المرأة و اقتصاد المهارة: كيف تتحول المواهب إلى فرص للعمل و الاستقلال؟ – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 11 / 1

لم تعد فرص العمل في عالمنا المعاصر مرتبطة بالشهادات الجامعية وحدها، فقد أصبحت المهارات و المواهب الشخصية مصدراً مهماً للدخل و وسيلة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي. و بالنسبة للمرأة، تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة، لأنها تفتح أمامها مجالات للعمل و الإبداع قد لا تتطلب وظيفة تقليدية أو رأس مال كبيراً. لكن امتلاك الموهبة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى فرصة مهنية، فبين اكتشاف الموهبة و الاستفادة منها توجد تحديات تعليمية و اجتماعية و اقتصادية تستحق المناقشة.
في مجتمعاتنا، تمتلك نساء كثيرات مواهب متنوعة في الرسم و الموسيقى و التصوير الفوتوغرافي و التصميم و الكتابة و الصناعات اليدوية، إلى جانب مهارات في البرمجة و الترجمة و التعليم و غيرها. بعض هذه المواهب يظهر منذ الطفولة، و بعضها يتطور بالتعلم و الممارسة. غير أن كثيراً منها يبقى محصوراً في نطاق الهواية أو النشاط المنزلي، دون أن يجد طريقه إلى التطور المهني. و المشكلة ليست دائماً في نقص الموهبة، بل في محدودية الفرص المتاحة لاكتشافها و تنميتها و تقديمها إلى المجتمع.
و يمثل الفن مجالاً مهماً في اقتصاد المهارة، لكنه لا يحظى دائماً بالتقدير الذي يستحقه بوصفه نشاطاً مهنياً يمكن أن يولد الدخل. فالمرأة الموهوبة في الرسم قد تجد فرصاً في تصميم الكتب و الإعلانات، بينما تستطيع الموهوبة في الموسيقى العمل في التعليم و التأليف و الإنتاج الفني. و تنطبق الفكرة على التصوير و التمثيل و التصميم الرقمي. و لا ينبغي اختزال قيمة الفن بالعائد المالي وحده، فهو أيضاً وسيلة للتعبير عن الذات و المشاركة في الحياة الثقافية. لكن الاعتراف بقيمته الإنسانية لا يتعارض مع توفير فرص اقتصادية للعاملات فيه.
و يشير تقرير أصدرته منظمة اليونسكو في أيار 2026 إلى أهمية الصناعات الثقافية و الإبداعية، مع استمرار التفاوت بين الجنسين و هشاشة ظروف العمل فيها. كما يذكر أن 40% من العاملين في هذه الصناعات يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور في بلدانهم، و هو ما يكشف أن امتلاك المهارة لا يضمن بالضرورة دخلاً عادلاً.
أما في العراق، فإن محدودية المشاركة الاقتصادية للمرأة تكشف جانباً من حجم التحدي. فوفق بيانات البنك الدولي المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025، بلغت مشاركة النساء في القوى العاملة نحو 10.9%، مقابل 72.6% للرجال. و تعكس هذه الفجوة عوامل متعددة، منها محدودية الوظائف و مسؤوليات الرعاية الأسرية و صعوبات النقل و بعض القيود الاجتماعية. و من المؤكد أن تطوير المواهب لن يعالج جميع هذه المشكلات، لكنه قد يوفر مساراً إضافياً لتوسيع مشاركة المرأة الاقتصادية.
و هنا تبرز أهمية التمييز بين الموهبة و المهارة المهنية. فقد تمتلك امرأة موهبة فنية متميزة، لكنها تحتاج إلى تعلم أساليب الإنتاج و التسويق و إدارة المشروعات. و قد تكون أخرى بارعة في صناعة الملابس أو المنتجات الغذائية، لكنها لا تعرف كيفية احتساب التكاليف أو تحديد الأسعار. فالموهبة تمنح الإنسان نقطة انطلاق، لكن التدريب و الخبرة هما ما يساعدان على تحويلها إلى عمل مستمر.
لقد وفرت التكنولوجيا فرصاً جديدة أمام النساء، خصوصاً في تسويق الأعمال الفنية و المنتجات اليدوية و تقديم الخدمات الرقمية و التعليم عن بعد. و أصبح بالإمكان الوصول إلى زبائن خارج المدينة أو البلد دون الحاجة إلى متجر تقليدي. لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب معرفة بوسائل الدفع و التسويق و حماية الملكية الفكرية و الأمان الرقمي.
و تستطيع الجامعات و المدارس المهنية و المراكز الثقافية أن تؤدي دوراً أكثر فاعلية في اكتشاف المواهب النسائية، من خلال المعارض و المسابقات و الورش التدريبية و برامج احتضان المشروعات الصغيرة. و ينبغي أن تتجاوز هذه الأنشطة حدود التكريم و شهادات المشاركة، لتشمل متابعة المتدربات و ربطهن بالمؤسسات و الأسواق. كما يمكن للمصارف توفير التمويل و الاستشارات المناسبة، مع إدراك أن القروض وحدها لا تضمن نجاح المشروعات.
و يبقى دور الأسرة أساسياً، فالمرأة التي ترغب في تطوير موهبتها تحتاج إلى وقت و تشجيع و مساحة لاتخاذ القرار. و لا ينبغي النظر إلى هذا الوقت باعتباره نشاطاً ثانوياً، أو حصر خياراتها في الأعمال المنزلية التقليدية، فالمطلوب توسيع فرصها المهنية لا إعادة إنتاج الأدوار القديمة.
برأيي المتواضع فإن استقلال المرأة الاقتصادي لا يبدأ بالضرورة من الحصول على وظيفة، بل من امتلاك القدرة الحقيقية على الاختيار. و تحويل المواهب إلى فرص عمل يمثل أحد المسارات المهمة لتحقيق ذلك، شريطة ألا تتحول الدعوة إلى تنمية المهارات إلى وسيلة لتحميل المرأة وحدها مسؤولية البطالة و ضعف الفرص. فالمجتمع الذي يمنح المرأة فرصة اكتشاف قدراتها و تطويرها، لا يساعدها على تحقيق استقلالها فحسب، بل يستثمر في طاقات علمية و فنية و إبداعية كان يمكن أن تبقى غير مستغلة. و ربما تكون خسارتنا الأكبر ليست في قلة فرص العمل وحدها، بل في المواهب التي لم نمنحها فرصة الظهور أصلاً.