واضربوهن....مرة أخرى / القسم الأول

صادق إطيمش
sadik.hassan@yahoo.de

2009 / 8 / 12

يكثر الحديث هذه الأيام أيضاً عن تفسير وتأويل الآيات القرآنية التي تخص الحجاب والنقاب ومدى علاقتهما بالعادات أو العبادات وكيف يختلف المسلمون في فهم وتطبيق نصوص هذه الآيات . وقد ساهمنا بشيئ من هذا النقاش في مواضع مختلفة نشير إلى بعضها لغرض المراجعة لمن رغب في ذلك ليس إلا:
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SAtemsh/18isl.htm
و
http://www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=111523
ويستمر هذا النقاش المتعلق بموقف الدين الإسلامي من النساء ليرى البعض فيه ما يرى سلباً أو إيجاباً ليتناول مسألة " ضرب النساء " المنصوص عليها في القرآن الكريم والذي يجد البعض صعوبة في إتخاذ موقف حاسم منها واللجوء إلى اللف والدوران سواءً في التقليل من وطأتها من خلال التقليل من شأن هذا الضرب أو من خلال تفسيرها بتفسيرات لا تنطبق وما أراد به النص القرآني بشكل واضح لا غموض فيه . فكيف يجري ذلك وما هو الموقف الصحيح الذي ينبغي إتخاذه في هذا الأمر...؟
يلجأ أصحاب الرأي الأول المؤيد لوجود وتطبيق ضرب النساء كما ورد في القرآن إلى تجميل هذا المصطلح " الضرب " بانتقاء المفردات التي إستعملها لعملية التجميل هذه ، ويضع حدوداً ومواصفات لهذا الضرب جاعلاً من كل ذلك أوامر إلهية دون أن يخبرنا عن المصدر الذي إستقى منه هذه الأوامر في المصدرين الرئيسيين للإسلام القرآن والسنة الصحيحة . ألآية القرآنية 34 من سورة النساء تنص على مصطلح " واضربوهن " في سياق الإجراءات التأديبية التي خول بها الإسلام الرجل في ذلك الوقت من حياة المجتمع الأبوي البدوي . لقد عالجنا هذا الموضوع في البحث المنشور حول المرأة في مواقع مختلفة على شبكة الإنترنت والمعنون " المرأة في الكتب المقدسة للإسلام والمسيحية واليهودية " المشار إليهما في الرابطين أعلاه . لقد كتبنا ضمن الحديث عن هذا الإجراء " التأديبي " الذي يمارسه الرجل ضد المرأة ما يلي :
" فيما يتعلق بمصطلح " واضربوهن " الوارد في القرآن والمشتق من المصدر " ضَرَبَ " فقد تباينت ألآراء حول تفسيره , بالنظر لما يتضمنه هذا المصدر من معان كثيرة مختلفة المضمون وردت في القرآن أيضآ . فالفعل ضرب قد يعني ألضرب " أي الترحال " في ألأرض , وقد يعني ضرب النقود , كما أنه يعني التدابير والإجراءات الصارمة من جهة ضد جهة أخرى , ويعني أيضآ إستعمال اليد أو العصا أو أي شيئ آخر من قبل شخص ما ضد شخص آخر او ضد حيوان أو نبات . وهنا لابد لنا من التعليق على هذه الآراء بالقول أن خلق التبريرات والتفسيرات التي توحي بغير المعنى الذي أراده النص فعلآ والذي يأتي في سياق إجراءات عقابية ضد المرأة التي تُتهم من قبل زوجها بالنشوز , إن هذه التفسيرات والتبريرات لا حاجة لها بغية أللف والدوران على المعنى المراد بهذا المصطلح الوارد في القرآن والذي يُراد به العقاب . إنه لمن ألأفضل هنا أن يُصار إلى تفسير هذا النص بالمعنى العقابي المراد له فعلآ في هذا السياق وإلى شرح ذلك على إعتبار أن مثل هذه العقوبات التي كانت تتعرض لها المرأة في المجتمع القديم تقع ضمن السياق الإجتماعي الطبيعي المعمول به آنذاك والذي تغير اليوم إستنادآ إلى تطور المجتمعات التي أصبحت تنظر إلى نصوص كهذه نظرة مقدسة لكنها لا تعمل بها لأسباب عدة تفرضها الحالة ألتي بلغها المجتمع في تطوره . ويمكن مقارنة هذا النص بنصوص أخرى أصبحت في عداد النصوص المقدسة الغير معمول بها في الوقت الحاضر , كأداء فريضة الحج مشيآ على ألأقدام أو على ألجٍمال , كما جاء في النص القرآني , او رفض الخليفة عمر بن ألخطاب تطبيق نص المؤلفة قلوبهم الوارد في القرآن وذلك لقناعته بعدم الحاجة إلى ذلك بعد أن قويت شوكة ألإسلام , واستمرار عدم العمل بهذا النص حتى يومنا هذا ."
