العراب يزن يكتب عن: سماسرة الكرامة: حين يتحول ضيق الحال إلى اتجار بالبشر



يزن تيسير سعاده
2026 / 10 / 28

في كل مجتمع تظل هناك زوايا مظلمة يُفضل الكثيرون غض البصر عنها، أو الاكتفاء بلعنها في العلن وممارستها أو تجاهل مسبباتها في الخفاء. وتأتي ظاهرة "الدعارة الليلية" أو سوق الاستغلال في ظلال العتمة كواحدة من أكثر القضايا المسكوت عنها تعقيداً، فهي ليست مجرد سلوك فردي منحرف أو خروج عن منظومة القيم، بل هي في جوهرها شكل صريح من أشكال "الاتجار بالبشر" وعرض لمرض أشد خطورة ينهش في جسد المجتمع.

إن قراءة هذه الظاهرة بعين منصفة وتحليل واقعي تتطلب منا الخروج من حلقة الإدانة الأخلاقية السطحية، لنغوص في تفكيك شبكات الاستغلال والمسببات الحقيقية التي تدفع بالأفراد إلى مسارات تبتلع كرامتهم وإنسانيتهم.

لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن واقع الاقتصاد المأزوم وسوق النخاسة الحديث. فعندما تتسع رقعة الفقر، وتنسد الآفاق، وتتراجع معدلات التنمية الحقيقية، تُستغل الضغوط المعيشية كأداة للسيطرة وسلب الإرادة. إن اشتداد الحاجة يفتح الباب واسعاً لسماسرة البشر وتجار الأزمات ليصطادوا الفئات الأكثر هشاشة، حيث يُحاصر الفرد تحت وطأة الظروف القاسية التي تحول حياته إلى مصيدة. هنا يرتدي الاتجار بالبشر ثوباً ناعماً ولكنه قاهر، فحين يعجز الاقتصاد عن صيانة كرامة الإنسان، يصبح الجسد والضمير في مرمى المساومة والاستغلال التجاري في سوق البقاء.

إن خط الدفاع الأول والأخير عن الفرد هو المظلة الاجتماعية والروابط الإنسانية السليمة. ومما يعمّق هذه الظاهرة ويجعل الضحايا صيداً سهلاً لشبكات الاستغلال، هو حالة التفكك الأسري وغياب التوجيه الواعي وتراجع دور مؤسسات التنشئة المجتمعية.

فحين يفقد الفرد مظلة الدعم النفسي والاجتماعي، ويتعرى من التكافل الحقيقي، يصبح مخترقاً ومجرداً من أي حماية تفصله عن الوقوع في شباك الإتجار. إن اختلال ميزان القرب والتواصل الإنساني داخل الأسرة والمجتمع يترك الأفراد يواجهون مهب الريح بمفردهم، مما يجعل الوقوع في قاع السلعية نتيجة طبيعية لغياب الاحتواء.

يمارس الشارع في كثير من الأحيان حالة من الإنكار والهروب إلى الأمام، متجاهلاً الحقيقة الساطعة بأننا أمام جيل جديد من سماسرة الكرامة. فنرى إدانة علنية قاسية للمظاهر الليلية ومعاقبة للضحية، في حين يُغض الطرف عن تجار الشبح، وعن "الطلب" الذي يخلق هذا العرض، وتُجاهل المنظومات التي تتيح لهذه الجريمة أن تنمو وتزدهر خلف الكواليس. إن هذا النفاق المجتمعي الذي يكتفي بجلد الضحايا وتجاهل الجناة الحقيقيين وشبكات الاستغلال، هو مجتمع يطارد سراباً ويكتفي بتسكين الألم دون استئصال المرض.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمواعظ التقليدية وحدها، ولا بالإجراءات الأمنية السطحية التي تنظف الشوارع ليلاً لتترك شبكات الاتجار تنشط نهاراً أو خلف الشاشات.
العلاج الحقيقي يبدأ من تجريم كافة أشكال الاستغلال والتصدي لها كقضايا اتجار بالبشر، بالتوازي مع تمكين اقتصادي وعدالة اجتماعية توفران فرص عمل وحياة كريمة.
كما يستوجب الأمر إعادة بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز التكافل الأسري لحماية المستضعفين. إن صيانة أخلاق المجتمع لا تبدأ من رصد السقطات، بل من صيانة الإنسان وتوفير البيئة التي تحفظ له كرامته، وتضمن له ألا يقع ضحية لتجار الحاجة والبشر.