|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 10 / 16
بعد الحرب، عادت الحياة اليومية إلى الخرطوم، لكن ليس كما كانت. عادت وهي تحمل عبئاً أكبر على الأسر، وعلى النساء داخل الأسر. فالمدارس التي كانت تستقبل الأطفال توقفت في مناطق كثيرة. والمستشفيات التي كانت تعالج المرضى تراجعت قدرتها على تقديم الخدمة. وشبكات المياه التي كانت تصل إلى البيوت تعطلت أو تقطعت. والمخابز والأسواق التي كانت توفر الغذاء تعرضت للاضطراب. ووسائل النقل العام التي كانت تنقل العمال إلى أعمالهم انهارت، وحلت محلها وسائل خاصة بأسعار أعلى.
مع كل تراجع في هذه الخدمات، لم تختفِ الحاجة إليها. انتقلت إلى مكان آخر. انتقلت إلى الأسرة. وفي داخل الأسرة، انتقلت إلى النساء.
هذا ما يمكن تسميته "اقتصاد الرعاية". وهو ليس هامشاً في التحليل المادي، ولا شأناً خاصاً يمكن فصله عن الاقتصاد. إنه جزء أساسي من إعادة إنتاج قوة العمل والحياة الاجتماعية نفسها. فالعامل الذي يذهب إلى عمله في الصباح يحتاج إلى طعام، ونوم، ونظافة، وصحة، ورعاية لأطفاله، وإدارة للمرض والأزمات. وحين لا توفر الدولة أو السوق هذه الشروط بصورة كافية، تتحمل الأسرة جزءاً متزايداً منها، ويقع جانب كبير من هذا العمل على النساء، في صورة عمل غير مأجور لا يظهر في الأجر ولا في الحسابات الرسمية.
لكن هذا العبء ليس موزعاً بالتساوي. فالنساء في الأحياء الشعبية يحملن عبئاً أكبر لأن قدرتهن على شراء البدائل محدودة. والنساء النازحات قد يفقدن جزءاً من شبكات الدعم التي كانت تخفف عن الأسرة أعباء الرعاية. والنساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي قد يجدن أنفسهن أمام عبء مركب: عمل مدفوع الأجر، وعمل منزلي غير مأجور، وعمل إضافي للبحث عن الدخل والموارد. وهكذا تتقاطع الطبقة والجندر والموقع الاجتماعي في تحديد من يتحمل كلفة الأزمة ومن يستطيع شراء بدائل عنها.
وهنا يظهر البعد الطبقي للجندر. فليس كل النساء يحملن العبء نفسه. بعض الأسر ذات الدخل الأعلى تستطيع شراء خدمات الرعاية، أو الحصول على علاج خاص، أو شراء مولدات وألواح شمسية، أو الحصول على مياه معبأة، أو دفع كلفة النقل والتوصيل. أما النساء في الطبقات الشعبية، فغالباً ما يملكن خيارات أقل، فيتحول ما يمكن أن يكون خدمة مدفوعة إلى ساعات إضافية من العمل المنزلي والرعاية والبحث عن الموارد. الجندر يحدد بدرجة كبيرة من يتحمل العمل، والطبقة تحدد إلى أي مدى يمكن شراء من يتحمله عنه.
ومن هنا تتحول الرعاية من مسؤولية اجتماعية مشتركة إلى عبء يقع على الأسرة، ثم إلى عبء غير متكافئ داخل الأسرة نفسها. الماء الذي لا يصل عبر الشبكة يتحول إلى ساعات من الانتظار والحمل. والدواء الذي لا توفره المؤسسة الصحية يتحول إلى بحث طويل في الأسواق. والمدرسة التي تتوقف تتحول إلى جهد تعليمي داخل البيت. والنقل الذي ينهار يتحول إلى وقت إضافي في التنقل والمرافقة. كل تراجع في الخدمة العامة لا يختفي؛ يتحول إلى عمل إضافي في مكان آخر، وغالباً ما يقع هذا العمل على النساء.
ويمكن تسمية هذه العملية "التراكم عبر العمل غير المأجور". فكل اقتصاد رأسمالي يحتاج إلى قوة عمل قادرة على العودة إلى العمل بصورة مستمرة. وهذه القدرة لا تُنتج داخل مكان العمل وحده؛ إنها تُعاد إنتاجها يومياً عبر الطعام، والرعاية، والصحة، والنظافة، والتربية، والنوم، والدعم الاجتماعي، وإدارة المرض والأزمات. وعندما تتحمل الأسرة هذه الوظائف بلا أجر، فإن جزءاً من كلفة إعادة إنتاج قوة العمل يُنقل إليها. وحين تتحمل النساء الجزء الأكبر من هذا العمل، تتحول اللامساواة الجندرية إلى آلية اقتصادية تساهم في خفض الكلفة الاجتماعية التي يحتاجها النظام لاستمرار العمل والإنتاج.
وفي السودان بعد الحرب، تضاعف هذا العبء. فبعد الإزالة والترحيل، وبعد تدمير الخدمات، وبعد اضطراب الأسواق، لم تعد المرأة تؤدي فقط أعمال الرعاية المعتادة، بل أصبحت تدير أزمة يومية مفتوحة. تجلب الماء من مسافات أبعد، وتنتظر في صفوف الخبز، وتبحث عن الدواء، وترعى طفلاً مريضاً في غياب الطبيب، وتواصل إعداد الغذاء بأقل المقومات، وتبحث عن مصادر دخل إضافية عندما يتراجع دخل الأسرة. وهذه ليست مهاماً هامشية؛ إنها شروط البقاء نفسها.
