني محدود تتحدد من خلاله فرص التعلم و العمل و الراحة و تطوير الذات. و من هنا، فإن المساواة لا يمكن اختزالها في منح المرأة الحقوق القانونية نفسها التي يتمتع بها الرجل، ما لم تتوافر لها أيضاً فرصة عادلة للاستفادة من وقتها.
في كثير من الأسر، و لا سيما في المجتمعات التي تحتفظ بتقسيم تقليدي للأدوار، تتحمل المرأة الجزء الأكبر من الأعمال المنزلية و رعاية الأطفال و كبار السن و متابعة الاحتياجات اليومية للأسرة. و هذه الأعمال، رغم ضرورتها لاستمرار الحياة الاجتماعية، لا تُحتسب عادة ضمن النشاط الاقتصادي المدفوع الأجر. فقد تقضي المرأة ساعات طويلة في إعداد الطعام و التنظيف و متابعة دراسة الأطفال، دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره عملاً يستنزف الوقت و الجهد. و المفارقة أنها قد تمضي يومها في أداء مسؤوليات متعددة، ثم تُوصف بأنها لا تعمل لمجرد أنها لا تتقاضى راتباً.
و تصبح المشكلة أكثر وضوحاً عندما تكون المرأة موظفة خارج المنزل. ففي حالات كثيرة، تنتهي ساعات العمل الرسمي للرجل بعودته إلى المنزل، بينما تبدأ للمرأة مرحلة أخرى من المسؤوليات الأسرية. و هكذا تجد نفسها أمام يوم عمل مزدوج، أحدهما مدفوع الأجر و الآخر غير مدفوع. و لا يعني ذلك أن الرجال لا يشاركون في الأعمال المنزلية، لكن توزيع المسؤوليات لا يزال متفاوتاً في كثير من البيئات الاجتماعية، و هو تفاوت لا يظهر دائماً في مؤشرات التوظيف أو مستويات الدخل.
و تكشف الإحصاءات الدولية حجم هذا التفاوت. فبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تقضي النساء و الفتيات بعمر عشر سنوات فأكثر في العراق نحو 24.1% من وقتهن في الأعمال المنزلية و الرعائية غير مدفوعة الأجر، مقابل 4.2% للذكور. و هذا يعادل نحو خمس ساعات و خمس و أربعين دقيقة يومياً للإناث، مقابل ساعة واحدة تقريباً للذكور. و هي فجوة كبيرة تعكس تفاوتاً في توزيع المسؤوليات الأسرية، و تحد من الوقت الذي تستطيع المرأة تخصيصه للتعليم أو العمل أو الاهتمامات الشخصية.
أما في مصر، فتشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2015 إلى أن الإناث يقضين نحو 22.4% من وقتهن في هذه الأعمال، مقابل 2.4% للذكور، أي أن نصيب المرأة يبلغ أكثر من تسعة أضعاف نصيب الرجل. كما أظهرت دراسة نشرها منتدى البحوث الاقتصادية عام 2025، اعتماداً على مسح سوق العمل المصري لعام 2023، أن النساء بعمر 15–64 عاماً يقضين بمتوسط 5.4 ساعات يومياً في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، أي أكثر من خمسة أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في الأعمال نفسها.
و تشير المقارنة بين العراق و مصر إلى أن المشكلة ليست مرتبطة بمستوى التنمية الاقتصادية وحده، بل تتداخل فيها التقاليد الاجتماعية و التصورات السائدة حول مسؤوليات الرجل و المرأة. فرغم تقارب النسب المسجلة للنساء في البلدين، تبدو الفجوة النسبية بين الجنسين أكبر في مصر نتيجة انخفاض مشاركة الرجال في الأعمال المنزلية. و ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مؤشرات تعكس فترات و مناهج قياس محددة، و ليست بالضرورة وصفاً آنياً لجميع الأسر في البلدين. و مع ذلك، فإنها تكشف عن مشكلة مشتركة تستحق اهتماماً أكبر في السياسات الاجتماعية و الاقتصادية.
و من هنا يبرز مفهوم «فقر الوقت»، الذي يصف الحالة التي لا يمتلك فيها الفرد وقتاً كافياً لتلبية احتياجاته الشخصية بعد أداء مسؤوليات العمل و الأسرة. فالمرأة التي لا تجد وقتاً لمواصلة تعليمها أو تطوير مهاراتها أو ممارسة نشاط اجتماعي قد لا تواجه منعاً قانونياً مباشراً، لكنها تواجه قيوداً عملية تحد من قدرتها على ممارسة حقوقها. و يمتد هذا التأثير إلى سوق العمل، حيث تعتمد فرص التطور المهني أيضاً على الوقت المتاح للتدريب و اكتساب الخبرة و تحمل مسؤوليات إضافية. و بذلك قد تتفاوت الفرص المهنية بين الرجل و المرأة حتى عندما يمتلكان مؤهلات علمية متقاربة.
و لا يمكن معالجة هذه المشكلة بمجرد مطالبة المرأة بتنظيم وقتها بصورة أفضل، لأن جانباً مهماً منها يتعلق بتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة. فالمطلوب هو تعزيز الشراكة بين الزوجين، و توفير خدمات حضانة مناسبة، و تطوير سياسات عمل تراعي مسؤوليات الوالدين معاً. كما ينبغي النظر إلى مشاركة الرجل في الأعمال المنزلية باعتبارها مسؤولية أسرية مشتركة، و ليست مساعدة اختيارية يقدمها لزوجته. و يمكن للمؤسسات أيضاً المساهمة في تخفيف هذه الأعباء من خلال تنظيم ساعات العمل بصورة أكثر مرونة دون الإضرار بالحقوق المهنية.
برأيي المتواضع فإن حق المرأة في الوقت يستحق موقعاً أكثر وضوحاً في النقاشات المتعلقة بالمساواة، لأنه يرتبط بحقوق أخرى يصعب ممارستها دون امتلاك الوقت الكافي. و لا أقصد بذلك فرض تقسيم حسابي متساوٍ لجميع المسؤوليات، فظروف الأسر تختلف، و إنما الوصول إلى توزيع عادل لا يجعل أحد الطرفين يتحمل بصورة دائمة أعباءً تحد من فرصه و استقلاله. فالمساواة الحقيقية لا تتحقق بمجرد السماح للمرأة بالعمل و التعليم، بل عندما تمتلك القدرة الفعلية على ممارسة هذه الحقوق. و ربما ينبغي أن نسأل ليس فقط عن الحقوق التي حصلت عليها المرأة، بل أيضاً عن الوقت الذي بقي لها للاستفادة منها.