|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

امال قرامي
!--a>
2026 / 10 / 10
يُعدّ "التلصّص/البصبصة "على الفتيات في مراحيض المدارس والمعاهد من المُمارسات "المقبولة" عند أغلب الفتيان، ويصنّفها أغلبهم ضمن المغامرات والمُعاكسات "العادية"، وأشكال الترفيه و"التسلية" السائدة داخل المؤسّسات التعليمية وخارجها. وعندما نتأمّل في سلوك هذه الفئة من المُنحرفين نتبيّن أنّهم لا يفسّرون ما يُقدمون على فعله في إطار جرائم التجسّس على الآخرين واختلاس النظر إلى أجسادهم من دون رضاهم، ولا يعقدون صلة بين هذه التصرّفات وما ترسّخ في المخيال الاجتماعي من تمثّلات تختزل الفتيات والنساء في "أجساد للاستمتاع" و"لُعب" يلهو بها الفتيان والرجال.
لا يكترث الباحثون عن الترويح عن النفس بما يترتّب عن هذه التصرّفات من نتائج سلبية. فبعض الفتيات يمتنعن عن دخول المراحيض تجنّبًا لتشويه "سمعتهن" رغم وعيهنّ بالأضرار الصحية الناجمة عن تلك القرارات بينما تحتمي أخريات بالصديقات حتى لا يتعرّضن لهذا العنف الذي يخدش كرامتهن. ولا يمكن التغافل عن شعور أغلبهنّ بالخوف من دخول "بيوت الراحة" لأنّها أضحت فضاءات غير آمنة. وتلك مفارقة.
وبالرغم من "إصلاح" المناهج التربوية وحرص الجمعيات والمُنظّمات المدنية على توعية اليافعين/ات والشبّان/ات بأشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتخصيص ورشات تدريبية داخل المؤسسات التربوية والتعليمية للوقاية منه، فإنّ نسب العنف الجنسي في ارتفاع ملحوظ، بل إنّها أضحت مدعومة بالتكنولوجيا والابتكارات الرقمية.
لا يُجادل أحد في أنّ التطوّر التكنولوجي والتحوّل الرقمي وانتشار وسائل التواصل الحديثة ساعد على كشف العديد من المُمارسات التي كانت تجري في الخفاء ومُساءلة أصحابها، ولكنّ للتكنولوجيا وجهًا آخر قلّما تهتمّ به وسائل الإعلام . يكفي أن نتابع التغطية الإعلامية العربية للنظارات الجديدة المدعومة بكاميرا حتى ندرك أنّ أشكال العنف الجندري تخضع لتراتبية هرمية تحول دون التعامل مع بعض أنواع العنف لأنّها تبدو في نظر بعضهم/نّ، أقلّ خطورة من غيرها.
ولكنّ التسويق للنظارات التي تنتهك خصوصية الأفراد، وخاصّة الفتيات والنساء، بات يمثّل شكلًا من أشكال مأسسة التطبيع مع العنف، وممارسة تستهدف حرية النساء في الحركة والتنقّل والعمل... وحقوقهن في الحضور في الفضاء العامّ.
لقد صار "التلصّص" على النساء رقميًا، من خلال نظارات "ميتا" في عرف بعضهم، مشروعًا ومُمتعًا إذ بإمكان أحدهم أن يوثّق حركات النساء حين يجلسن بكلّ تلقائية ويضعن "الساق على الساق" أو يصوّر "مؤخراتهن" وهنّ يصعدن السلالم، أو يستخدم هذه النظارات في تصوير علاقات جنسية مع الطرف الآخر من دون رضاه.
وهكذا صارت النظارات المُزوّدة بكاميرا صغيرة توفّر لأصحابها فرصة لابتزاز النساء وتشويه سمعتهنّ وتهديدهنّ والتحرّش بهنّ، أو التنمّر عليهنّ إلى غير ذلك من التصرّفات التي توضّح مدى انتشار علاقات القوّة والهيمنة وثقافة الإذلال والإساءة.
تتحرّك الاختراعات التكنولوجية بنسق سريع يتجاوز نسق الأطر القانونية ومؤسساتنا واستعدادنا للفهم فتؤدي إلى اتساع دائرة الخوف من المخاطر. وعلى هذا الأساس يطرح التقدّم التكنولوجي أسئلة عديدة منها: كيف يمكن المحافظة على الحريات الفردية وحماية خصوصياتنا وحدودنا في ظلّ هذا الاختراق المُرعب؟ كيف يتسنّى لنا الحفاظ على إيطيقا التعامل وحسن استخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومراعاة قيم العيش معًا إن كان الشكّ في نيات من يضع نظارة "ميتا" سيتحوّل إلى قاعدة؟ كيف يمكن مواجهة هذا التقدّم التكنولوجي الرقمي "المنفلت"؟ وكيف يتسنّى للنساء تحويل وعيهنّ بحقوقهنّ إلى فعل، أي ابتكار حلول لمواجهة هذه التحديات الجديدة التي تستبيح خصوصيتهن وتنتهك حيواتهنّ وتهدّد صحتهنّ النفسية؟
ليس ضبط حدود النظر أو غضّ البصر أو ترويض الحواس حرمانًا لها من متعة المشاهدة والفرجة والاكتشاف...، بل هو فعل تحرّري يؤنسن الفرد حتى لا يحوّل الآخر إلى شيء أو موضوع لإشباع الهوامات.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|