وهذا الاستنزاف له حدود مادية. الجسد الذي يحمل الماء، ويطبخ، وينظف، ويرعى، ويعمل، ويتنقل، ويبحث عن الموارد، يحتاج هو نفسه إلى الغذاء والراحة والعلاج. وكلما تراكمت ساعات العمل غير المأجور وازدادت ندرة الموارد، ارتفع الضغط على الصحة الجسدية والنفسية. ويمكن أن تتسع آثار ذلك لتشمل الإرهاق المزمن، وتدهور الصحة، وصعوبة الوصول إلى الرعاية، وارتفاع مخاطر مرتبطة بالحمل والولادة، والضغط النفسي، وتوتر العلاقات داخل الأسرة. هذه الآثار لا ينبغي فصلها عن الشروط المادية التي تنتجها؛ فاستنزاف الجسد جزء من كلفة الأزمة التي يجري دفعها داخل الأسرة بدلاً من أن تتحملها مؤسسات اجتماعية أوسع.
ولهذا فإن الجسد النسائي هنا ليس مسألة خاصة. إنه جزء من البنية الاجتماعية لإعادة الإنتاج. إنه جسد يعمل على مدار اليوم، لكنه لا يظهر بالضرورة في حسابات العمل. ينتج الرعاية، لكنه لا يحصل على أجر مقابلها. يتحمل كلفة نقص الخدمات، لكنه لا يملك قرار توزيعها. ويصبح بذلك أحد المواقع التي تنتقل إليها كلفة الأزمة من المجال العام.
ولأن المدينة لم تعد قادرة على إعادة إنتاج الحياة اليومية عبر مؤسساتها العامة بالقدر نفسه، انتقلت هذه المهمة إلى الأسرة، ثم إلى النساء داخلها. وهذا الانتقال ليس تلقائياً ولا محايداً؛ إنه مرتبط بتراجع الحق العام في الماء والغذاء والصحة والتعليم والنقل. فكل خدمة تتراجع في المجال العام يمكن أن تضيف ساعات جديدة إلى العمل غير المأجور داخل الأسرة، وكل ارتفاع في كلفة الخدمة يمكن أن يضيف جهداً جديداً للبحث عن بديل.
وهنا يظهر سؤال المقاومة. فإذا كانت النساء يحملن جانباً كبيراً من عبء البقاء، فهن أيضاً ينتجن أشكالاً متعددة من التنظيم. لجان نسائية، ومبادرات رعاية جماعية، وشبكات لتبادل الغذاء والدواء، ومجموعات دعم، ومقاومة يومية ضد الإزالة والترحيل. هذه المبادرات ليست مجرد ردود فعل فردية؛ إنها أشكال من التنظيم الجماعي تنشأ من الحاجة المباشرة إلى إعادة إنتاج الحياة. وفيها تظهر مصالح الطبقات الشعبية في تحويل الرعاية من عبء فردي إلى مسؤولية جماعية. إنها تقول: إذا لم يصل الماء، سنبحث عن طريقة لتوفيره معاً. وإذا تعذر الوصول إلى الدواء، سنبني شبكة لتوفيره. وإذا انهارت بعض وسائل النقل، سننظم البدائل بصورة جماعية.
وهنا يكمن أحد التناقضات الأساسية في اقتصاد الرعاية. فالنظام يحتاج إلى إعادة إنتاج قوة العمل والحياة الاجتماعية، لكنه يستطيع أن يخفض كلفة هذه العملية حين تُدفع داخل الأسرة في صورة عمل غير مأجور. يحتاج إلى النساء في إعادة إنتاج الحياة، لكنه لا يعترف بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذا العمل بالقدر نفسه الذي يعترف فيه بالعمل المدفوع. وكلما تراجعت الخدمات العامة، اتسع الاعتماد على هذا العمل غير المرئي، وتحوّلت أزمة الدولة والسوق إلى ساعات إضافية من العمل داخل البيوت.
لذلك فإن تحرير المرأة لا يمكن اختزاله في إدخالها إلى سوق العمل المدفوع فقط. فإذا دخلت المرأة سوق العمل وبقيت مسؤولة وحدها عن معظم أعمال الرعاية، فإنها تحمل عبئين في الوقت نفسه. وإذا تحولت الرعاية إلى سلعة لا تستطيع الطبقات الشعبية شراءها، فإن شراء التحرر يصبح امتيازاً طبقياً. القضية إذن ليست فقط من يملك حق العمل، بل من يتحمل كلفة إعادة إنتاج الحياة، وكيف تُوزع هذه الكلفة بين الدولة والسوق والأسرة، وبين الرجال والنساء، وبين الطبقات المختلفة.
ومن هنا تصبح قضية الرعاية قضية طبقية بقدر ما هي قضية جندرية. فالماء العام، والمستشفى العام، والمدرسة العامة، والنقل العام، وخدمات رعاية الأطفال والمسنين، كلها تخفف من العمل غير المأجور داخل الأسرة. وكل تراجع فيها يزيد هذا العمل. لذلك فإن الدفاع عن الخدمات العامة ليس مجرد دفاع عن "الخدمة"؛ إنه دفاع عن الوقت والجسد والدخل، وعن حق النساء في ألا تتحول كل أزمة اجتماعية إلى ساعات إضافية من العمل داخل المنزل.
فإذا كانت المدينة لم تعد قادرة على إعادة إنتاج الحياة اليومية عبر مؤسساتها العامة بالقدر نفسه، فإن السؤال لم يعد فقط: من يملك الأرض؟ بل أصبح أيضاً: من يدفع، بوقته وجسده وصحته، ثمن بقاء الحياة نفسها؟
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|