وهناك نصوص أخرى في القرآن نعتبرها اليوم في عداد النصوص المقدسة الموجودة في القرآن والتي لا يجري العمل بها نظراً لإنتفاء الحاجة لها ، كانتفاء الحاجة لدفع الأموال إلى المؤلفة قلوبهم . ومن هذه النصوص نص الجزية مثلاً حيث لم يجر التعامل اليوم في نطاق قوانين المجتمعات الإسلامية مع المواطنين غير المسلمين تحت مصطلح " الذميين " الخاضعين لدفع الجزية ، بل يجري التعامل معهم قانوناً كمواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات فيما يتعلق بدفع الضرائب التي تنص عليها القوانين الإجتماعية . أو مسألة " ملك اليمين " المنصوص عليها في القرآن أيضاً والتي أصبحت اليوم تتعارض والقوانين الإجتماعية التي وضعت هذا " الملك " ضمن تصرفات تجارة الرقيق التي لم تعد تُمارس اليوم كما كانت كذلك في العهود الغابرة التي رافقت ظهور الدين الإسلامي الذي إعتبرها كظاهرة من الظواهر الإجتماعية السائدة آنذاك ، شأنها كشأن " إمتلاك العبيد " الذي لم يحرمها اُلإسلام في حين أصبحت اليوم ظاهرة محرمة دولياً وذلك لعدم إنسجام هذه الظاهرة مع الحياة الإجتماعية اليوم .
إذا إنطلقنا مما ينشره الكثير من الدعاة الإسلاميين باعتبار الدين الإسلامي دين رحمة وتسامح . وإذا ما تذكرنا نص الآيات القرآنية التي تؤكد على أن الله يريد بالناس اليُسر ولا يريد بهم العُسر . وإذا ما تذكرنا كثيراً من أقوال الحكماء المسلمين الذين أوصوا الناس بأن لا يتجاهلون ظروف زمانهم وأن يأخذوا ذلك بنظر الإعتبار حتى في تربية أطفالهم . وإذا ما علمنا بأن النص القرآني يمكن أن يكون حجة لكل طرف من الأطراف التي تتنازع على هذا الأمر أو ذاك ، وذلك بسبب ألأوجه التي يحتملها هذا النص . إذا ما اخذنا ذلك كله بنظر الإعتبار ، فلا يسعنا هنا إلا الإستغراب لما ينشره بعض الدعاة الإسلاميين الذين يخلقون كل ما من شانه السير بالعلاقات الإجتماعية نحو الحضيض دوماً . إنهم يعتلون المنابر ويتجولون في الفضائيات ويسودون بعض الصحف التي تفتح لهم صفحاتها بسيل من التفسيرات والتأويلات التي ينشرونها بين الناس في المجتمعات الإسلامية التي تعج بالبسطاء الذين حكمت عليهم القوى الدكتاتورية العربية والإسلامية الحاكمة في أغلب هذه المجتمعات بالحرمان من التعليم والثقافة التي تؤهلهم التفريق بين الغث والسمين من هذه التفسيرات والتأويلات للنص القرآني ، وحيث يرتبط هؤلاء البسطاء بدينهم إرتباطاً فطرياً خالٍ من كل هذه التعقيدات التي يضعها أمامهم هؤلاء الدعاة أو الفقهاء أو الملالي او سمهم ما شئت ، فكلهم يسيرون على نفس النهج الظلامي .
يخرج علينا البعض من هؤلاء المفسرين ليضع ضوابط لهذا الضرب من أجل تقنينه وتقديمه بوجه يرى فيه شيئاً من تخفيف وطأة الإهانة ضد المرأة . فيقول مثلاً بأن الضرب يجب أن لا يترك أثراً على جسم المرأة ، وأن لا يكون على الوجه ، ولا يُسمح بممارسة ضرب المرأة أمام الأطفال ، وأن لا يكون الضرب مبرحاً ، وأن لا يُدمي لحماَ ولا يُهشم عظماً ، ويستطردون بهذه التعليمات التي يجعلونها مرافقة لعملية الضرب ويضيفون على ذلك قائلين " ومن لم يقم بالضرب تحت هذه الشروط فإنه يخالف حدود الله " ولا ندري مَن وضع هذه الحدود ، إذ ان النص القرآني ذكر مصطلح الضرب ، دون شرح تفاصيل هذا الضرب . كما اننا لم نقرأ أو نسمع من السنة النبوية الشريفة شيئاً من ذلك ، حيث أن المعروف عن النبي محمد (ص) بأنه لم يمارس الضرب في حياته ضد زوجاته . أللهم إلا إذا إعتبر هؤلاء المفسرون والدعاة ما وضعه أقرانهم من أحاديث بهذا الصدد سنة نبوية يلجأون إليها إذا ضاقت عليهم سبل المعرفة العلمية ، فهذا شيئ آخر. هذا الخداع الذي يمارسونه على الناس البسطاء , وما أكثرهم في المجتمعات الإسلامية ، يقع في عداد الجرائم الإجتماعية التي تؤسس للتحريض على ضرب النساء ووضع ذلك في قوالب دينية مليئة بالوعد لمطبقيها والوعيد لتاركيها فيعملون بذلك على خلق الفتنة بين نصفي المجتمع من الرجال والنساء .
