الجامعة والمرأة: القوتان الطليعيتان في المجتمع الإيراني ضد القمع الممنهج



هدى مرشدي
2026 / 10 / 21

إذا أردنا فحص وتقييم "القوة المحركة للتغيير" في إيران ضمن صياغة دقيقة، فلابد لنا من التطرق بالتزامن إلى ميدانين تحمّلا العبء الأكبر من دفع الأثمان على مدى عقود "الجامعة" و"المرأة". هذان الميدانان لم يعملا مجرد فئتين اجتماعيتين، بل كشبكتين لإنتاج الوعي، والتنظيم، والمقاومة المدنية؛ ولهذا السبب تحديداً، سعى نظام "ولاية الفقيه" دائمًا إلى كبح جماحهما إما عبر "الإقصاء الهيكلي" (الفصل، الحرمان من الدراسة، التهديد، وفبركة القضايا والملفات الأمنية) أو عبر "السيطرة على الهوية" (فرض قوانين معاداة المرأة وسحق الحريات الفردية).
تعود جذور هذا المواجهة إلى بدايات قيام نظام ولاية الفقيه؛ حين طرحت "الثورة الثقافية" كشروع لتطهير الجامعة وتحويلها إلى بيئة أيديولوجية، مما أدى إلى إغلاق الجامعات لعدة سنوات وتصفية الكوادر التدريسية والطلاب. لم يكن هذا النهج حادثاً تاريخياً عابراً، بل كان نمطاً هزيلاً أعيد إنتاجه بأساليب مختلفة حتى اليوم؛ حيث يتضح أن "الثورة الثقافية" لم تكن مجرد إغلاق للجامعة، بل كانت هندسة لآلية دائمة للسيطرة على إنتاج الفكر ومنع تشكُّل "مؤسسة اجتماعية مستقلة". وقد كان الخميني شخصياً وفي عدة خطابات يعتبر الجامعة مظهراً للفساد الفكري والاجتماعي، وقائلًا إن "كل مصائبنا تعود إلى الشريحة الجامعية والجامعيين"، وسعى إلى إعادة تنظيم وتشكيل كافة المراكز العلمية بما يتوافق مع أفكاره المتخلفة. وفي السنوات الأخيرة، استمر هذا النمط بصورة أخرى: "الطلاب الموسومون بالنجمة"، الأحكام التأديبية، الفصل الحرمان من الدراسة، وتحويل الجامعة إلى ساحة للحضور الأمني.

5 آلاف ملف أمني ضد الجامعة
نقرأ في أحد التقارير الصادرة في خريف عام 2025 عن الحديث "أكثر من خمسة آلاف" ملف وحكم تأديبي وفصل وحرمان من الدراسة منذ عام 2022 فصاعداً، مع التأكيد على أن حتى تغيير الحكومة لم يعنِ الإلغاء الفعلي لهذه الآلية.
أما الضلع الثاني في هذه الساحة فهو المرأة؛ النساء اللاتي يمثلن في الوقت نفسه هدفاً للقمع ومحركاً دافعاً للاحتجاجات. فمن جهة، تحول الضغط على حياة النساء وحرياتهن الفردية خياراتهن (من الزي إلى العمل والمشاركة الاجتماعية) إلى أداة للحكم؛ ومن جهة أخرى، أدّى هذا الضغط الهيكلي ذاته إلى راديكالية المطالب وتوسع الفعل الجمعي. بحيث نرى أن مجمل المواد والمضامين المنشورة حول دور المرأة في الانتفاضات تحمل محوراً مشتركاً يؤكد أن: النساء لسن مجرد "حاضرات" في الاحتجاجات، بل هنّ "المحركات" و"المصممات التنظيميات" لها، ونتيجة لذلك فإن ثمن القمع يتضاعف عليهن أيضاً.
إن نقطة الالتقاء بين الجامعة والمرأة تنبع تماماً من هنا: الجامعة كفضاء لإنتاج الشبكات والرسائل، والمرأة كقوة للتغيير ورابط ينقل الاحتجاج من "المطالبة" إلى "الحركة". ولهذا السبب، وفي موجات الاحتجاجات وتمددها، تحول تركيب "الطلاب والنساء" إلى إحدى أكثر النقاط حساسية بالنسبة للجهاز الأمني. وفي تقرير حول الصدى الواسع للتظاهرات والاحتجاجات، أُشير إلى تحديد هوية "109 طلاب لقوا حتفهم" حتى تاريخ 8 شباط (فبراير) 2026 - وهو رقم يثبت حقيقة رئيسية بغض النظر عن أي تباين إحصائي: الجامعة ليست مجرد مكان لترديد الشعارات، بل هي موضع دفع الثمن المباشر لتمزيق ستائر القمع وصولاً إلى الحرية.

الجامعة ساحة عامة للاحتجاج
ومن الزاوية الحقوقية والقانونية أيضاً، فإن ما يحدث في الجامعات وضد النساء ليس مجرد "شأن داخلي". إن الحق في التعليم، وحرية التعبير والتجمع، وحظر التمييز الجنساني، والحق في الأمن الشخصي، هي أعمدة المعايير العالمية لحقوق الإنسان؛ وحينما يتحول "الحرمان من الدراسة"، و"الاحتجاز التعسفي"، و"التهديد القضائي"، و"الضغط على العائلات" إلى أدوات للسيطرة، فإننا نكون أمام انتهاك ممنهج للحقوق الأساسية - وهو انتهاك لا تقتصر تبعاته على قمع اليوم فحسب، بل يمتد لتدمير رأس المال البشري لإيران الغد.

النتيجة:
إن أي تقييم واقعي لمسار التحولات في إيران سيكون ناقصاً دون الفهم المتزامن لدور الجامعة والمرأة معاً. قد يتمكن جهاز القمع الحاكم لفترة من الوقت من السيطرة على الجامعة بفبركة الملفات وعلى النساء بالإكراه، لكن التجربة أثبتت أن هذين الميدانين والقوتين الطليعيتين يعودان في كل مرة بشاكلة جديدة؛ لأن لهما جذوراً اجتماعية وذاكرة تاريخية. إنهما لسان المجتمع - وحين لا يُقطع لسان المجتمع، فإن القمع لا يشتري سوى الوقت، لا المستقبل.