حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت



انتصار كامل جفلان الخشت
2026 / 10 / 15

ليست المرأة كائنًا خُلق ليختبر قدرته على الاحتمال، ولا قلبًا وُهب للحياة كي يتعلّم كيف يتّسع للأذى. إنها إنسان كامل الأهلية، لها من الكرامة ما لا يجوز انتقاصه، ومن الحقوق ما لا ينبغي أن يصبح رهينًا لمزاج الآخرين أو لقوةٍ تتخفّى خلف العادات، أو سلطةٍ تستمد مشروعيتها من الصمت والخوف.

ومع ذلك، ما زالت نساء كثيرات يعشن خلف أبواب مغلقة حكاياتٍ لا يسمعها أحد؛ امرأة تخفي كدمةً تحت ثيابها، وأخرى تبتلع كلمات الإهانة كي لا يتصدّع بيتها أمام أبنائها، وثالثة تتنازل عن أحلامها بالتدريج، حتى تنسى ملامح المرأة التي كانتها قبل أن يتحوّل الحب إلى قيد، والقرب إلى تهديد، والحياة المشتركة إلى مساحةٍ ضيقة لا تتّسع إلا للخوف.

إن العنف ضد المرأة ليس يدًا ترتفع لتضرب فحسب؛ فقد يبدأ بكلمةٍ تحطّم الثقة، أو سخريةٍ متكررة تنتقص من العقل والقدرة، أو مراقبةٍ تُصادر الخصوصية، أو تهديدٍ يجعل الطمأنينة امتيازًا مشروطًا بالطاعة. وقد يتخذ صورة الحرمان من التعليم والعمل والمال، أو الإكراه على قرارات تمس الجسد والمستقبل، أو الابتزاز والتشهير عبر الشاشات، حيث تتحوّل التكنولوجيا، التي وُجدت لتقريب المسافات، إلى أداةٍ لملاحقة النساء وانتهاك حياتهن.

ولعلّ أخطر ما في هذه الصور أنها لا تأتي دائمًا بوجهٍ واضح؛ فقد يتخفّى العنف وراء عباراتٍ تبدو مألوفة، مثل: «أنا أفعل ذلك لمصلحتك»، أو «هذه شؤون عائلية لا شأن لأحد بها»، أو «تحمّلي من أجل الأولاد». وهكذا يُعاد تسمية الأذى حرصًا، والسيطرة حمايةً، والصمت حكمةً، حتى تجد المرأة نفسها مطالبةً بتبرير ألمها بدلًا من مساءلة من تسبب فيه.

لكن أيُّ مصلحةٍ تلك التي تنتقص من كرامة الإنسان؟ وأيُّ أسرةٍ يمكن أن تستقيم على الخوف؟ وأيُّ تربيةٍ نمنحها لأبنائنا حين نطلب من الفتاة أن تتقبّل الإهانة، بينما نعلّم الفتى، صراحةً أو ضمنًا، أن القوة تمنحه حق السيطرة؟

إن حماية المرأة ليست معركةً بين الرجل والمرأة، ولا دعوةً إلى تفكيك الأسرة أو الانتقاص من دور الرجل؛ إنها دفاعٌ عن إنسانية الطرفين، وعن علاقةٍ لا تستقيم إلا بالاحترام المتبادل. فالرجل الذي يحترم شريكة حياته لا يفقد مكانته، والأب الذي يصون ابنته لا ينتقص من سلطته، والأسرة التي تحمي أفرادها لا تهتزّ حين تُقرّ بحقوقهم، بل تصبح أكثر تماسكًا وقدرةً على مواجهة الحياة.

ولا يمكن أن تتحقق هذه الحماية بمجرد الاحتفاء بالمرأة في المناسبات، أو ترديد عباراتٍ جميلة عن مكانتها، بينما تُترك وحدها حين تحتاج إلى من يصدّق روايتها، أو يرشدها إلى القانون، أو يساعدها على الخروج من دائرة الخطر. فالحقوق التي لا تجد طريقها إلى الواقع تظل كلماتٍ معلّقة على الجدران، لا تفتح بابًا مغلقًا، ولا تردّ اعتداءً، ولا تعيد إلى نفسٍ محطّمة شعورها بالأمان.

نحن بحاجة إلى قانونٍ يُطبَّق بعدالة، وإلى مؤسساتٍ تستقبل الشكاوى بجدية، وإلى خدماتٍ تتيح للنساء طلب الحماية والمساندة دون خوفٍ من الفضيحة أو الانتقام. كما نحتاج إلى وعيٍ اجتماعي يرفض تبرير العنف، وإلى تعليمٍ يغرس في الأطفال معنى الحدود الشخصية، والمساواة في الكرامة، واحترام الاختلاف، وحلّ النزاعات بالحوار لا بالتهديد والإيذاء.

وللمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية دورٌ لا يقل أهمية؛ فالكلمة التي تُلقي باللوم على الضحية قد تدفعها إلى مزيدٍ من الصمت، والكلمة التي تنحاز إلى الحق قد تمنحها شجاعة طلب النجدة. وليس من العدل أن نسأل المرأة دائمًا: لماذا لم تغادري؟ قبل أن نسأل: من الذي جعل بقاءها مؤلمًا، ورحيلها محفوفًا بالمخاطر، وطلبها للمساعدة أمرًا تخشاه؟

إن مسؤوليتنا تبدأ حين نتوقف عن محاكمة الضحية، ونكفّ عن اعتبار صبرها دليلًا على رضاها، أو سكوتها برهانًا على عدم وقوع الأذى. فالصمت قد يكون خوفًا، وقد يكون عجزًا مؤقتًا، وقد يكون محاولةً لحماية الأبناء، ولا يمنح المعتدي حقًّا في الاستمرار.

ولأن العنف يتغذّى على الإفلات من المساءلة، فإن مواجهته مسؤوليةٌ مشتركة؛ تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل، وتصل إلى مؤسسات الدولة والمجتمع. وهي مسؤولية لا تعني أن كل خلافٍ عنف، بل أن نميّز بين الخلاف الذي يُدار بالاحترام، والسلوك الذي يقوم على الإكراه والإذلال والإيذاء.

أما المرأة، فليس مطلوبًا منها أن تثبت جدارتها بالحماية، أو أن تكون مثاليةً كي تستحق الإنصاف. لا تُسقط الأخطاء الشخصية حقّ الإنسان في السلامة، ولا تُبرّر الخلافات انتهاك الجسد أو الكرامة، ولا تمنح رابطة الزواج أو القرابة أحدًا ملكيةً على حياة الآخر.

إن المجتمع الذي يريد مستقبلًا أكثر عدلًا لا يستطيع أن يكتفي بتعليم المرأة كيف تتجنّب الأذى؛ عليه أن يعلّم أبناءه ألّا يمارسوه، وأن يهيّئ مؤسساته لمنعه ومحاسبة مرتكبيه، وأن يمدّ يد العون إلى من تتعرض له. فالحماية ليست نصيحةً تُلقى على عاتق المرأة، بل منظومةٌ من الحقوق والقوانين والوعي والتضامن.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نعلّم المرأة أن تتحمّل أكثر؟ بل: كيف نبني مجتمعًا لا يُطلب منها فيه أن تتحمّل العنف أصلًا؟

فالمرأة التي تعيش آمنةً لا تنجو وحدها؛ ينجو معها طفلٌ يتعلّم أن الحب لا يؤذي، وفتاةٌ تكبر وهي تعرف قيمة صوتها، وفتى يدرك أن الرجولة مسؤوليةٌ واحترام، ومجتمعٌ يقترب خطوةً من العدالة.

إن كرامة المرأة ليست منحةً يمنحها أحد، وحمايتها ليست تفضّلًا من المجتمع؛ إنهما حقٌّ أصيل، لا تكتمل إنسانية الحياة من دونه.