ومنهم مَن يربط ضرب النساء وكأنه البلسم الشافي والدرع الحصين لصيانة الأسرة من التدهور . فالمرأة التي يقرر الرجل ، إذ أنه صاحب القرار في هذا الشأن ، بأنها ناشز تكون السبب الرئيسي في تهديم الأسرة وإن ضربها سيكون العصا السحرية التي ستقود بالنتيجة إلى تخليها عن النشوز فوراً . لقد قال احدهم بالنص من على منبره " أيهما أحسن أن تأخذ صفعة أو أن تدمر نفسها والأسرة والمجتمع " . إلى هذا الحد من التخلف الفكري يجري إستغباء الناس وتقديم هذه التفاهات لهم على أنها تعاليم دينية لا مناص من تطبيقها . لو علم هذا " العالِم الفطحل " بأن كافة الدراسات الإجتماعية الرصينة تشير إلى الدور الأساسي للرجل في تفكك الأسرة في الشرق والغرب وذلك من خلال ألإنغماس في الجريمة التي تؤدي إلى السجن أو الكحول والمخدرات أو ممارسة لعب القمار او العلاقات مع نساء أُخريات غير زوجته أو إهماله لأولاده بسبب الظروف الإجتماعية القاسية التي لا تساعده على تحمل المسؤولية العائلية التي تقوم بها الأم ، لو علم هذا الداعية " الملهم " بهذا كله والكثير منه لما نشر هذه الآراء المضحكة التي لا تنم إلا عن جهل صاحبها بألمبادئ ألأولية للعلاقات الإجتماعية في المجتمعات المختلفة .
ومنهم مَن يجعل من ضرب النساء في المجتمعات الغربية مبرراً لممارسة ضرب النساء على الطريقة الإسلامية ويقول بأن ملايين النساء تُضرَب يومياً في الغرب ولا يجري إنتقاد هذا العمل أو مواجهته قانونياً ، في حين يجري إنتقاد المسلمين على ذلك . وهنا يكذب هؤلاء الدعاة مرة أخرى . صحيح أن ضرب النساء في الغرب يشكل مشكلة إجتماعية يسعى المجتمع بكل مؤسساته الرسمية والأهلية إلى التعامل معها بشكل علمي يعمل على التقليل منها بغية تلافيها . إلا أن " علماء المسلمين " الذين يلجأون إلى أسلوب الكذب هذا على الجماهير التي تستمع إلى خطبهم التي طالما يربطونها بالصلاة في الجوامع ليتخذ طابعاً دينياً قد يكون أثره أكثر من حديث مقهى أو أي حديث عابر ، إن هؤلاء الخطباء يكذبون على الناس حينما لا يفرقون بين العامل الإجتماعي والعامل الديني . فالضرب الذي يجري ضد النساء في الغرب له أسبابه الإجتماعية والنفسية التي لا يقرها المجتمع لا شعبياً ولا رسمياً . لذلك نرى بان هذه المجتمعات عملت على توفير كل وسائل الحماية القانونية والإجتماعية للنساء اللواتي يتعرضن إلى الضرب ، كما وتجري ملاحقة الرجل قانوناً وتعرضه للعقوبات فيما إذا ثبُت فعلاً بأنه مارس الضرب ضد زوجته أو صديقته أو أخته أو إبنته أو أمه أو ضد أية إمرأة أخرى . وهذا هو الفرق بين المجتمعين الذي يتعامى عنه خطباء الجوامع . فضرب النساء في المجتمعات الإسلامية مُقنن ومُشرعن دينياً ويجري العمل من قبل هؤلاء الخطباء على ترسيخه في المجتمع في حين تحاربه المجتمعات الأخرى وتعمل على تقليل أو إزالة الأسباب المؤدية لمثل هذا العمل الإجرامي بحق المرأة.
وهنا لابد لنا من الخوض في حيثيات هذا الموضوع لنبين بعض الأسس المهمة التي ترافق هذه الظاهرة التي يريد ترسيخها البعض في المجتمعات الإسلامية وربطها بالتدين وتطبيق الحدود التي يعزيها هذا البعض إلى الله والدين ،غير أن دراسة ممارسات ظاهرة ضرب النساء في المجتمعات الإسلامية تبين لنا بأن هذه الحدود ما هي إلا حدودهم المنطلقة من تأويلاتهم الشخصية التي يريدون من وراءها فرض دينهم هم لا دين السماء، ولا اعتقد بأن يغفل كل لبيب عن إكتشاف الهوة الساحقة بين هذين الدينين .
وهذا ما سنتطرق إليه في القسم الثاني من هذا الحديث.
الدكتور صادق إطيمش






https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة