المرأة… حين تصير الحياة أكثر اتساعًا بقلم: انتصار الخشت



انتصار كامل جفلان الخشت
2026 / 10 / 22

ثمة أرواحٌ خُلقت لتضيء عتمة الآخرين، حتى إن نسيت، في زحام العطاء، أن تمنح نفسها شيئًا من الضوء. وثمة قلوبٌ تحمل من العالم ما لا تبوح به، وتخفي خلف ابتسامتها حكاياتٍ لو نطقت بها الجدران لبكت، ولو أنصتت إليها السماء لأمطرت مواساةً على الأرض. وفي قلب هذه الحكايات تقف المرأة؛ لا بوصفها ظلًّا لأحد، ولا باعتبارها يدًا تمتد لتمنح ثم تنسحب في صمت، بل بوصفها إنسانًا كاملًا، تختزن روحه من الأحلام ما يستحق الحياة، ومن القوة ما يستحق الاعتراف، ومن الكرامة ما لا يجوز أن يكون موضع مساومة.

المرأة التي تعبر يومها بين مسؤولياتٍ لا تنتهي، وتجمع شتات بيتٍ أنهكته الحياة، وتزرع الطمأنينة في قلوبٍ قلقة، ثم تخلو إلى نفسها في آخر الليل لتسأل قلبها عمّا بقي له من أحلام، ليست مجرد صورةٍ للصبر؛ إنها حكاية إنسانٍ يتطلع إلى أن يُرى كما هو، لا كما يريد الآخرون له أن يكون. كم من امرأةٍ أخّرت حلمها كي لا ينطفئ حلم أبنائها، وكم من فتاةٍ أخفت موهبتها خلف جدار الخوف، وكم من عقلٍ لامعٍ انتظر طويلًا فرصةً عادلة، لا لأنه عاجز عن الوصول، بل لأن الطريق لم يكن مفتوحًا أمامه بالقدر نفسه.

والمؤلم في حكاية المرأة ليس ما تحمّلته وحده، بل ما اعتاده العالم من قدرتها على التحمّل؛ حتى صار صبرها، في بعض العيون، مبررًا لمزيدٍ من الأعباء، وصارت تضحيتها واجبًا لا يُشكر، ونجاحها استثناءً يُحتفى به بدلًا من أن يكون حقًّا طبيعيًّا في مجتمعٍ عادل. وكأن عليها أن تثبت كل يوم أنها تستحق مساحةً من الحياة، وأن تبرهن على جدارتها في ميادين لم يكن ينبغي أن تُغلق أبوابها في وجهها من الأساس.

لكن المرأة ليست مطالبةً بأن تنزف كي تثبت قوتها، ولا بأن تتنازل عن نفسها كي تثبت محبتها، ولا بأن تصمت كي تحافظ على سلام الآخرين. إن قوتها الحقيقية لا تكمن في احتمال الظلم، بل في قدرتها على النهوض منه؛ ولا في إخفاء وجعها، بل في امتلاك الحق في التعبير عنه؛ ولا في أن تحمل الجميع على كتفيها، بل في أن تجد عالمًا يشاركها الحمل، ويحفظ لها حقها في أن تستريح وتحلم وتختار.

من هنا، لا ينبغي أن يكون الحديث عن المرأة قصيدةً عابرةً في جمالها، أو احتفاءً موسميًّا بتضحياتها، أو كلماتٍ رقيقةً تُقال ثم تنساها الممارسات اليومية. ينبغي أن يكون سؤالًا جادًّا عن العدالة، وعن الفرص التي تُمنح أو تُحجب، وعن الحقوق التي تُصان أو تُنتهك، وعن مجتمعٍ يريد من المرأة أن تسهم في بناء المستقبل، لكنه لا يفتح لها دائمًا أبواب المشاركة فيه.

إن إنصاف المرأة ليس منحةً من أحد، ولا معركةً لإثبات أن طرفًا أفضل من طرف؛ إنه استعادةٌ لحق الإنسان في أن يعيش بكرامة، وأن يتعلم دون عوائق، ويعمل دون تمييز، ويأمن دون خوف، ويصنع مستقبله دون أن تُختزل قيمته في الأدوار التي يؤديها للآخرين.

فالمرأة لا تحتاج إلى عالمٍ يصفها بالقوة بقدر ما تحتاج إلى عالمٍ لا يستغل قوتها، ولا إلى كلماتٍ تمجّد صبرها بقدر ما تحتاج إلى واقعٍ يقلّل أسباب ألمها. إنها تستحق ألّا يكون ثمن النجاح استنزاف روحها، ولا ثمن الحب ضياع ذاتها، ولا ثمن القبول أن تتخلى عن صوتها.

ومن هذا المعنى تبدأ حكايتنا؛ لا من السؤال عمّا تقدمه المرأة للعالم فحسب، بل من السؤال الأعمق: ماذا ينبغي للعالم أن يقدم للمرأة كي تعيش إنسانيتها كاملة؟