المرأة و الحق في الأمان الرقمي: من الابتزاز الإلكتروني إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 10 / 22

لم تعد المخاطر التي تواجه المرأة مقتصرة على الشارع أو مكان العمل أو داخل الأسرة، فقد أصبحت البيئة الرقمية مجالاً آخر يمكن أن تتعرض فيه للتهديد و الابتزاز و التشهير و انتهاك الخصوصية. و مع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت بعض أشكال العنف التقليدي إلى الفضاء الإلكتروني، لكنها اكتسبت خصائص جديدة تجعل آثارها أكثر انتشاراً و صعوبة في الاحتواء. فصورة شخصية قد تتحول إلى وسيلة للابتزاز، و رسالة خاصة قد تستخدم للإساءة إلى السمعة، و خلاف عابر قد يتطور إلى حملة تشهير تستمر آثارها سنوات. و هنا يبرز سؤال يتعلق بمدى قدرة المجتمع و مؤسساته على حماية حق المرأة في الأمان الرقمي، باعتباره امتداداً لحقوقها الأساسية في الخصوصية و الكرامة و حرية التعبير.
يشير مفهوم العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي إلى الممارسات التي تستهدف الأفراد بسبب جنسهم أو تستغل علاقات القوة و التمييز المرتبطة بالنوع الاجتماعي، باستخدام وسائل الاتصال و التقنيات الحديثة. تشمل هذه الممارسات التهديد بنشر الصور الخاصة، و الملاحقة الإلكترونية، و انتحال الهوية، و نشر المعلومات الشخصية دون موافقة أصحابها، فضلاً عن التحرش و الإساءة اللفظية. و على الرغم من أن الرجال قد يتعرضون لهذه الانتهاكات أيضاً، فإن النساء يواجهن في بعض المجتمعات عواقب اجتماعية أشد، بسبب ارتباط السمعة الشخصية بأحكام اجتماعية قد تحمل الضحية مسؤولية الاعتداء الواقع عليها.
تكشف الإحصاءات الدولية أن هذه المشكلة ليست محدودة الانتشار. فقد أظهرت دراسة نشرتها منظمة اليونسكو بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في كانون الأول 2025 أن 75% من الصحفيات المشاركات في الاستطلاع تعرضن للعنف الإلكتروني أثناء ممارسة عملهن، مقارنة بنسبة 73% في دراسة سابقة عام 2020. و الأهم أن نسبة المشاركات اللواتي ربطن الاعتداءات الرقمية بأضرار أو اعتداءات خارج الإنترنت ارتفعت من 20% إلى 42% بين الدراستين. و رغم أن هذه النتائج تخص عينة مهنية محددة، و لا يمكن تعميمها على جميع النساء، فإنها تكشف العلاقة المتزايدة بين التهديد الإلكتروني و السلامة الشخصية في الواقع.
أما في العراق، فتكتسب المشكلة أبعاداً اجتماعية إضافية. فالابتزاز الإلكتروني لا يعتمد دائماً على امتلاك معلومات خطيرة أو صور خاصة، بل قد يكفي التهديد بنشر محادثة أو صورة عادية لإثارة الخوف من ردود فعل الأسرة أو المجتمع. و في بعض الحالات، يصبح خوف المرأة من الفضيحة أشد من خوفها من المعتدي نفسه، الأمر الذي يمنح المبتز قدرة على التحكم بسلوكها و قراراتها. و قد يؤدي ذلك إلى الانسحاب من الدراسة أو العمل أو إغلاق الحسابات الشخصية، بينما يبقى المعتدي قادراً على مواصلة نشاطه.
