|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

انتصار كامل جفلان الخشت
!--a>
2026 / 10 / 21
ليست المرأة ضلعًا في حكاية العالم فحسب، بل هي السرُّ الذي تعلّم العالمُ على يديه كيف تبدأ الحكايات. في كفّيها الطريّتين خبّأت صلابة الجبال، وفي قلبها الذي يبدو وديعًا أودعت عواصف لا تهزمها إلا لتنهض من جديد.
هي التي تعبر مواسم العمر حاملةً على كتفيها ما لا تراه العيون؛ تُرمّم شقوق الأيام بابتسامة، وتخيط من خيوط الصبر ثوبًا يستر عثرات من تحب، ثم تمضي كأنها لم تحمل جبلًا، ولم تُوارِ دمعةً في محراب الصمت.
لكن أيُّ عدالةٍ تلك التي تمدح صبر المرأة، ثم تتركها وحيدةً في مواجهة ما يستنزفها؟ وأيُّ عرفٍ هذا الذي يجعل احتمال الألم فضيلةً فيها، بينما يعدُّه ضعفًا في غيرها؟ لقد طالما صفق العالم لقوة المرأة، لكنه لم يسأل نفسه بما يكفي: لماذا يُطلب منها أن تكون قويةً طوال الوقت؟
ليست البطولة أن تتحمل المرأة كل شيء، ولا أن تتقن إخفاء انكساراتها كي لا تُربك راحة الآخرين؛ البطولة أن تمتلك حق الاختيار، وأن تقول «لا» دون خوف، وأن تغادر ما يؤذيها دون أن تُحاكمها العيون، وأن تطلب العون دون أن يُنتقص من كرامتها.
إن المرأة التي تتعلم ليست امرأةً تهدد أحدًا، بل عقلٌ يضيء طريقًا، والمرأة التي تعمل لا تنتزع مكانًا من أحد، بل تصنع مكانًا يليق بجهدها، والمرأة التي تدافع عن حقوقها لا تعلن حربًا على المجتمع، بل تدعوه إلى مصالحةٍ طال انتظارها مع العدل.
وليست حقوق المرأة منحةً تُعطى حين تسمح الظروف، ولا كلماتٍ تُزيّن الاحتفالات ثم تنطفئ بانطفاء الأضواء؛ إنها حقٌّ في التعليم والعمل والأمان، وفي المشاركة وصنع القرار، وفي حياةٍ لا يُصادر فيها جسدها أو صوتها أو مستقبلها باسم العادات أو الوصاية.
وما زالت فتياتٌ كثيرات يقفن عند أبواب الأحلام، لا ينقصهن الذكاء ولا الطموح، وإنما تنقصهن فرصةٌ عادلة، ومدرسةٌ قريبة، وبيئةٌ تحمي أحلامهن من الزواج المبكر والتسرب والخوف. وما زالت نساءٌ يواجهن العنف في صمت، لأن المجتمع أحيانًا يسأل الضحية عمّا فعلت، بدلًا من أن يسأل المعتدي لماذا فعل.
هنا تبدأ مسؤولية المجتمع؛ في تعليمٍ يفتح الأبواب، وقوانين تُطبَّق دون تمييز، ومؤسساتٍ تنصف المظلومة، وثقافةٍ تُربّي أبناءها على أن الاحترام ليس ضعفًا، وأن الرجولة لا تُقاس بالسيطرة، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ بين رجلٍ وامرأة.
ومع ذلك، ليست المرأة صورةً واحدةً تُختصر في الأمومة أو التضحية أو الجمال. إنها عوالم شتى؛ عالمةٌ تفتّش عن إجابة، وأديبةٌ تنحت من اللغة نوافذ، ومعلمةٌ تزرع في العقول بذور الغد، وعاملةٌ تشق طريقها بين المشقة والأمل، وأمٌّ تمنح أبناءها الحب، وامرأةٌ تختار أن تعيش لنفسها بعد سنواتٍ من العطاء. لكل واحدةٍ حكايتها، ولكل حكايةٍ حقٌّ في أن تُروى دون وصاية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه العالم للمرأة ليس قصيدة مديحٍ جديدة، بل أن يكفَّ عن وضع العراقيل في طريقها، وألا يجعل نجاحها معركةً إضافية، أو كرامتها مطلبًا يحتاج إلى التبرير.
فالمرأة لا تحتاج إلى عالمٍ يرفعها فوق البشر، بل إلى عالمٍ يعترف بأنها إنسانٌ كامل الحقوق؛ لا تُختزل في دور، ولا تُقاس قيمتها بوجود رجلٍ في حياتها أو غيابه، ولا تُحاسَب على أحلامٍ لم تُرضِ الآخرين.
حين تنال المرأة حقها، لا تربح المرأة وحدها؛ بل يربح بيتٌ أكثر وعيًا، ومجتمعٌ أكثر إنصافًا، ووطنٌ لا يبدّد نصف طاقته.
فالمرأة ليست هامشًا ينتظر أن يفسح له المتن مكانًا، بل صفحةٌ أصيلة في كتاب الحياة؛ وكلما اتسعت لها مساحة الحرية والكرامة، اتسعت للإنسانية نفسها آفاق النور.