المرأة في الشيخوخة: حقوق منسية بعد انتهاء أدوار الأمومة و العمل – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 10 / 17

اعتادت مجتمعاتنا النظر إلى المرأة من خلال الأدوار التي تؤديها في مراحل حياتها المختلفة. فهي ابنة تحتاج إلى الرعاية، ثم زوجة و أم تتحمل مسؤوليات الأسرة، و ربما موظفة تساهم في إعالة المنزل و بناء المجتمع. لكن ما إن تتقدم في العمر، و يكبر الأبناء، و تنتهي سنوات العمل، حتى تبدأ مرحلة مختلفة قد تتراجع فيها مكانتها الاجتماعية و قدرتها على اتخاذ القرارات. هنا تبرز قضية قلما تحظى بالاهتمام في النقاشات المتعلقة بحقوق المرأة، و هي حقوقها في الشيخوخة، حين تصبح حاجتها إلى الاستقلال و الأمان أكثر إلحاحاً.
لا يمكن اختزال المشكلة في ضعف اهتمام الأبناء بأمهاتهم، فالكثير من الأسر تقدم رعاية حقيقية لكبار السن. غير أن الرعاية الأسرية، مهما بلغت أهميتها، لا تعوض الحقوق التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة بوصفها مواطنة مستقلة. فالمرأة التي أمضت عقوداً في تربية الأبناء و إدارة المنزل قد تجد نفسها، بعد وفاة الزوج أو تراجع دخل الأسرة، أمام واقع اقتصادي لا يمنحها دخلاً ثابتاً أو قدرة كافية على التصرف بأموالها، رغم أنها ساهمت طوال حياتها في بناء الاستقرار الأسري.
تكشف البيانات الدولية جانباً من هذا الاختلال. فقد أوضح تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2024 أن نحو 48.2% من النساء اللواتي تجاوزن سن التقاعد القانونية في شمال أفريقيا و غرب آسيا يحصلن على معاش تقاعدي، مقابل 76.7% من الرجال. وهذه الفجوة لا تعكس اختلافاً في سنوات العمل المأجور فحسب، بل ترتبط أيضاً بعدم احتساب العمل المنزلي و رعاية الأطفال ضمن الأنشطة التي تمنح المرأة استحقاقات تقاعدية مستقلة. وهكذا تتحول سنوات طويلة من العمل غير المدفوع إلى مصدر للهشاشة الاقتصادية عند الشيخوخة.
في العراق، تبدو المشكلة أكثر وضوحاً عند مراجعة نظام الحماية التقاعدية. فقد قدرت دراسة مشتركة لصندوق النقد الدولي و منظمة العمل الدولية و البنك الدولي، نُشرت عام 2024، أن أنظمة التقاعد القائمة على الاشتراكات شملت نحو 45% من النساء فوق الخامسة و الستين، مقابل 70% من الرجال في عام 2023. ولا تعني هذه النسب غياب أشكال المساعدة الاجتماعية الأخرى، لكنها تكشف تفاوتاً مهماً في الحصول على الاستحقاقات المرتبطة بالعمل. كما أن النساء اللواتي قضين حياتهن ربات بيوت يبقين أكثر عرضة للاعتماد الاقتصادي على الأسرة أو المساعدات الاجتماعية.
ولا تقتصر الشيخوخة على المسألة المالية. فهناك احتياجات صحية و نفسية تتغير مع التقدم في العمر، ابتداءً من الأمراض المزمنة و صعوبات الحركة، وصولاً إلى الشعور بالعزلة و فقدان المكانة الاجتماعية. و قد تنشغل الأسرة بتوفير الدواء و الطعام، لكنها تغفل حاجة المرأة إلى الحديث و المشاركة و الخروج من المنزل و المحافظة على علاقاتها الاجتماعية. إن تلبية الاحتياجات الجسدية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان حياة كريمة.
و من المفارقات أن المرأة المسنة قد تستمر في تقديم الرعاية حتى بعد انتهاء مسؤولياتها الأساسية في تربية الأبناء. فكثير من الجدات يتولين رعاية الأحفاد و المساعدة في شؤون المنزل، أحياناً بصورة يومية و لساعات طويلة. وقد يكون ذلك مصدر سعادة و شعور بالأهمية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى التزام مفروض عندما لا تُراعى قدرات المرأة الصحية أو رغبتها الشخصية. والمشكلة هنا ليست في مساهمتها الأسرية، بل في افتراض أن وقتها أصبح متاحاً للجميع بمجرد تقاعدها أو توقفها عن مسؤوليات الأمومة المباشرة.
وتظهر صورة أخرى من التهميش عندما تبدأ الأسرة باتخاذ القرارات نيابة عن المرأة المسنة، حتى عندما تكون قادرة على اتخاذها بنفسها. فقد يتعلق الأمر بإدارة أموالها أو اختيار مكان إقامتها أو التصرف بممتلكاتها أو تنظيم حياتها اليومية. وتُبرر هذه الممارسات أحياناً بالخوف عليها أو الحرص على راحتها، لكنها قد تؤدي تدريجياً إلى تقليص استقلالها. ومن الضروري التمييز بين المساعدة التي تحتاج إليها بسبب ظروف صحية محددة، و الوصاية التي تُفرض عليها لمجرد تقدمها في العمر.
إن معالجة هذه القضية تتطلب تجاوز مفهوم الإحسان إلى مفهوم الحقوق. ويمكن أن يبدأ ذلك بتوسيع الحماية الاجتماعية للنساء اللواتي لم يعملن في وظائف مأجورة، و تطوير خدمات الرعاية الصحية المنزلية، و توفير مراكز اجتماعية مناسبة لكبار السن، فضلاً عن ضمان وصول النساء إلى الخدمات القانونية و المصرفية بصورة مستقلة. كما ينبغي تشجيع البرامج التي تتيح للمرأة المسنة المشاركة في الأنشطة الثقافية و التعليمية و التطوعية، بدلاً من التعامل مع الشيخوخة باعتبارها مرحلة انسحاب من الحياة العامة.
برأيي المتواضع، يكشف تعامل المجتمع مع المرأة المسنة مدى عمق إيمانه بالمساواة. فمن السهل الإشادة بالأم عندما تضحي من أجل أبنائها، أو بالمرأة العاملة عندما تساهم في الاقتصاد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما لا يعود المجتمع ينتظر منها إنتاجاً أو تضحية. فالمرأة لا تستمد قيمتها من قدرتها على الإنجاب أو العمل أو خدمة الآخرين، بل من إنسانيتها و حقوقها التي لا تنتهي بانتهاء تلك الأدوار. و المجتمع الذي يضمن لها الاستقلال و الاحترام في الشيخوخة لا يقدم مكافأة على سنوات عطائها، بل يعترف بحق أصيل كان ينبغي أن يرافقها طوال حياتها.