خديجة البخاري: امرأة من زمن الجمر والرصاص



محسين الشهباني
2026 / 10 / 31

«أمامك عرس طغاة
ومرثاة أم حزينة
وخلف الستائر، أقمارنا
بقايا عفونة
وزنزانتي... موصدة!
ملونة يا كؤوس الطفولة
بطعم الكهولة»
— الكبير م/ د
ثمة جراح لا يطويها الزمن، وذاكرة لا تستسلم للنسيان، مهما طال الصمت أو تبدلت الوجوه. وحين تستفيق الجراح، فإنها لا تستحضر الألم وحده، بل تعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول الحقيقة والإنصاف والكرامة. من هذه الذاكرة تستعيد خديجة البخاري، المعتقلة السياسية السابقة والمناضلة اليسارية، فصلاً من تاريخ سنوات الجمر والرصاص، حين كان الحلم بمغرب مختلف يضع أصحابه في مواجهة الاعتقال والتعذيب والسجن.
إن استحضار سيرتها ليس مجرد عودة إلى ماضٍ بعيد، بل مساءلة لحاضر لم يستكمل بعد كل أسئلة المصالحة: ماذا بقي من ذاكرة الانتهاكات؟ وهل يكفي الاعتراف بما جرى، من دون استكمال الحقيقة وجبر الضرر وصون الكرامة وضمان عدم التكرار؟
سبعينيات مشتعلة وذاكرة ابن جرير
كانت سبعينيات القرن الماضي زمناً حافلاً بالآمال والتوترات، حين تحولت الثانويات والجامعات والأندية الثقافية إلى فضاءات للنقاش السياسي والفكري، وللتطلع إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. لم تكن المدرسة مجرد طريق إلى الشهادة والوظيفة؛ فقد كانت، في جانب من حيويتها، مجالاً لتكوين الوعي ومناقشة قضايا الوطن والمجتمع.
وفي هذا المناخ برزت تعبيرات اليسار الجديد، ومنها منظمات «إلى الأمام» و«لنخدم الشعب» و«23 مارس»، كما عرفت الأوساط التلاميذية نشاطاً نقابياً من خلال النقابة الوطنية للتلاميذ. غير أن هذا الحراك اصطدم بحملات القمع والملاحقة والاعتقال والتعذيب، في سياق ما عُرف بسنوات الجمر والرصاص.
وفي ابن جرير، التي تعنينا هنا من خلال سيرة خديجة البخاري، ارتبطت ذاكرة الاعتقال السياسي بأسماء مناضلين من بينهم المرحوم محمد الموفق، المعروف بـ«البركة»، والفقيد عبد الكريم الدرقاوي، المنحدر من دوار السبيتات، إلى جانب خديجة التي كانت شابة في مقتبل العمر، منخرطة في أجواء النضال التلاميذي واليساري.
لم تكن خديجة تكتفي بالانتماء إلى محيط سياسي؛ فقد كانت تعيش انشغالها بقضايا الكادحين في تفاصيل حياتها اليومية. خلال فترات الصيف، كانت تعود إلى الدوار، وتشارك في أعمال الحصاد وغيرها من الأعمال الشاقة إلى جانب الرجال، في صورة تختزل ارتباطها العملي بعالم الفقراء والكادحين.
كما كانت تفتح النقاش حول الفكر والسياسة مع بعض رجالات الدوار، ومن بينهم شقيقها المرحوم البشير البخاري والمرحوم عبيدة المستعين. ويروي الصديق عبد الله نجباح أنه تلقى كتاب لينين «ما العمل؟» هدية من خديجة، حين كان في بدايات تشكل وعيه السياسي خلال الموسم الدراسي 1975-1976. وتكشف هذه الواقعة عن مناضلة لم تكن ترى في المعرفة ترفاً، بل وسيلة لتوسيع الوعي وتقاسم الأفكار مع الآخرين.
«عبد الله»: اسم مستعار خلفه جسد معذّب
درست خديجة البخاري بكوليج ابن جرير، ثم انتقلت إلى ثانوية محمد الخامس بمراكش، حيث حصلت على شهادة الباكالوريا خلال الموسم الدراسي 1975-1976، قبل أن تتابع دراستها الجامعية بالرباط في شعبة الفلسفة، مع اهتمام بعلم الاجتماع.
لكن مسارها الدراسي انقطع تحت وطأة القمع، إذ اعتُقلت سنة 1977، لتدخل تجربة قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي في المعتقل السري بدرب مولاي الشريف، قبل أن ينتهي بها مسار الاعتقال إلى سجن مكناس، حيث اقترنت بالمرحوم محمد الكلعي، الذي أصبح رفيق دربها وزوجها.
في المعتقل، لم يستهدف العنف أجساد المعتقلات وحدها، بل طال هويتهن أيضاً. فقد كان الجلادون ينادون خديجة باسم «عبد الله»، تمويهاً على وجود النساء داخل المعتقل، في محاولة لمحو حضورهن وإخفاء حقيقة اعتقالهن السياسي.
وقد وثقت فاطنة البيه جانباً من هذه المعاناة في روايتها «حديث العتمة»، حيث كتبت:
«قضينا أربعة أشهر بهذا المعتقل السري، كنا سبع فتيات من بين أزيد من مائة معتقل، كنا ننام في الممر، بينما ينام الذكور داخل القاعات. وللتمويه على وجود إناث داخل المعتقل، كان ينادى علينا بأسماء الذكور، فكنت أدعى سعيد أو الطويل أو الدكالي» (ص 123).
وتضيف في موضع آخر:
«جردوني من اسمي وأسموني رشيد» (ص 115).
وتنقل الرواية كيف اختار الحراس أسماء ذكورية للمعتقلات، في سلوك يكشف عن عنف مزدوج: قمع سياسي يستهدف المواقف والاختيارات، وعنف ذكوري يعاقب المرأة لأنها اقتحمت مجال السياسة وتجاوزت الأدوار التي رسمها لها المجتمع.
وراء الاسم المستعار «عبد الله» كانت هناك خديجة، الشابة التي اختارت المشاركة في الشأن العام، فوجدت نفسها في مواجهة التعذيب والإذلال. ولم تكن تجربتها حالة معزولة، بل جزءاً من محنة نساء مغربيات تعرضن للاعتقال بسبب انخراطهن في النضال السياسي. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح والشهيدة سعيدة المنبهي، التي استشهدت يوم 11 دجنبر 1977 بعد الإضراب عن الطعام الذي خاضه معتقلون سياسيون للمطالبة بحقوقهم.
من الاعتقال إلى استعادة الحياة
بعد الإفراج عنها، عادت خديجة إلى استكمال دراستها، فحصلت على الإجازة، ثم التحقت بمركز تكوين المعلمين والمعلمات. وبعد تخرجها، اشتغلت أستاذة للتعليم الابتدائي بالدار البيضاء إلى أن أحيلت على التقاعد.
يحمل هذا المسار دلالة تتجاوز استئناف الدراسة والعمل بعد الاعتقال؛ فهو يعكس إرادة مواصلة الحياة رغم آثار تجربة قاسية لا تنتهي بالضرورة عند مغادرة السجن. لقد عادت خديجة إلى المدرسة، هذه المرة أستاذة، لتواصل حياتها المهنية بعد أن كانت المدرسة نفسها إحدى فضاءات تشكل وعيها السياسي.
لكن المحن لم تتوقف عند تجربة الاعتقال. فقد فقدت رفيق دربها وزوجها المرحوم محمد الكلعي، ثم زوج شقيقتها، قبل أن تفجع برحيل شقيقها المناضل الحقوقي والسياسي المرحوم البشير البخاري، الذي ترك رحيله أثراً في ابن جرير وبين مختلف الفئات التي عرفته.
وهكذا تراكمت في حياتها خسارات شخصية ونضالية، تختلط فيها الذاكرة العائلية بذاكرة الرفقة والنضال. وهي جوانب تذكّرنا بأن أصحاب السير السياسية ليسوا مجرد أسماء في سجلات التاريخ؛ إنهم بشر يحبون ويفقدون، ويواجهون الألم، ويحاولون مواصلة الحياة بما تبقى لهم من قوة.
المصالحة التي لم تكتمل
تضعنا سيرة خديجة البخاري أمام سؤال الإنصاف والمصالحة مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب. لقد شكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة محطة مهمة في الاعتراف بما جرى، والاستماع إلى شهادات الضحايا، والتوصية بجبر الضرر وإصلاحات تروم ضمان عدم التكرار.
غير أن أهمية هذه التجربة لا تعني أن جميع أسئلة الماضي قد وجدت أجوبتها، أو أن آثار الانتهاكات قد زالت. فالمصالحة ليست إعلاناً يطوي صفحة بمجرد صدوره، ولا تعويضاً مادياً ينهي وحده معاناة الضحايا؛ إنها مسار يتطلب الحقيقة والاعتراف والإنصاف وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسسات وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان.
إن استحضار تجربة خديجة وغيرها من المعتقلات والمعتقلين السابقين ينبغي ألا يتحول إلى طقس موسمي لاستعادة صور الألم، بل إلى مناسبة لتثبيت الذاكرة في الوعي الجماعي، حتى لا يُختزل الماضي في رواية عابرة أو يُمحى من ذاكرة الأجيال الجديدة.
والمطالبة باستكمال المصالحة لا تعني إنكار ما تحقق، بل التنبيه إلى أن الإنصاف لا يكتمل ما دامت بعض الأسئلة معلقة، وما دام حفظ الذاكرة والاعتراف بمعاناة الضحايا يحتاجان إلى مزيد من العمل. فالسلام الاجتماعي لا يُبنى على الصمت، والكرامة لا تستعاد بالنسيان، والثقة لا تتعزز إلا باحترام الحقوق وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
سلاماً لخديجة... ولذاكرة لا تنطفئ
سلاماً لخديجة البخاري، يوم دخلت عتمة درب مولاي الشريف، وانتُزع منها اسمها لتُنادى باسم «عبد الله». سلاماً لها في مسارها الدراسي والمهني، وفي ما تقاسمته مع رفيق دربها الراحل محمد الكلعي، وفي حزنها على شقيقها المناضل البشير البخاري، وفي كل ما تحمله من ذاكرة زمن جمع بين الحلم والقمع، وبين التضحية والفقد.
وسلاماً لكل النساء اللواتي واجهن الاعتقال لأنهن اخترن التفكير والمشاركة والفعل، ولكل المعتقلين السياسيين وأسرهم، ولكل من ظل يطالب بالحقيقة والإنصاف وصون الكرامة.
إن الوفاء لخديجة لا يكون بتمجيد صمودها وحده، بل أيضاً بصون حقها وحق سائر الضحايا في الذاكرة والاعتراف والإنصاف. فالمصالحة لن تكتمل بمجرد مرور الزمن، وإنما حين تتحول الحقيقة إلى وعي جماعي، والاعتراف إلى إنصاف، والذاكرة إلى التزام يحمي الحقوق ويمنع تكرار المأساة.
سلاماً لخديجة، امرأة من زمن عاصف ودموي، وسلاماً لذاكرة ابن جرير وذاكرة الوطن؛ فالجراح التي استفاقت لا تطلب البكاء على الماضي وحده، بل تطالب بحاضر أكثر عدلاً وكرامة، وبمصالحة لا تكتمل إلا بإنصاف الإنسان.