أثر غياب مساهمة المرأة في الاقتصاد



رانيا غازي أبو غوش
2026 / 10 / 19

د. رانيا غازي أبو غوش
الأسرة التي تحصر معرفة الديون والتأمينات والأصول في طرف واحد، لا تبني أماناً؛ بل تبني نقطة فشل واحدة تنتظر الأزمة.
قد يبدو البيت مستقراً ما دام الدخل منتظماً والالتزامات مدفوعة. لكن الاستقرار الحقيقي لا يُختبر في الأيام العادية، بل عندما يمرض صاحب الدخل، أو يتعثر مشروع، أو يظهر دين غير محسوب، أو يغيب الشخص الوحيد الذي يعرف تفاصيل الحسابات والوثائق. عندها يتحول ما بدا ترتيباً عائلياً عادياً إلى مخاطرة مالية مكلفة.
هذه هي زاوية اقتصاد الغياب. فالمشكلة ليست أن امرأة لم تحصل على وظيفة فقط، بل أن قدرة موجودة في الأسرة والاقتصاد لم تتحول إلى خيار منتج ومحمي. والنتيجة ليست خسارة راتب محتمل فحسب، بل مشروع لم يبدأ، وخبرة لم تُستثمر، ومدخرات لم تتكوّن، وقرار مالي بقي خارج دائرة المعرفة.
تؤكد أحدث الأرقام الأردنية أن المسألة تستحق قراءة أعمق من معدل البطالة العام. فقد انخفضت البطالة لإجمالي السكان إلى 16.1% في الربع الثاني من عام 2026، بينما بلغت البطالة بين إجمالي الإناث 19.9%. التحسن في الرقم العام مهم، لكنه لا يكفي وحده. فالمعيار الأهم هو قدرة الاقتصاد على تحويل هذا التحسن إلى فرص مستقرة ومنتجة، لا إلى مشاركة متقطعة أو وظائف هشة منخفضة العائد.
ولهذا وضعت رؤية التحديث الاقتصادي هدفاً برفع المشاركة الاقتصادية للنساء من 14% إلى 28% بحلول عام 2033. أهمية الهدف لا تكمن في مضاعفة نسبة رقمية، بل في توسيع قاعدة الدخل الوطني وتقليل هشاشة الأسر التي تعتمد على مصدر واحد للرزق. فالاقتصاد الذي يستثمر في تعليم المرأة ثم لا يفتح أمامها مسارات آمنة لتحويل المعرفة إلى إنتاج، يؤجل العائد على استثماره في رأس المال البشري.
لكن تمكين المرأة لا يعني فرض نموذج واحد للحياة، ولا اختزال قيمتها في وظيفة أو راتب. لكل امرأة ظرفها وخيارها ودورها. القضية الاقتصادية الأهم هي أن يكون هذا الخيار حقيقياً: أن تعرف كيف تُدار الموارد، وأن تمتلك وصولاً آمناً إلى المعلومات والخدمات المالية، وأن تتاح لها فرصة التعلم أو إطلاق مشروع أو العودة إلى النشاط الاقتصادي عندما تختار ذلك.

ومن هنا يبدأ الحل قبل سوق العمل نفسه. فعندما تُستبعد المرأة من معرفة دخل الأسرة والتزاماتها وأصولها، تصبح أي أزمة صحية أو مالية أكثر كلفة. وفي لغة إدارة المخاطر، تركيز المعرفة والقرار المالي في يد واحدة ليس استقراراً، بل هشاشة. أما الأسرة الأكثر صموداً فهي التي تملك معرفة مشتركة بالأصول والالتزامات الأساسية، وحفظاً منظماً للوثائق، وتأميناً مناسباً، وخطة للطوارئ، وقدرة على اتخاذ القرار المسؤول عند غياب أي طرف.
ويكتمل المشهد في القطاع المالي. فاستراتيجية البنك المركزي الأردني للاشتمال المالي للأعوام 2023–2028 تستهدف رفع نسبة الاشتمال المالي من 43.1% إلى 65%، وتقليص الفجوة الجندرية من 22% إلى 12%. وهذه الأرقام لا تتعلق بامتلاك حساب مالي فقط؛ بل بالقدرة على الادخار، واستخدام أدوات الدفع، والحصول على تأمين وتمويل مسؤولين، وبناء سجل مالي يساند المشروع أو يحمي الدخل عند الصدمة.
القيمة المضافة الحقيقية لا تأتي من زيادة عدد العاملين وحسب، بل من جودة المشاركة. لذلك لا يكفي أن ننفق على التدريب إذا لم ينتهِ إلى فرصة قابلة للاستمرار، ولا أن نوسع التمويل إذا لم يتحول إلى أصل منتج أو نشاط قادر على النمو. المطلوب هو ربط المهارات بقطاعات واعدة، وربط التمويل بالمبيعات والاستدامة، وربط العمل المرن بالحماية والتنظيم، لا بتدني الأجر أو غياب الاستقرار.
وهنا تتحدد الأولويات بوضوح: خفض كلفة المشاركة، لا خفض الأجر؛ توفير نقل آمن، وخدمات رعاية عالية الجودة، وتمويل مناسب، وتثقيف مالي عملي، وفرص مرنة ومنظمة. هذه ليست مطالب اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، بل استثمارات تقلل المخاطر، وتحافظ على المهارة، وتزيد قدرة الأسر على مواجهة الأزمات.
اقتصاد الغياب ليس اتهاماً للأسرة ولا اختزالاً لقيمة المرأة في دخلها. إنه تنبيه اقتصادي: حين لا تتحول القدرة إلى خيار، والمعرفة إلى قرار، والجهد إلى حماية، فإن الكلفة لا تدفعها المرأة وحدها. تدفعها الأسرة في هشاشتها، وتدفعها المؤسسة في إنتاجيتها، ويدفعها الاقتصاد في نموه المؤجل.
فالاقتصاد الذي لا يرى هذه الكلفة اليوم، سيدفعها غداً في النمو والاستقرار والفرص الضائعة.