و من الجوانب التي تستحق الاهتمام أن العنف الرقمي لا ينتهي دائماً عند توقف التهديد. فقد تستمر آثاره النفسية و الاجتماعية لفترات طويلة، خصوصاً عندما تنتشر المعلومات أو الصور بين أعداد كبيرة من المستخدمين. كما أن سهولة إعادة النشر تجعل السيطرة على المحتوى المسيء أكثر تعقيداً. و مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت مخاطر إضافية تتعلق بتوليد صور و مقاطع مزيفة تبدو واقعية، و يمكن استخدامها للإساءة إلى النساء دون وجود أي مادة أصلية تخصهن. و قد أشار تقرير اليونسكو لعام 2025 إلى أن 24% من المشاركين في استطلاع شمل صحفيات و مدافعات عن حقوق الإنسان و كاتبات أبلغوا عن تعرضهم لعنف إلكتروني بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
و هنا تبرز مسؤولية المؤسسات القانونية و الأمنية، ليس فقط في ملاحقة مرتكبي الابتزاز، بل أيضاً في توفير إجراءات آمنة و سرية للإبلاغ. فالمرأة التي تخشى تسرب تفاصيل شكواها قد تتردد في اللجوء إلى الجهات المختصة، خصوصاً إذا كانت تتوقع أن تتحول القضية إلى موضوع للتداول الاجتماعي. و لذلك فإن فعالية الحماية القانونية لا تقاس بعدد القضايا المسجلة وحده، بل بمدى قدرة المؤسسات على حماية المشتكية، و حفظ الأدلة الرقمية، و سرعة التعامل مع التهديدات، و ضمان عدم تعرض الضحية لمزيد من الأذى أثناء الإجراءات.
و لا يمكن إغفال مسؤولية الأسرة و المؤسسات التعليمية. فالتوعية بالأمان الرقمي ينبغي ألا تتحول إلى سلسلة من القيود المفروضة على النساء، مثل منع استخدام وسائل التواصل أو نشر الصور الشخصية. إن تعليم حماية الحسابات و البيانات، و التعرف على أساليب الاحتيال و الابتزاز، و الاحتفاظ بالأدلة عند التعرض للتهديد، يمثل مساراً أكثر فاعلية من المنع. كما أن توعية الشباب باحترام الخصوصية و المسؤولية القانونية عن نشر المحتوى المسيء لا تقل أهمية عن توعية الفتيات بمخاطر استخدام الإنترنت.
كذلك تتحمل شركات التواصل الاجتماعي جزءاً من المسؤولية، فهي تمتلك أدوات تقنية تستطيع من خلالها الحد من انتشار المحتوى المسيء و الاستجابة لطلبات الإزالة. غير أن الحذف وحده لا يكفي دائماً، خصوصاً عندما تكون المادة قد انتقلت بين منصات متعددة. و لهذا تبدو الحاجة واضحة إلى آليات أكثر سرعة و شفافية لمعالجة الشكاوى، مع ضمان عدم استخدام إجراءات الحماية ذريعة لتقييد حرية التعبير أو فرض رقابة غير مبررة على المستخدمين.
برأيي المتواضع فإن حماية المرأة في الفضاء الرقمي تبدأ من تغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى ضحية الابتزاز. فالمرأة التي تتعرض للتهديد ليست مسؤولة عن الجريمة لمجرد أنها امتلكت حساباً شخصياً أو تبادلت رسالة أو وثقت بشخص آخر. و لا ينبغي أن تصبح المحافظة على السمعة مبرراً للصمت عن الاعتداء أو التنازل عن الحقوق. إن المطلوب هو نقل المسؤولية الاجتماعية و القانونية إلى مرتكب الانتهاك، و توفير بيئة تشجع النساء على الإبلاغ دون خوف من التشهير أو الإدانة الاجتماعية. و لن تتحقق هذه الحماية بالقوانين وحدها، ما لم تترافق مع ثقافة تحترم الخصوصية و ترفض استغلالها. فالأمان الرقمي ليس امتيازاً تمنحه الأسرة أو المجتمع للمرأة، بل حق أساسي يجب أن تتمتع به دون أن تضطر إلى الاختيار بين حريتها و سلامتها.