|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

روان ليلى
!--a>
2026 / 10 / 14
باربي التي لم يسألها احد
كنت في التاسعة من عمري, حين اشترى لي والدي دمية باربي جميلة, ذات شعر اصفر براق وطويل, وملابس لامعة وجذابة وابتسامة ساحرة.. كنت ابتسم كلما وقعت عيناي على ابتسامتها وعيناها المليئه بالحياة؛ لعبت معها ونسجت حولها خيالات واسعة وبينما كنت العب مع الدمية..
رحت اقصر شعرها لانني فكرت انها ستكون اجمل لم اسألها عن رأيها.. كيف اسألها وهي جماد هذه سخافة, فهي لا تتحرك الا من خلالي ولا تتكلم الا بالعبارات التي انا اشاء ان تتلفظها.. فتقول باربي ما انا اقوله.
بعد فترة, قررت ان اضع لها المكياج, وبدلا من ان اجمّلها, شوّهت وجهها. لكنها مجرد لعبة لِمَ اهتم!
قصصت شعرها اكثر, ولو رغبت في إرفاق صورة, لأريتكم شكلها قبل ان تقع بين اصابعي الماكرة وبعد.. لرأيتم جذور شعرها بارزة ووجهها ملطخاً وابتسامتها التي بدت كأنها تصرخ من وراء ملامحها المتعذبة. لم تعد عيناها ساحرتين كما كانتا بل اصبحت ساحرة بالمعنى المشعوذ للكلمة.
خلعت عنها ملابسها والبستها بقايا قطع قماش مرمية في القمامة. و بعد اسبوعين فقط, لم اعد العب بها. تُركت باربي في مكان بارد, مظلم خالية من اي جمال تمتعت فيه يوما قبل ان تصل إلى يديّ..
فهل المشكلة كانت في شرائي لباربي ام بالطريقة التي عاملتها بها؟
لان صديقتي ايضا اشترى لها ابواها دمية باربي, لكنها بقيت جميلة, مرتبة وانيقة, بل ازداد شعرها لمعانا, كانت تمشط لها شعرها وتضع عليه الملمع, وتطلب من امها ان تخيط لها فساتين جميلة مطرزة, وقبعات واحذية, تحتفظ بها في علبة كرتونية تقول انها خزانة باربي,
ومرة كنت في منزل صديقتي, فلفتت نظري باربي جالسة بابتسامتها المرحة ووجهها النظيف فوق رف السرير, تسائلت في داخلي: ترى لماذا مازالت صديقتي تعتني بباربي, رغم انها لم تعد تلعب معها؟ حتى اطرافها بقيت سليمة, بينما اصبحت باربي التي عندي معوقة!
في طفولتي, كنت شاهدة على معاناة النساء من عائلتي, داخل اطار الزوجية, وبين جدان منازلهن الابوية.. كنت انظر إليهن بعيون فارغة لا تعرف عن اي الم يتحدثن و لا معنى لشكواهن, لانني لم أكن اعرف بعد ما معنى ان اشتكي.
كبرت, وظللت اسمع في مجالس النساء, او عبر الهاتف,اصواتا مبحوحة من البكاء وطلب الاغاثه.. فهذه تطبطب على تلك وتستعرض مقدار ما تتحمله هي الاخرى من أذى, ثم تطلب منها ان تصبر لان هذا ما كتب علينا نحن النساء.
اما الثانية, فتعلمها فنون الرد بغنج او دهاء ( اخذي على كد عقله). والثالثه تنصحها بالحمل للمرة الرابعه او السابعة, لينشغل باطعامهم بدل انشغاله بخياناته ومطاردة النساء. أما الرابعه, فتواسي الثالثه, ناصحه اياها بضرورة تلبية كل ما يطلبه الزوج, والاعتناء بنفسها, من المساحيق الى الملابس و الدلال, وتعلمها حركات تستميل بها زوجها وترغبه في قضاء بعض الوقت معها, كي لا يهرب طوال النهار ثم يعود ليلا لينام.
مازلت حتى اليوم لا افهم لماذا تبدو هذه المنظومة الزوجية منهارة الى هذا الحد. لماذا لا يبذل الرجال جهدا ووقتا من اجل عائلاتهم والمقربين منهم؟ لماذا يتزوجون, ثم يركنون النساء في خانة خارج حساباتهم, لا يعودون اليها إلا متى شاؤوا!
والاحرى انني افهم تماما السبب, وفضل المجتمع والخطاب الديني بتعميق هذه الفجوة تحت ذريعة العوائل المحافظة و المتآصرة.. يشحون انظارهم عن التفكك الذي ينخر الاسر ويعدم كرامة افرادها.
اسراء.. خمسة وخمسون عاماً لاستعادة نفسها
اسراء إحدى نساء عائلتي المكافحات, تزوجت اسراء وهي في عمر الرابعة عشرة. اخذوها من بين العابها وهي حكاية حقيقية تماما, فهذه الفتاة كانت تحمل دميتها, ثم اصطحبتها النساء ووضعوا على وجهها المساحيق والبسوها بدلة(فستان).. كانت اسراء تظن نفسها باربي, تشبه دميتها, وان ما يحدث ليس سوى لعبة مكياج تشترك فيها نساء اكبر منها, يضهر عليهن ملامح الفرح فتبتسم اسراء, تفكر بعد ساعات ستغسل وجهها البريء وتخلد إلى النوم, حالمة بمعاملة الاميرات..
ومع بداية ( بنت العم لابن العم), زوجتها امها التي كانت ربة منزل, إمرأه مبرمجه الفكر بسيطة ترك لها زوجها الذي اكلته الحرب العراقية_ الايرانية.. اربع اطفال لاعالتهم, فوجدت اسراء نفسها وسط هتافات واحتفالية, ثم دخلت غرفة اغلقت بابها خلفها مع ابن عمها. وهناك, انتهت احلام الاميرة الصغيرة.
عاشت اسراء مع ابن العم الذي يكبرها ب12 عاما, من دون ان يرحم صغر سنها, بين فراش الزوجية والواجبات المنزلية والانجاب..
عاملها كأنها خادمة, ضربها لسبب وبلا سبب, ويواجه أقل فعل او كلمة بقبضة حاسمة, تتبعها الاهانات, الشتائم و الشك المرضي,
ذات مرة, خرجت اسراء من المنزل معترضة على اثر مشاجرة صاخبة بينهما, لكنها, سمعت الخبر وهي في منزل اخيها, انه قد تزوج باخرى ولم تقعد حتى طلق الثانية وعادت اسراء الى منزلها!!
ولم يتوقف الاذى عند اسراء فقط بل امتد الى ابنتيها ايضا,
تزوجت غدير في السابعة عشر, وذهبت مع اول من طرق بابها, هربا من اب مهووس بالشتم والضرب, يتلذذ باهانة بناته امام الضيوف, اما ضحى, ف زوجها ابوها حين بلغت الثامن عشر, ونبذها بعيدا حيث لم يسمع لها خبر ولا وارد.
حاولت اسراء انقاذ ابنتها من الزواج, واستطاعت نسبيا ان تؤجل حبل المشنقة, لم تكن تريد لها ان تعيش ما عاشته هي, لكن سطوة الاب كانت اكبر من قدرتها على الاعتراض, لذا زوجها بالثامنة عشرة ومع ذلك, اشترطت اسراء ان تكمل ضحى دراستها,
و بعد شهرين اتصلت ضحى بوالدتها وهي ترتجف تطلب النجدة, تبينت الام من اثار التعنيف على ابنتها, كانت ضحى تعمل ليل ونهار بالمنزل.. كما حرمت من اكمال الدراسة ونقض الشرط.
خرجت اسراء حافية القدمين تركض تستنجد بحماها, تصرخ في الشارع كالمجنونة, شاحبة اللون.. لا تفكر الا في انقاذ ابنتها. وصلت مع عم ضحى قبل ان يصل الزوج بدقائق, وكان يحمل جلكان بنزين, يريد احراق ضحى وهي على قيد الحياة بعد ان حبسها بغرفه وضربها حتى ازرق جسدها وتمزقت ثيابها..
اخذت اسراء ابنتها ورفضت اعادتها للزوج, وطلبت الطلاق , الذي استغل فترة انشغال اسراء بصحة ابنتها فباع ذهبها واشترى فيه" تكتك" ولولا عمها لما اخذت حق مهرها مالا بدل الذهب..
هذا وقد حرص القانون على اعطاء المهر ذهبا للمرأة عند الطلاق فما بالك بالمدونة التي تريد الغاء هذه المادة!
اعادة اسراء ابنتها الى مقاعد الدراسة.
