ضحية أخرى من ضحايا قانون الأحوال الشخصية!

فلورنس غزلان
fozmon@yahoo.fr

2009 / 6 / 24

ـــ " لم أكن أدري أن الطلاق وخراب البيوت سهل لهذه الدرجة في قانوننا ، لم أعرف أني ابنة التاسعة عشرة اليوم سأحمل صفة مطلقة وستلتصق بي هذه الصفة من الآن! ، لم أخرج من بيتي وأنا أفكر أو أسعى للانفصال، كنت أحسب أن زوجي لن يرميني بهذه السهولة، كنت أحسب أنه يحبني وسيسعى لحمايتي وخاصة بعد أن بَشَّرته بأني أحمل له وريثاً! ...ماذا سيكون مصير هذا الولد الذي لن يتربى في كنف والديه؟ ماذنب هذا الصغير حتى يخرج للحياة بعيداً عن بيت يأويه وأمه وأبيه؟
حدقت سعاد بعينيها الغارقتين بالدمع بعيون أخيها وسألته:ــ
لماذا تظلمنا القوانين أكثر مما ظلمتنا الأقدار؟ لماذا ندفع أنا وابني ثمنا باهظا ونحن لم نرتكب خطيئة؟ لماذا سيرمى بي إلى مصير مجهول وأنا لم أعرف الحياة بعد، ولم أتذوق منها ما يستحق أن أحتفظ به في ذاكرتي؟ لماذا تهون المرأة على القانون ويسمح للرجل أن يتخذ منها ومن مصيرها لعبة بين يديه؟ هل نحن بشر من درجة أحط من الذكورة حتى يعطى لهم الحق بالتمتع بنا واقتناءنا بالجمع ، لو أنهم فعلا طبقوا حكمة الاسلام في أن العدل لن يسري ولن يسير إلا بالزواج من واحدة لما وصلت أحوال فقرنا إلى هذه الدرجة ولما كانت قيمتي رخيصة بنظر زوجي لهذا الحد، لأن القانون لن يسمح له حينها باستبدالي كما يحلو له وحين يملك ثمن أخرى؟ أهكذا يسوقنا القانون ويبيعنا بسوق الجملة كما النعاج والحيوانات؟ وكل هذا لماذا ولمن ولصالح من؟ فقط لصالحكم أنتم أيها الرجال..كل شيء مسموح لكم وكل شيء محروم وممنوع علينا...لا وبل يعتقدون أنهم يضحكون على عقولنا فيدعون أننا قوارير هشة تنكسر بسهولة وجواهر نادرة يعلبوها ويحيطوها بأسلاك وجدران البيوت، من شدة أنانيتهم وحبهم للامتلاك ، يجمعونا في علبهم البيتية كما تجمع الطوابع والصور في الألبومات...قضيتنا إذن مع الوطن مع قضاء الوطن وقانونه الخرب، وليس زوجي إلا واحد ممن يمنحه القانون الحق ليلعب بمصيري وآخر يلعب بمصير أخرى حتى يعم الظلم وينتشر...
لماذا ينحاز القانون لكم معشر الرجال؟ ..لأنكم تملكون قوة الضرب والحرب؟!...لأنكم تنصرون الأوطان؟ لم تحرروا فلسطين ولا أعدتم الجولان، فأي فخر لكم؟ منذ عقود وأزمنة طويلة وأنتم تجللونا بالعار...ومع هذا فأنتم الخصم والحكم وأنتم من يصنع القانون ويسجله برسمه واسمه ويعبث بمقدرات نصف المجتمع...لمن أشكي محنتي وقضيتي طالما أن قضاء بلدي يظلمني؟

بهذه الكلمات حاولت سعاد أن تعبر عن غضبها بعد أن تسلمت ورقة المحكمة لتحضر الجلسة الأولى في طلاق يطلبه الزوج، رغم أن أخاها طمأنها أن الطلاق لن يحصل قبل أن تضع مولودها وربما سيمنح القاضي الزوجين مهلة ثلاثة أشهر وربما أقل علهم يجدون حلا أو صلحا من أجل الطفل، لكنها تعرف أن حماتها لن ترحمها وربما بدأت منذ الآن تعد العدة وتسعى لتزويجه من أخرى!

