|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

بيان صالح
!--a>
2026 / 10 / 18
يطلق مصطلح جيل زد على الجيل الذي ولد تقريبا بين عامي 1997 و2012، وفق أحد التقسيمات الشائعة، مع اختلاف الحدود الزمنية بين الدراسات. نشأ هذا الجيل في ظل الانتشار الواسع للإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتشكل وعيه في عالم تتداخل فيه التحولات التكنولوجية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وقد أتاح له هذا الواقع الوصول إلى النقاشات العالمية حول الحرية والهوية والعدالة والمساواة، وجعل المنصات الرقمية مساحة بارزة للتعبير عن المواقف النسوية ومناقشة قضايا النساء.
لكن فهم نسوية جيل زد يتطلب تجاوز الاحتفاء بانتشار الشعارات والحملات الرقمية، وطرح سؤال أعمق: هل يكفي اتساع الوعي بالمساواة لتحقيق التحرر الكامل للمرأة، أم أن هذا التحرر يقتضي تغيير الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج التمييز والاستغلال؟
نساء لا يقفن في الموقع نفسه
تظهر أهمية هذا السؤال عند النظر إلى التفاوت بين النساء أنفسهن. فالمرأة التي تمتلك الاستقلال المالي والموارد الاجتماعية ليست كالمرأة التي تضطر إلى قبول عمل هش بأجر منخفض، أو تعتمد معيشتها على أسرتها، أو تتحمل وحدها مسؤولية إعالة أطفالها. ورغم أن النساء قد يواجهن أشكالا مشتركة من التمييز على أساس جنسهن، فإن مواقعهن الطبقية تؤثر في طبيعة القيود التي يتعرضن لها وفي قدرتهن على مقاومتها. ومن هنا، لا يمكن فصل اضطهاد المرأة عن علاقات العمل والملكية وتوزيع الثروة والفرص داخل المجتمع.
تظهر هذه العلاقة في تفاصيل الحياة اليومية لجيل زد. فقد ترغب شابة في الاستقلال عن أسرتها، لكنها تجد نفسها عاجزة عن مغادرة منزلها بسبب ارتفاع تكاليف السكن وضعف دخلها. وقد تجمع أخرى بين الدراسة والعمل لتأمين احتياجاتها، ثم تعود إلى المنزل لتتحمل نصيبا أكبر من أعمال التنظيف والطهي والرعاية مقارنة بإخوتها. وفي المقابل، تستطيع شابة تنتمي إلى أسرة ميسورة تحقيق استقلالها بسهولة أكبر بفضل الدعم المالي الذي تحصل عليه. وهكذا، لا تتحدد حرية المرأة بإرادتها وحدها، فهي تتأثر أيضا بالموارد التي تمتلكها والظروف التي تعيش فيها.
سوق العمل وأعباء الرعاية
ولا يقتصر الأمر على الحياة الأسرية؛ فسوق العمل يكشف بدوره عن تداخل الاستغلال الاقتصادي والتمييز ضد المرأة. فقد تدخل النساء سوق العمل بحثا عن الاستقلال، لكنهن يواجهن في بعض القطاعات أجورا منخفضة أو عقودا غير مستقرة أو فرصا محدودة للتقدم، بينما يستمر تحميلهن جانبا كبيرا من العمل المنزلي غير المأجور. وبذلك قد تجد المرأة نفسها مطالبة بتحقيق الاستقلال الاقتصادي، في حين تتحمل أعباء إضافية تحد من وقتها وقدرتها على الاختيار. إن المشكلة تكمن في الشروط التي يجري ضمنها العمل، وفي التوزيع غير المتكافئ للأعباء والمكاسب، وليس في عمل المرأة أو طموحها.
ومن هنا، لا يكفي أن تدخل النساء سوق العمل أو أن تحقق بعضهن نجاحا فرديا، بل تبرز ضرورة تنظيم النساء للدفاع عن حقوقهن ومواجهة الاستغلال والتمييز، وربط نضالهن بنضال الحركة العمالية من أجل الأجور العادلة وظروف العمل اللائقة والحقوق الاجتماعية. فمصالح النساء العاملات تتقاطع مع مصالح العمال في مواجهة الاستغلال الاقتصادي، ولا يمكن تحقيق تحرر فعلي للمرأة من دون تغيير الشروط التي تنتج التبعية والفقر وعدم المساواة.
الفضاء الرقمي بين التضامن والتسليع
وفي الفضاء الرقمي، تبرز مفارقة أخرى. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للشابات كسر الصمت بشأن العنف والتحرش والتمييز، ومناقشة قضايا الجسد وحرية الاختيار، وبناء أشكال جديدة من التضامن تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد ظهر ذلك بوضوح في انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» (Jin, Jiyan, Azadî) التي اندلعت في إيران عام 2022 بعد وفاة الشابة الكردية جينا مهسا أميني في حجز شرطة الأخلاق، إذ قادت شابات من هذا الجيل الاحتجاجات في الشوارع والجامعات، وانتقل شعارها عبر المنصات إلى مدن كثيرة حول العالم.
غير أن هذا الفضاء ليس آمنا ولا محايدا. فالناشطات والشابات يتعرضن فيه للتحرش والتهديد وحملات التشهير المنظمة، ما يدفع بعضهن إلى الصمت أو الانسحاب. كما تخضع هذه المساحة لمنطق اقتصادي تديره شركات تبحث عن الربح، يحول الانتباه والتفاعل إلى أرباح، ويتيح تسليع الخطاب النسوي وتحويله إلى محتوى استهلاكي.
فقد يختزل التمكين في صورة المرأة الناجحة التي تستهلك منتجات معينة، أو تحقق معايير الجمال الرائجة، أو تعرض استقلالها بوصفه قصة نجاح فردية. وهذا ما نراه في إعلانات تبيع منتجاتها تحت شعارات «التمكين» و«الثقة بالنفس»، وفي اقتصاد المؤثرات الذي يحول الجسد والحياة اليومية إلى محتوى قابل للبيع، وفي شركات ترفع الشعارات النسوية في الثامن من آذار بينما تدفع لعاملاتها أجورا زهيدة. وفي هذه الحالة، تتحول الحرية من قضية تتعلق بتغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية إلى صورة قابلة للتسويق، بينما تتراجع قضايا الأجور وظروف العمل والفقر والعمل المنزلي إلى الهامش. ولا يعني ذلك أن النشاط الرقمي فاقد للقيمة، فأثره يظل مرتبطا بقدرته على تجاوز حدود الانتشار الافتراضي والمساهمة في تغيير الواقع.
جيل واحد ومواقف متعددة
كذلك، لا يمكن افتراض أن جيل زد يتبنى موقفا واحدا من النسوية. فالشابات والشبان يختلفون في تجاربهم ومواقفهم، وقد تدفع الضغوط الاقتصادية بعض الشباب إلى النظر إلى المطالب النسوية باعتبارها منافسة لهم على الفرص، بدلا من فهم الصلة بين التمييز الجندري والتفاوت الاقتصادي. لكن مواجهة الصعوبات التي يعيشها الشباب لا تقتضي إنكار اضطهاد النساء، كما أن مواجهة اضطهاد النساء لا تعني تجاهل الأزمات التي تطال المجتمع بأكمله. المطلوب هو فهم كيفية توزيع الموارد والفرص والأعباء، ومساءلة العلاقات التي تجعل فئات اجتماعية أكثر عرضة للاستغلال والتهميش.
ولا يتحقق التضامن بين النساء والرجال بمجرد الدعوة إلى المساواة، بل من خلال فهم المصالح المشتركة في مواجهة الاستغلال، والعمل معا من أجل تحسين ظروف الحياة والعمل. ويكتسب تنظيم النساء وربط نضالهن بالحركة العمالية أهمية خاصة هنا، لأنه يفتح المجال أمام تحويل المطالب الفردية المتفرقة إلى قوة جماعية قادرة على الضغط من أجل تغيير السياسات وشروط العمل وتوزيع الموارد.
من الوعي إلى التغيير
من هنا، يتجاوز النقاش حول نسوية جيل زد مدى انفتاحه على الأفكار الجديدة، ليصل إلى قدرته على تحويل الوعي إلى تغيير ملموس. فالتعبير عن رفض التمييز خطوة مهمة، لكنه لا يغني عن النضال من أجل أجور عادلة، وظروف عمل آمنة، وسكن ميسور، وخدمات عامة جيدة، وتقاسم أكثر عدلا لمسؤوليات الرعاية. كما أن مواجهة القيود الثقافية والاجتماعية تظل ضرورية، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت الظروف المادية التي تحد من حرية النساء على حالها.
إن التحدي الحقيقي أمام جيل زد هو الانتقال من المطالبة بحرية المرأة بوصفها حقا فرديا إلى فهم الشروط التي تجعل هذه الحرية ممكنة للجميع. فالتحرر لا يعني أن تنجح المرأة وحدها في التكيف مع واقع غير متكافئ، ولا أن تقتصر المساواة على وصول بعض النساء إلى مواقع النفوذ، بينما تبقى أخريات أسيرات الفقر والعمل الهش والتبعية الاقتصادية. إنه يعني مواجهة التمييز والاستغلال معا، وتنظيم النساء للدفاع عن حقوقهن، وربط نضالهن بنضال الحركة العمالية والقوى الاجتماعية المتضررة من النظام القائم، والعمل على تغيير الشروط التي تحدد فرص الحياة والعمل، وبناء مجتمع أكثر عدلا.
فهل ستبقى نسوية جيل زد تعبيرا رقميا عن الرغبة في التغيير، أم ستتمكن من تحويل هذا الوعي إلى فعل جماعي يمس جذور التفاوت؟ ربما تكمن الإجابة في مدى قدرة هذا الجيل على ربط الحرية الفردية بالعدالة الاجتماعية، وتحويل التضامن من موقف معلن إلى ممارسة منظمة تجمع بين النضال ضد اضطهاد النساء والنضال ضد الاستغلال الطبقي، وتسهم في تغيير الواقع في ظل النظام الرأسمالي، أكثر مما تكمن في عدد الشعارات التي تنتشر على المنصات.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|