العنف الجنسي في العراق ومعركة النساء من أجل العدالة



جورج منصور
2026 / 10 / 15

يكشف التقرير الخاص الذي أعدّته سارة نبيل، مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في العراق، بعنوان "تهديدات بالقتل تلاحق ناشطات عراقيات يتحدثن عن العنف الجنسي"، والمنشور في 13 أكتوبر، عن واقع مؤلم تعيشه نساء عراقيات يجدن أنفسهن في مواجهة مزدوجة: عنف ينتهك أجسادهن وكرامتهن، ومنظومة اجتماعية ومؤسسية لا توفر لهن دائماً الحماية والعدالة التي يحتجن إليها.
لا تكمن خطورة هذا الواقع في حوادث التحرش والاعتداء الجنسي وحدها، بل في الظروف التي تسمح بتكرارها، وفي الخوف الذي يدفع الضحايا إلى الصمت، وفي التهديدات التي تلاحق كل من تحاول كسر هذه الحلقة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للمرأة أن تطالب بحقها في الأمان، إذا كان الحديث عما تعرضت له قد يجعلها هدفاً للتهديد والتشهير، وربما للعنف المميت؟
تقدم تجربة الناشطة النسوية العراقية سارة جاسم مثالاً واضحاً على التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في طريقة تعامل النساء مع العنف والتحرش. فقد أتاحت صفحتها على إنستغرام مساحة تنشر فيها النساء مقاطع مصورة توثق ما يتعرضن له من اعتداءات ومضايقات، في محاولة لكشف الانتهاكات وإيصال أصواتهن إلى الرأي العام.
وعندما تقول سارة إن "الكاميرا هي السلاح"، فإنها تختصر أهمية التوثيق في مجتمع قد تواجه فيه الضحية صعوبة في إثبات ما تعرضت له. فالصورة أو الفيديو يمكن أن يلفتا الانتباه إلى حادثة كان من الممكن أن تمر من دون مساءلة، وأن يسهما في حفظ الأدلة إذا تقررت ملاحقة المعتدي قانونياً.
لكن المفارقة المؤلمة أن الأداة التي تمنح النساء وسيلة للدفاع عن أنفسهن قد تتحول إلى سبب لاستهدافهن. فالتهديد بالقتل، والتهديد باستخدام مواد حارقة لتشويه الوجه، وحملات التشهير الإلكتروني التي تحدثت عنها سارة، ليست مجرد محاولات لإسكات ناشطة بعينها؛ بل إنها تثير مخاوف أوسع بشأن حرية النساء في التعبير عن تجاربهن والمطالبة بحقوقهن.
إن استهداف من يوثق الانتهاكات يبعث برسالة تخويف إلى أخريات مفادها أن الكلام قد يكون مكلفاً، وأن الصمت ربما يبدو الخيار الأكثر أماناً. ومن هنا، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة على إدانة التهديدات، بل يجب أن تشمل توفير حماية فعلية للناشطات والضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الترهيب والتشهير.
كما تكشف قصة أمل، التي اتهمت زوجها السابق بالاعتداء الجنسي على ابنتهما القاصر، عن جانب بالغ القسوة من معاناة الضحايا وأسرهن. فبحسب روايتها الواردة في التقرير، لا تزال القضية مفتوحة بعد سنوات من بدء الإجراءات، بينما تعيش الأم وابنتها في ظل الخوف والقلق وعدم اليقين.
ولا تقتصر معاناة أمل على ما تقول إن ابنتها تعرضت له، بل تمتد إلى الصعوبات المادية وغياب الدعم الأسري، في وقت استعان فيه الطرف الآخر بفريق قانوني. وتلخص عبارتها "لقد حاربت وحدي. لقد تخلت الدنيا كلها عني" شعوراً بالعزلة قد يرافق من يخوض معركة قانونية طويلة في ظل موارد محدودة.