انهارت" سعاد" فوق الكرسي في بيت عادت إليه منكسرة مقصومة الظهر، رغم أنه البيت الذي كبرت وترعرعت فيه، لكنها اعتقدت أنها ستصبح يوماً سيدة لبيت يخصها ، وربة لعش صغير يضمها مع رجل اختاروه لها وقبلت طائعة كما تفعل ( البنت المطيعة المؤدبة التي لا تخالف رأي أهلها)، لكن تحقيق السيادة فوق بقعة صغيرة تبني عليها صروح حلمها وحدود كيانها مع حرية مقيدة وتابعة ترتضيها وتشعرها بسعادة افتقدتها في ظل زوجة الأب ، التي حالت بينها وبين اتمام تعليمها أو اتقان مهنة ما.. تشعرها بالاستقلالية وتمنحها بعضاً من الحرية والشعور بالمسؤولية، أرادت لها أن تخرج باكراً لبيت الزوج، وهناك ستجد من يقوم باحتوائها وايوائها وحمايتها وحمل مسؤوليتها الاقتصادية وبهذا تخف الوطأة على الأسرة ويخلو البيت لزوجة الأب وابنها الوحيد، الذي تريد أن تخصه بالمحبة وتحيطه بالرعاية وتورثه حتى هذا القليل من المُلك ، لكن خيبة سعاد كانت أكبر من كل ما نسجته من أحلام متواضعة غير طموحة وعلى قد الحال، فالزوج كان أسير أم ذات شخصية قوية ربته وحيدة كأرملة صغيرة واحتضنته، ووقفت إلى جانبه حتى اشتد ساعده وقدمت له كل مدخراتها ليصبح صاحب محل صغير في السوق الرئيسية للبلدة ، وبهذا صار أسير حب الأم وأسير فضلها كما أنه طوع بنانها بكل تأكيد، ورغم أنها المسؤول الأول عن هذا الاختيار، فقد وجدت في عروس ابنها البنت الصامتة والمطيعة والراضخة لأنها تقصت وسألت عما عانته ولاقته في كنف زوجة أبيها ، بعد أن طُلقت أمها وهي طفلة وتربت في أحضان زوجة الأب ، وحتى عندما كانت صغيرة في الابتدائية، فإن جل أمور المنزل من تنظيف وغسيل أطباق كان عليها أن تقوم بها دون إبطاء ودون اعتراض ولو على حساب واجباتها المدرسية، كما عليها تقديم طلبات الأخ الصغير وتنفيذها ، لكنه أدرك باكراً نوع الظلم الواقع عليها واستطاعت بفطرتها الطيبة أن تجعل من أخيها صديقا تبثه شيئا من أحزانها وتشكو له بعض معاناتها ، تستطيع أن تذرف أمامه دموعاً ساخنة تخرج من أعماق وجعها، لهذا كان غالبا مايقف أمام والدته من أجل أن ترحمها وتمنحها بعض الراحة ، وعندما كبر وصار بعمر الشباب بدأ يشعر ببعض معاناتها أكثر، فصار لايتوانى عن القيام بخدمة نفسه بنفسه ، لكنه كان يتعرض لتقريع الوالدة ..كما تتعرض له سعاد التي لا تهرع لراحة أخيها فهذا عيب ومحال لأنه الرجل !...
انخرطت سعاد باكية اعتقدت أن لجوءها لذويها تطلب منهم إنصافها فهم من اختار لها زوجها ، وقد وثقت باختيارهم ، وثقت بأنهم أحسنوا التصرف ، وسيسعون لإصلاح الحال ويطلبون من الزوج أن يضعها في بيت مستقل بعيدا عن الأم، التي تتدخل في أدق تفاصيل حياتهم ، وتعلم سعاد أن لديه الإمكانية المادية لمثل هذا الأمر، فقد سبق وسمعته في لحظات انسجام وأُنس بينهما أنه ينوي أن يشتري لهما بيتاً مستقلاً ، وجاءت الفرصة فهي زوجته أولاً وتحمل ببطنها ولده ثانياً ، وحين تشاجرت لأول مرة مع حماتها رافضة تنفيذ أوامرها المتكررة وطلباتها التعجيزية اليومية ، حملت قليلا من ثيابها وراحت تطرق باب أهلها ، وكلها قناعة أن زوجها لن يخذلها وأهلها كذلك ، لكن الوقت كان يمر والزوج تركها دون أن يسأل عنها...وانتظرت سعاد شهورا وحاول والدها تحت ضغط زوجته أن يذهب بنفسه محاولا إصلاح البين وإعادة ابنته لبيتها، لكن عناد الزوج والحماة كان أكبر من أن يلم شظايا البيت ويعيد الأمور لنصابها، فلم تعتقد سعاد للحظة أن خطوتها هذه ستكون وبالا عليها ، و هاهي تتسلم وثيقة النهاية ....نهاية حياتها لأنها لاترى فيها سوى النهاية
