مهرجات العفة والحجاب واجه لمشروع سيطرة على النساء



جوان ميرزا
2026 / 11 / 6

مهرجانات العفة والحجاب: واجهة احتفالية لمشروع السيطرة
مهرجانات العفة والحجاب ليست «احتفاءً بالقيم» كما تُسوَّق، بل أحد أشكال إعادة إنتاج السلطة الذكورية والدين السياسي داخل الفضاء العام. فهي تُحوّل جسد المرأة إلى أرضٍ تُخاض عليها معارك الهوية والشرعية والسيطرة، ثم تُقدّم هذه المعارك بوصفها «تربية» و«حماية» و«تمكين».
المؤسسة الذكورية تُنتج «الفضيلة»
المؤسسة الذكورية لا تكتفي بسيطرة الرجل على الموارد والقرار؛ بل تحتاج إلى إنتاج نساء مطيعات، يُعرِّفن أنفسهن من خلال عين الرجل ومعاييره. ومن هنا تأتي مهرجانات العفة: لتحوّل الانقياد إلى فضيلة، والخوف إلى تواضع، والرقابة إلى رعاية.
المرأة في هذا الخطاب لا تُعامل كفاعل أخلاقي مستقل، بل كرمز يجب حمايته ومراقبته وإدارته. تُقال إنها «كرامة الأسرة» و«سمعة المجتمع» و«واجهة الأمة»، وكأنها ليست إنسانًا له إرادة، بل ممتلكة رمزية تُحرس من العائلة والمدرسة والدين والدولة.

لا يحتاج الإسلام السياسي إلى الحجاب بوصفه ممارسة إيمانية فردية فقط؛ بل يحتاج إليه بوصفه لافتة سياسية. فحين يتحول الحجاب إلى شرط للانتماء وإلى مقياس للالتزام، يصبح أداة لترتيب المجتمع واختبار ولاء الأفراد لمشروع سلطوي أخلاقي.
في هذا المشروع، تُستبدل قضايا العدل والفقر والتعليم والحرية بقضايا الملابس والختان الرمزي للفضاء العام والخوف من «الفتنة». وهكذا يُشغَّل الناس بمراقبة أجساد النساء، بينما تُهمَّش الأسئلة الحقيقية عن السلطة والاستغلال والتفاوت.

«حماية المرأة» كخطاب قمعي
يقول الخطاب الديني السياسي إنه يحمي المرأة من التحرش والانحراف. لكنه في الحقيقة يحمي نظامًا يُبرئ الرجل مسبقًا ويحمّل المرأة مسؤولية اعتدائه. فبدل معاقبة المعتدي، يُعاقَب جسد المرأة بالحجاب الإلزامي، والخفض من الصوت، وتقييد الحركة، والمراقبة المستمرة.
هذه ليست حماية، بل إعادة توزيع للذنب: تُجعل المرأة سببًا في ما يقع لها، والرجل كائنًا عاجزًا عن ضبط نفسه. وبهذا يُبرَّر التحرش أخلاقيًا، ويُصاغ القهر بوصفه «احترامًا» و«حياءً» و«صونًا للعرض».

الحجاب: بين الالتزام واللافتة
يمكن للمرأة أن تختار الحجاب اختيارًا روحيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا، ويجب احترام هذا الاختيار دون تحويله إلى شهادة تفوق أخلاقي. أما حين تُفرض الجوائز والاحتفالات والضغط الأسري والمؤسسي، فيصبح الحجاب أداة تجنيد لا تعبيرًا عن حرية.
الخطاب النسوي الراديكالي لا يطلب «إنقاذ» المرأة المحجبة من دينها أو ثقافتها؛ بل يرفض أن تُستخدم هي رمزًا في صراع رجالي على السلطة. فالمحجبة ليست عدوة حرية القرار والخيار ، ولا غير المحجبة خائنة للأخلاق؛ كلاهما ضحية محتملة لنظام يقيس قيمة المرأة بطريقة ظهورها.
العفة كسوق للطاعة
في هذه المهرجانات، تُوزَّع الجوائز على «الأكثر التزامًا»، فتتحول الفضيلة إلى مسابقة. المرأة لا تكافأ لأنها عادلة أو شجاعة أو عالمة أو حرّة، بل لأنها استجابت للقالب المطلوب: مغطاة، هادئة، خاضعة، مرئية بوصفها «قدوة».
وهنا تكمن وظيفة المؤسسة الذكورية: إنتاج رأسمال رمزي للطاعة. تتعلم الفتاة مبكرًا أن قبولها الاجتماعي مرهون بامتثالها، وأن الخروج عن القالب يعني العار أو الشك أو الإقصاء. إنها تربية على الخوف، لا تربية على العفة.


نحو كسر مشروع السيطرة
النضال النسوي هنا لا يقف عند «حق ارتداء الحجاب» أو «حق خلعه»، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: من يملك حق تحديد معنى العفة؟ ومن يستفيد من تحويلها إلى نظام رقابة؟ ومن يُساءل حين يُعتدى على المرأة؟
المطلوب ليس مهرجانًا آخر للعفة، بل تفكيك البنية التي تجعل جسد المرأة مسؤولًا عن أخلاق المجتمع. المطلوب مجتمع يُحاكم فيه المعتدي لا الضحية، وتُحترم فيه حرية المرأة في اختيار ظهورها، وتُعاد العفة إلى معناها الأخلاقي المشترك: عدل، وصدق، وكرامة، ومسؤولية إنسانية لا جنسية