حين تصبح النجاة إنجازا
وبعد مرور سنه على تلك الحادثة, بدأت اسراء مشروعها الخاص, في طباعة الصور والتطريز. كما ورثت عن امها العمل بوصفها "ملاية" تحيي المجالس الحسينية.
ومن هذا وذاك تعيل نفسها وابنتها, بينما لا يضع زوجها فلسا واحدا في المنزل, ولا تعرف اين ينفق امواله.
اسراء اليوم بعد ان حرمت من اكمال تعليمها, تحاول ان تعوض ما فاتها, فتركز على قدراتها وتنميها.. وفي كل مرة نلتقي فيها, تخبرني باخر المستجدات وبفخر عن مدى سعادتها بانجازاتها البسيطة حتى حين يحاول زوجها تدميرها وتخريب مشروعها او تشويه صورتها امام الناس لقطع رزقها, تتمسك اسراء بارادتها و تقول ان ارادتي قوية وانا الان اعمل وادرس,
نعم, اسراء التي تبلغ من العمر اليوم 55 عاما, تستعد لاداء الامتحان الخارجي للصف السادس العلمي بعدما حققت المرتبة الاولى على دفعتها في الامتحانات الخارجية للصف الثالث المتوسط.
تعمل اسراء بكل ما تملك من قوة, لتستقل وتثبت مكانها, تحارب الحياة بارادتها, وابتسامة لا تفارق وجهها المتعب وقلبها الصافي ثم تخبرني:
"حتى لو بقيت ساعة واحدة في حياتي, سوف اتطلق"..
وتضيف:
ان لم استطع الوقوف على قدمي لاطلق هذا الظالم, سوف اتطلق وانا على فراش الموت, سوف اطلقه والفظ الشهادة, عندها ساموت بسلام واشعر انني حرة, فككت عنقي من اغلاله.
اسراء لم تختر أن تُحرم من طفولتها، ولا أن تتوقف عن الدراسة، ولا أن تخوض كل تلك المعارك. لكنها اختارت، بعدما سُلبت منها اختيارات كثيرة، أن تستعيد ما تستطيع استعادته من حياتها.
واليوم، وهي في الخامسة والخمسين، تجلس امام كتبها، تستعد لامتحانها، وتعمل من أجل استقلالها، وتتمسك بحقها في حياة لا يحكمها الخوف.
أيّ إنجاز أعظم من هذا؟
لكنني أتساءل ايضا: لماذا يُطلب من النساء أن يصنعن كل هذه المعجزات كي يحصلن على أبسط حقوقهن؟ لماذا عليهن أن يخضن مضمار الألم، ويقطعن كل هذه المسافات من المعاناة، حتى يستحققن حياة آمنة، وتعليماً، وعملا، وقراراً يخصهن؟
في الاحتفاء بإنجازات النساء، لا أريد أن أحتفي بقدرتهن على تحمّل الألم، وكأن الألم شرط من شروط استحقاقهن للحياة. أريد أن أحتفي معكم باسراء لأنها عادت إلى مقاعد الدراسة، ولأنها بنت مشروعها، ولأنها ما زالت تحلم، ولأنها لم تتخلَّ عن حقها في أن تكون صاحبة قرارها, ولانها حاولت ان تحمي ابنتيها وتشحذ همتهن لأكمال التعليم والعمل,
اسراء لا ترغب ان تستجدي بناتها لقمة العيش من ازواجهن فهي تريد لهن الاحترام والعيش الكريم.
لكن لا أريد أن أنسى الطفلة التي كانتها، ولا السنوات التي سُرقت منها، ولا المرأة التي اضطرت إلى أن تقضي عمراً كاملا وهي تحاول استعادة نفسها.
أريد أن أحتفي بها، من دون أن أجعل من معاناتها بطولة تبرر استمرار معاناة غيرها.
وأتمنى لو أن باربي بقيت جميلة، لا لأن جمالها هو ما يمنحها قيمتها، بل لأنها تستحق أن تبقى كما هي، من دون أن يعبث أحد بملامحها لمجرد أنه يستطيع.
وأتمنى لو أن اسراء عاشت طفولتها، وأكملت تعليمها، واختارت حياتها، من دون أن تضطر إلى خوض كل هذه الحروب كي تصل إلى ما وصلت إليه.
اقول قولي هذا, وانا اتسائل من ظنّ أن امتلاك باربي يمنحه الحق في تشكيلها كما يشاء؟
وفي اي وجه تعامل النساء كدمية؟!
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|