إن اللجوء إلى القضاء يفترض أن يكون خطوة نحو الحماية واستعادة الحقوق، لا بداية لمعاناة إضافية تستنزف الضحية نفسياً ومادياً. ولذلك، فإن ضمان العدالة لا يتحقق بمجرد السماح بتقديم الشكاوى، بل يتطلب إجراءات واضحة وفعالة، وتحقيقات مهنية، ودعماً قانونياً ونفسياً واجتماعياً، وحماية من التهديد والانتقام.
وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالأطفال. فالأطفال الذين يتعرضون للعنف الجنسي يحتاجون إلى منظومة حماية تراعي سلامتهم وخصوصيتهم، وتمنع تعريضهم للضغط أو التخويف، وتضمن التعامل مع ادعاءاتهم بجدية ومهنية. كما ينبغي ألا تتحول الظروف المادية للأسرة إلى عائق أمام الوصول إلى العدالة.
يشير التقرير إلى أن قانون العقوبات العراقي لا يستخدم مصطلح التحرش الجنسي بصورة صريحة، بل يتضمن تعبيرات قانونية أخرى، مثل "التعرض لأنثى" و"ارتكاب فعل فاضح أو مخل بالحياء". وتثير هذه المسألة تساؤلات مهمة بشأن مدى وضوح النصوص القانونية وقدرتها على التعامل مع صور التحرش المختلفة، وحاجة الضحايا إلى معرفة حقوقهن والإجراءات المتاحة لحمايتهن.
إن وجود نص قانوني لا يعني بالضرورة أن الضحية ستشعر بالأمان عند الإبلاغ، أو أن شكواها ستُعامل بالجدية المطلوبة. ففاعلية القانون ترتبط أيضاً بطريقة تطبيقه، وكفاءة الجهات المسؤولة عن إنفاذه، ومدى توافر آليات مستقلة وموثوقة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.
ويبرز التقرير، في هذا السياق، ما نقلته نساء عن شعورهن بخيبة الأمل من بعض المؤسسات الأمنية، بما في ذلك رواية سميرة عن رفض أحد أفراد الأمن التعامل مع واقعة ملاحقة تعرضت لها في الشارع. وفي المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية إن حالات تورط رجال الأمن في مثل هذه الوقائع محدودة، وإن الوزارة تفرض رقابة وعقوبات قد تصل إلى السجن والطرد من الخدمة.
وبين روايات النساء ورد الوزارة، تبرز ضرورة وجود آليات واضحة لتلقي الشكاوى والتحقق منها ومحاسبة المخالفين، بصرف النظر عن مواقعهم الوظيفية. فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بتجربة ملموسة تشعر فيها الضحية بأن شكواها مسموعة وأن سلامتها أولوية.
كما أن غياب الإحصاءات الدقيقة عن حجم العنف الجنسي يجعل من الصعب رسم صورة شاملة للمشكلة أو تقييم السياسات المتبعة لمواجهتها. وأشار التقرير إلى تلقي وزارة الداخلية نحو 300 بلاغ تحرش جنسي منذ بداية العام، مع إقرار المتحدث باسمها بأن عدداً من الحوادث لا يصل إلى الشرطة بسبب العادات والتقاليد. وهذا الرقم، في غياب بيانات أشمل عن طرق الإبلاغ وتعريفات الجرائم والفئات المتضررة، لا يمكن اعتباره قياساً دقيقاً لمدى انتشار الظاهرة.
من أكثر الجوانب إيلاماً في التقرير أن بعض النساء لا يخشين المعتدي وحده، بل يخشين أيضاً رد فعل أسرهن والمجتمع المحيط بهن. فبالنسبة إلى بعضهن، قد يؤدي الإبلاغ عن التحرش إلى فرض قيود على حركتهن، أو التشكيك في سلوكهن، أو تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له.
وتجسد قصة سميرة هذا التناقض بوضوح؛ فهي لا تشعر بالأمان في الشارع، لكنها تخشى أيضاً أن يؤدي إخبار أسرتها بما يحدث إلى منعها من الخروج، بدلاً من معالجة المشكلة التي تهدد سلامتها.

وهكذا تصبح حرية المرأة في التنقل مشروطة بالخوف، ويصبح الصمت وسيلة لتجنب القيود الاجتماعية، حتى لو كان ذلك يعني ترك الانتهاكات من دون مواجهة.
إن تحميل الضحية مسؤولية التحرش أو مطالبتها بالتزام الصمت لا يحميها، بل ينقل عبء المشكلة من مرتكب الفعل إلى من تعرضت له. أما حماية المرأة فلا ينبغي أن تعني حبسها في المنزل أو التضييق على حركتها، وإنما ضمان قدرتها على الدراسة والعمل والتنقل والمشاركة في الحياة العامة دون خوف من الاعتداء.
ولا يمكن إغفال دور التربية والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية في ترسيخ مفهوم واضح للمسؤولية والموافقة واحترام الجسد والكرامة الإنسانية. فالقوانين ضرورية، لكنها لن تحقق أثرها الكامل إذا ظلت بعض الممارسات الاجتماعية تقلل من خطورة التحرش أو تتعامل معه باعتباره أمراً عادياً في حياة النساء.
تكتسب قضية العنف ضد الناشطات بُعداً أكثر خطورة في ضوء مقتل الناشطة النسوية العراقية ينار محمد في هجوم مسلح أمام منزلها في بغداد، وفق ما أورده التقرير، وعدم العثور على مرتكبي الجريمة حتى وقت نشره.
ويذكر التقرير أن خبراء أمميين أشاروا إلى تعرض ينار لتهديدات بالقتل ومضايقات إلكترونية مرتبطة بعملها، ورجحوا احتمال تورط ميليشيا دينية متطرفة في تلك المضايقات. وتظل هذه التقديرات منسوبة إلى أصحابها، فيما تبقى معرفة المسؤولين عن الجريمة ومحاسبتهم أمراً يتطلب تحقيقاً موثوقاً.
إن اغتيال ناشطة تعمل في مجال حقوق المرأة، إلى جانب التهديدات التي تتعرض لها ناشطات أخريات، يثير مخاوف بشأن قدرة المدافعات عن الحقوق على أداء عملهن بحرية وأمان. وعندما تبقى الاعتداءات والتهديدات بلا مساءلة واضحة، يتسع الشعور بأن التعبير عن الرأي والمطالبة بالتغيير قد يعرضان أصحابهما للخطر.
ولهذا، فإن حماية الناشطات ليست شأناً فردياً يخص كل واحدة منهن، بل هي جزء من مسؤولية الدولة عن حماية الحق في الحياة والأمان وحرية التعبير والعمل المدني. كما أن التحقيق الجاد في الاعتداءات والاغتيالات، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، يمثلان خطوة ضرورية لمنع تكرارها وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات.
يلفت التقرير الانتباه أيضاً إلى محدودية الملاجئ المتاحة للنساء المعنفات في العراق. وهذه المشكلة لا تقل أهمية عن ضعف الاستجابة القانونية، لأن المرأة التي تتعرض للعنف داخل منزلها قد تجد نفسها أمام خيارين قاسيين: البقاء في بيئة غير آمنة، أو المغادرة من دون مأوى أو دخل مستقل أو شبكة دعم.
وفي مثل هذه الظروف، قد لا يكون الإبلاغ عن العنف كافياً لحماية الضحية، خصوصاً إذا كان المعتدي من أفراد الأسرة أو إذا كانت المرأة تعتمد عليه اقتصادياً. لذلك، ينبغي أن تترافق الإجراءات القانونية مع توفير أماكن آمنة، ومساعدة مالية مؤقتة، وخدمات نفسية واجتماعية، ودعم قانوني يتيح للنساء بناء حياة مستقلة بعيداً عن العنف.

كما أن حماية النساء تتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، مع ضمان أن تعمل هذه الجهات في بيئة آمنة تسمح لها بتقديم خدماتها من دون تهديد أو تضييق.
إن مواجهة العنف الجنسي ليست مسؤولية النساء وحدهن، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة تخوضها الناجيات والناشطات كلٌّ بمفردها. إنها مسؤولية قانونية ومؤسسية واجتماعية مشتركة، تبدأ من رفض تبرير الاعتداء، ولا تنتهي عند محاسبة مرتكبيه.
وتشمل هذه المسؤولية تطوير التشريعات بما يضمن وضوح تجريم التحرش والاعتداء الجنسي، وتحسين إجراءات الإبلاغ والتحقيق، وتوفير المساعدة القانونية للضحايا، وحماية الشهود والناجيات من الانتقام، وتوسيع خدمات الإيواء والدعم. كما تتطلب نشر بيانات موثوقة تساعد على فهم حجم المشكلة وتقييم الاستجابة لها، مع احترام خصوصية الضحايا وكرامتهن.
ومن الضروري كذلك ألا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى البديل الوحيد الذي تلجأ إليه النساء طلباً للإنصاف. فالتوثيق والنشر قد يساهمان في لفت الانتباه إلى الانتهاكات، لكنهما لا يعوضان عن التحقيق المستقل والمحاكمة العادلة والحماية المستدامة. وينبغي أيضاً مراعاة سلامة النساء وخصوصيتهن عند نشر المقاطع المصورة، وتجنب كشف هوياتهن أو تفاصيل قد تعرضهن لمزيد من الضرر.
خاتمة: كسر الصمت مسؤولية المجتمع
تكشف قصص سارة جاسم وأمل وسميرة، إلى جانب تجربة ينار محمد، أن معاناة النساء في العراق لا تتعلق بالعنف وحده، بل بالخوف من التبليغ، وصعوبة الوصول إلى العدالة، والضغوط الاجتماعية، ومحدودية الحماية المتاحة.
ومع ذلك، فإن استمرار هؤلاء النساء في الحديث عن تجاربهن، رغم ما يواجهنه من تهديدات وعقبات، يؤكد أن الصمت ليس قدراً محتوماً، وأن المطالبة بالأمان والكرامة ليست خروجاً على المجتمع، بل حق أساسي لكل إنسان.
وحين تقول سارة جاسم: "إذا أصبح الكل خائفاً، فلن نغير شيئاً"، فإنها تضع المجتمع أمام سؤال يتجاوز تجربتها الشخصية: هل سيُترك الخوف ليحدد حدود حياة النساء، أم ستتحول هذه القصص إلى دافع لإصلاح القانون والمؤسسات والممارسات الاجتماعية؟
إن التغيير الحقيقي لا يتحقق بمطالبة النساء بأن يكن أكثر شجاعة فحسب، بل ببناء واقع لا يُعاقبن فيه على شجاعتهن، ولا يُتركن فيه وحدهن عندما يطلبن الحماية. فالعدالة لا تُقاس بعدد القوانين المكتوبة فقط، وإنما بقدرة كل امرأة على أن تقول ما تعرضت له، وأن تطالب بحقها، وأن تعيش بعد ذلك بأمان وكرامة، من دون أن تخشى أن يكون صوتها سبباً في تعريض حياتها للخطر.