|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

انتصار كامل جفلان الخشت
!--a>
2026 / 10 / 25
في حياة كل امرأةٍ حكايةٌ لا يعرفها أحد؛ فصلٌ مطويٌّ بين ضلوعها، ورسائل لم تجرؤ على كتابتها، وأحلامٌ خبّأتها في أدراج الروح خشية أن تمتد إليها يدٌ فتسخر منها أو تنتزعها. قد تراها عابرةً في الطريق، تبتسم، وتلقي السلام، وتؤدي ما عليها من واجبات، لكنك لا تعرف كم مرةً أعادت ترتيب قلبها بعد أن بعثرته الحياة، وكم مرةً جمعت شتات نفسها كي لا يشعر أحدٌ بأن شيئًا قد انكسر.
المرأة ليست وجهًا تراه العين، ولا صوتًا تألفه الأذن، ولا دورًا اجتماعيًّا تؤديه ثم تعود منه إلى بيتها؛ إنها عوالم متراكبة، كمدينةٍ قديمةٍ تتجاور فيها القصور المهجورة والنوافذ المضاءة، وتحتفظ كلُّ نافذةٍ بسرٍّ لا يعرفه المارّة. وفي أعماقها بحرٌ قد يبدو ساكنًا، بينما تتنازع قاعه عواصف لا تصل أمواجها إلى الشاطئ.
كم من امرأةٍ أجادَت إنقاذ الآخرين، ولم تجد يدًا تنتشلها من تعبها! وكم منهن أصبحن ملاذًا لمن ضاقت بهم الأرض، ثم وقفن أمام أحزانهن بلا بابٍ يُطرَق، ولا كتفٍ يُستند إليه! كأنما أُوكل إليهن أن يكنَّ ضوءًا للجميع، دون أن يسأل أحدٌ إن كانت مصابيحهن لا تزال تحتمل الزيت الأخير.
ولعل أكثر ما يُرهق المرأة ليس الألم ذاته، بل اضطرارها إلى إخفائه: أن تتوجع وتبتسم، وأن تخسر وتواسي، وأن تُخذل ثم تبحث للآخرين عن أعذارٍ تُبقي صورتهم جميلةً في عينيها. وقد تبلغ بها الحكمة مبلغًا يجعلها تصمت حيث ينبغي أن تصرخ، وتتجاوز حيث ينبغي أن تتوقف، وتغفر حتى تكاد تنسى أن للغفران حدودًا، وأن القلب الذي يسامح ليس مطالبًا بأن يظل مفتوحًا لكل عابر.
غير أن للروح لحظةً تسترد فيها مفاتيحها؛ لحظةً تنظر فيها المرأة إلى عمرها، فتدرك أنها أنفقت أعوامًا طويلةً في ترميم ما يهدمه الآخرون، وأنها نسيت، وسط انشغالها بإنقاذ البيوت، أن تتفقد البيت الذي يسكنها. عندها لا تصبح قاسيةً، بل أكثر معرفةً بقيمة قلبها؛ لا تتخلى عن العطاء، لكنها تكفُّ عن تقديم نفسها قربانًا لكل من لم يتعلم كيف يصون النعمة.
إن نضج المرأة لا يُقاس بقدرتها على الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل بقدرتها على التمييز بين ما يستحق الصبر وما يستنزف العمر، وبين محبةٍ تُزهر بها الروح وتعلُّقٍ تذبل فيه الكرامة، وبين تضحيةٍ تنبع من الاختيار وتنازلٍ يُنتزع منها باسم الواجب.
وليس كلُّ صمتٍ رضا، ولا كلُّ ابتعادٍ كبرياء، ولا كلُّ ابتسامةٍ دليل عافية. فبعض النساء يغادرن الأماكن قبل أن تغادرها أجسادهن، ويطفئن في داخلهن مصابيح كثيرةً قبل أن يلاحظ أحدٌ أن النور قد تغيّر. وحين يقررن الرحيل، قد لا يرفعن أصواتهن، ولا يتركن وراءهن ضجيجًا؛ إنما يكتفين باسترداد ما تبقّى من أنفسهن، ويمضين كأنهن لم يكنَّ يومًا أكثر الناس حرصًا على البقاء.
ومع ذلك، ليست المرأة مشروع حزنٍ دائم، ولا كائنًا خُلق ليحمل الأعباء في صمت؛ ففيها من الدهشة ما يكفي لتبدأ من جديد، ومن الخيال ما يجعلها ترى في الجدار بابًا، وفي الرماد احتمالًا لولادةٍ أخرى. تستطيع أن تتعلم بعد فوات الأوان، وأن تحلم بعد الخيبة، وأن تفتح نافذتها للشمس ولو طال مقام الليل.
إنها لا تحتاج دائمًا إلى من ينقذها؛ فأحيانًا تحتاج إلى من يراها كما هي، لا كما اعتادها، ويُصغي إلى كلماتها دون أن يصادر معناها، ويحترم ضعفها دون أن يستغله، ويقدّر قوتها دون أن يجعلها ذريعةً لإلقاء المزيد من الأعباء على كتفيها.
فالمرأة التي لا يراها أحد قد تكون هي التي تحفظ للجميع وجوههم من الانكسار، وتمنح أيامهم معنى، وتزرع في عتمتهم ما يكفي من الضوء كي يعبروا. لكن من حقها، هي الأخرى، أن تجد من يضيء لها الطريق.
فليس أعظم ما في المرأة أنها تستطيع أن تتحمل العالم فوق كتفيها، بل أنها، رغم كل ما حملت، لا تزال قادرةً على أن تحلم بعالمٍ لا يُطلب منها فيه أن تنكسر كي يطمئن الآخرون إلى قوتها.