كيف لانعتبرها بمثابة نهاية لحياة شابة في مقتبل العمر، تسعى لتكون امرأة وأم، وتريد أن تعيش كباقي الناس داخل جدران بيت يضمها وعائلتها الصغيرة.
ــ الآن تكتشف مقدار الظلم والعسف يحيط بها، فلا المجتمع أنصفها ولا الأهل أنصفوها ، وهاهو قانون الأحوال الشخصية يرميها ويشعرها أنها مجرد خردة أو قطعة أثاث يراد لها التغيير، لأنها لم تأت على مقاس مَن يملك الثمن ومَن يدير طاحونة البيت ، ويخذلها القضاء ويظلمها ويمحي دورها وكيانها ، يشيئها... كيف لا ونحن نعيد عجلة التاريخ والزمان لعصر الحريم في قانون أحوال شخصية جديد يشرعن زواج الصغيرات لمجرد أن أجسادهن نضجت باكراُ، لكن ماذا عن نضج العقل ؟ كيف ستدير ابنة الثالثة عشر بيتا وأسرة ، كيف ستربي أطفالا وهي مثلهم طفلة تريد أن تلهو وتقفز وتلعب وتذهب لمقاعد المدرسة؟
ـــ هذا القانون ...أليس استهانة بالأمومة وبالأسرة واحتقارا للطفولة؟
حين يجيز هذا القانون ومن شَرَّعه التمييز بين امرأة ورجل، بين طائفة وأخرى، أليس تكريسا لطائفية مقيتة بُحت أصواتنا وانبرت أقلامنا من أجل ألا تقوَض مجتمعنا وتقضي على روابطه الوطنية ؟ وممن؟ من حكومة تدعي أنها من يحمي الوطن من التفتيت الطائفي والتقسيم المذهبي؟! مازال بعضنا يقضي عقوبات صارمة في السجون، ومازال الكثير منا ضحية الافتراء يعيش آلام المنفى لأنه يريد وطناً للجميع! لأنه يريد أن ينهي حقبة مريرة سوداء من تاريخ سورية الحديث ويتأكد من أن الدرس كان كافياً كي لاتعود دورة الموت على هوية المذهب، ويتأكد من أن الدرس كان كافياً لدولة تريد لأبناءها أن يكون انتماءهم للوطن، وأن يتساوى الجميع أمام قانون مدني واحد لايميز ولا يفرق بل يآخي ويعدل.
ــ كيف ينظر أعضاء اللجنة المكلفة للمواطنين في المجتمع السوري؟ هل هم مجرد أرقام أم مجرد خراف ونعاج ؟ بل كيف ينظر من وضعوا هذه اللجنة واختاروها لمواطني بلدهم؟ وقد أقدمت على عمل ينافي الأخلاق والتطور وأبسط سمات الحياة والمحافظة على الوطن والإنسان فيه وهي تعمل تقطيعاً وتشريحاً وكأنها لاتحمل يراعاً يُنصف ويعقل ويستخدم المنطق التاريخي والعقل، بل مشرطا يقص ويفتت جسد المجتمع السوري.
ــ كيف نصون الوطن إن لم نحافظ على حق المواطن رجلا وامرأة؟ نحميه من خلال قانون عصري يتناسب وتطور مسيرة الحياة والكون، يتناسب والقيم والقوانين والمواثيق الدولية التي وقعت عليها سورية، فهل من المنطق والعقل أن تكون تونس العربية المسلمة ( بأكثريتها) منذ الخمسينات أكثر تطوراً، ومسؤوليها أكثر وعياً وثقافة وحكمة من سورية القرن الواحد والعشرين؟ علماً أن تعدد الأعراق والمذاهب في سورية أكبر واكثر منه في تونس، لهذا فهي الأحوج لقانون مدني عصري يساوي بين هذه الأعراق والمذاهب .
ـــ أيها المثقفون والمثقفات ، يارجال ونساء سوريا الأحرار، اكتبوا ولا تتكلوا ولا تَهنوا، قولوا كلمة حق في قانون يحكم بالباطل، كرروا وأعيدوا إلى أن يُلغى هذا القانون كلياً، إلى أن يُرمى ويُدفن وتطوى صفحاته ويُمَرِغ من كتبه رؤوسهم وأنوفهم بطين العار والشنار، إلى ان نصل للحق، لقانون يمثل الجميع دون استثناء أو اقصاء، دون تمييز أو تفضيل، دون تقييد أو استعباد، دون درجات ، لا نطلب المستحيل نطلب البدء بكلمة حق وبقول صائب، نطلب البداية بقانون يساوي في العقوبات والميراث والحق في زواج وطلاق متساوي ...نريد المساواة على قدم وساق لأن لاهوية لنا سوى الهوية السورية ولا جامع سواها ولا قانون إلا تحت اسمها .



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة