|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

رندا قسيس
!--a>
2026 / 10 / 10
اعتدنا أن نرى في مرور الزمن حليفاً للإنسان، كحركة تتّسع فيها دائرة حقوق الأفراد جيلاً بعد جيل، فالتاريخ، كما تعلمناه، يسير إلى الأمام، لتتراكم القوانين التي تحمي الفرد من تعسف الجماعة، ومن سطوة الأعراف، ومن استبداد من يملك القوة. وعلى هذا المسار استطاعت المرأة انتزاع حقها في التعليم ثم في العمل ثم في الاقتراع...الخ في مجتمعات كثيرة، وهكذا صار ما كان يُعد بالأمس تمرداً حقاً بديهياً اليوم.
غير أن هذا الاعتقاد، على ما فيه من طمأنينة، يخفي وهماً خطيراً، فالتقدم ليس قانوناً من قوانين الطبيعة يتحقق من تلقاء نفسه بمجرد تعاقب السنين، والحقوق لا تنضج كالثمار، بل تُنتزع انتزاعاً، ثم تقوم القوانين بحمايتها، مع حضور قوي لمجتمع مدني يبقى يقظاً وقادراً على أن يقف في وجه كل من تسول له نفسه المساس بها. وهذا ما يغيب عن سوريا اليوم، التي تثبت أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، بل يعرف الانتكاس كما يعرف النهوض، وقد يعود بمجتمع كامل عقوداً إلى الوراء في بضعة أشهر.
لم تكن سوريا يوماً ذلك البلد الحامي لحقوق المرأة ولا لحقوق أيٍ كان، حتى في نسختها القديمة. لكن ثمة فارقاً بين دولة لا تحمي المرأة بما يكفي من وصاية مجتمعها، ودولة تتبنى تلك الوصاية وتحولها إلى سياسة عامة. ومن المؤكد أن النسخة الحاكمة اليوم، والسلفية في اعتقاداتها، لن تمكن المرأة، بل على العكس تماماً، فهي تثبت يوماً بعد يوم أنها ليست ذكورية فقط، بل كارهة للنساء. فالسلطة الذكورية تريد إخضاع المرأة للرجل، أما السلطة الكارهة للنساء فتريد إقصاءها من المجال العام، وحصر وجودها في الوظائف التي تحددها لها العقيدة السائدة.
ففي السابق كانت المرأة ملكية عائلية ومجتمعية، حيث إن «الشرف»، كعُرف اجتماعي، هو ذلك الغشاء الذي يملكه الآخرون عداها، وكانت تُعاقَب بالقتل أو الازدراء في بعض المناطق إن اعتقدت أن هذا الغشاء ملك لها. وحتى لو كانت هناك نساء أو عائلات في مناطق معينة من سوريا لا تتعامل مع المرأة من هذا المنطلق، فإن المشكلة تكمن في القوانين التي لم تُعدل إلا جزئياً، فبقيت المرأة رهينة مكونها ومجتمعها وأسرتها، الذين يعطونها الحق بممارسة حقوقها كاملة أو جزئياً، أو رهينة آخرين يرونها سلعة بين أيديهم، فهي عندهم ليست سوى "شيء" له مهماته في هذه الحياة، كآلة لها كتيّب استخدام وتحذيرات ممّا يمكن أن يقصّر عمرها.
أما اليوم، فنحن في سوريا قد تجاوزنا هذه المرحلة نحو ما هو أسوأ، فسلطة الجولاني لا تكتفي بهذه النظرة إلى المرأة، بل تتعامل معها بعدائية وكره، على طريقة طالبان في بداياتها.
سيجد البعض مبالغة في تشبيه الموجودين في سلطة الحكم في سوريا بطالبان وميسوجينيتها الهستيرية. لهذا دعونا نرَ ماذا جرى في أفغانستان بعدما قرر ترامب توقيع اتفاق الدوحة مع طالبان في 2020، من دون ضمانات واضحة لحماية حقوق الأفراد، رجالاً كانوا أو نساءً، ثم أكمل بايدن الطريق بالانسحاب في 2021. وكانت النساء هن الأكثر تضرراً، وذلك لعداء الثقافة الاجتماعية لهن.
لم تقم طالبان بإلغاء المرأة بمرسوم واحد، بل فعلت ذلك على مراحل. فقد طمأنت الجميع أولاً إلى أنها تغيرت، وفي أول مؤتمر صحفي لها في آب 2021 وعد المتحدث باسم الحركة بحقوق المرأة، لكن ضمن الشريعة الإسلامية. وهنا الفخ: فعندما تصبح حقوق الفرد مشروطة بما تسمح به شريعة دينية، فإنها تفقد صفتها كحقوق أصيلة، وتتحول إلى امتيازات تمنحها السلطة وفق تفسيرها للنصوص، وتسحبها متى شاءت. إذ كيف يمكن ضمان حقوق الأفراد بالاستناد إلى أعراف وقوانين عمرها أكثر من 1400 عام، لا يملك الفرد حق تعديلها أو رفضها؟
وفي العام ذاته قامت طالبان بفتح المدارس الثانوية للصبيان وحدهم، وطلبت من الموظفات البقاء في بيوتهن. وبعدها بدأ العد التنازلي، وتوالى إصدار المراسيم واحداً تلو الآخر: تقييد حركة المرأة ومنعها من السفر من دون محرم، ثم إخفاء وجهها، حتى وجوه مذيعات التلفزيون، ثم طردها من الفضاء العام بإغلاق الحدائق والنوادي الرياضية في وجهها. ثم جاء دور الجامعة: اختصاصات «للذكور فقط» أولاً، ثم إغلاق الجامعات كلها أمامها في نهاية 2022، وصولاً إلى إغلاق معاهد التمريض في 2024. ليتمّ بذلك إغلاق عقلها بمفتاح، ثم وضع قفل لا يملكه إلا ذلك الذكر المصاب بميسوجينيا هستيرية تجاه المرأة.
لننتقل الآن إلى سوريا تحت الحكم السلفي الإرهابي، وعلى رأسه أبو محمد الجولاني، فالمسألة ليست في تطابق القرارات بين السلطتين، بل في المنهج الذي يحكمها، حيث تبدأ الوصاية بتنظيم المظهر والسلوك، ثم تمتد إلى التعليم والعمل، وصولاً إلى تحديد المساحة التي يُسمح للمرأة بأن توجد فيها.
ولا شك أننا ما زلنا في بداية الطريق نحو هذه الميسوجينيا الهستيرية، لكن تلاميذ طالبان سائرون على المسار نفسه، ويتخذون طالبان معلمين لهم. فها هم قد افتتحوا هذه المسيرة بفرضهم البوركيني على الشواطئ العامة، باستثناء أجزاء منها، وسط ارتفاع الأصوات ضدهم آنذاك. ثم قرروا في بعض المؤسسات منع المرأة من وضع الماكياج، وحاولت مؤسسات أخرى، كالهيئة العامة للثروة السمكية، أن تفرض لباساً محتشماً على موظفاتها، وإن أُحيل تعميم الهيئة لاحقاً إلى المراجعة. وشككوا علناً في أهلية المرأة للقضاء. وفصلوا النساء عن الرجال في بعض المنابر العامة، حتى وصل الفصل إلى «اللاييك» في دمشق، وهي مدرسة مختلطة منذ تأسيسها، ففُصل فيها الطلاب عن الطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في قرار قالت إدارة المدرسة إنه إداري وتربوي.
وفي قرار أخير، وليس الآخِر، مُنعت الطالبات من التقدم إلى بعض التخصصات في الجامعات، وإذا كانت بعض هذه القيود موجودة قبل وصول السلطة الحالية، فإن المطلوب كان إلغاءها لا توسيعها، وها هي اليوم تمتد حتى إلى بعض البرامج المرتبطة بالقانون والإعلام. فلا يوجد اختصاص، فكرياً كان أم بدنياً أم عسكرياً، يحق لسلطة أن تغلقه في وجه امرأة لأنها امرأة، فالمعيار الوحيد هو الكفاءة.
وليس ضرورياً أن تصدر السلطة أمراً مباشراً بكل إجراء كي نرى المنهج الذي يتشكل أمام أعيننا، فعندما تتكرر القرارات التي تقيد وجود المرأة وحريتها، وتنسجم مع العقيدة التي تتبناها السلطة، لا يعود ممكناً التعامل معها كحوادث إدارية معزولة. فالسلطة لا تفرض أيديولوجيتها بالمراسيم وحدها، بل أيضاً بالمناخ الذي تخلقه، وبما تسمح للمؤسسات أن تفرضه باسم الأعراف والتربية والأخلاق.
وهذه الحالة التي يريدون تعميمها على الأراضي السورية كافة شيئاً فشيئاً ما هي إلا امتداد لسلسلة من الممارسات عرفها أهل إدلب ونساؤها قبل غيرهم، عندما فُرض الفصل التام بين الجنسين في المدارس والجامعات، وفُرض لباس محدد على الطالبات والمدرسات، وأُبعدت المرأة عن القضاء، وضُيق على المحاميات والصحفيات والناشطات.
ولا تستطيع أي سلطة أن تمضي بعيداً في انتزاع حقوق الأفراد من دون مجتمع يتواطأ معها، إما اقتناعاً بما تفعله، وإما حفاظاً على مصالحه، وإما لاعتقاده أن القمع سيبقى محصوراً في الآخرين. وهذا ما نراه اليوم، حيث يتم كل ذلك تحت أعين المنافقين أو السذج أو المنتفعين، القابعين في بيئاتهم المحدودة التي لم تتأذ مصالحهم فيها، من دون أن يعترضوا أو يتذمروا. لا، بل على العكس، نراهم أوفياء لمصالحهم المحدودة ولمعلميهم الجهاديين.
كتبتُ منذ عقدين عن الحريات وحقوق الفرد، وها أنا اليوم أجد نفسي أتكلم عن أمور أساسية كان يُفترض أن تكون مجتمعاتنا قد تجاوزتها بفعل مرور الزمن وتراكم الوعي بهذه المسألة.
وعندما كتبتُ في 2010 مقالي «نحو يوم وطني لفض غشاء البكارة»، الذي كان معناه تحرير جسد المرأة من وصاية المجتمع، والذي سبب موجة غضب عارمة لسنوات عديدة، لم تكن حقوق المرأة آنذاك بمنأى عن الانتهاك. أما اليوم، فقد اتخذت معاناتها منحى أخطر مع ما أسميه "متلازمة طالبان". لكنني في الوقت ذاته أتساءل: لو كتبتُ ذلك المقال اليوم، هل كنتُ سأواجه في سوريا حكماً بالرجم؟
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|