آيات نسائية ( الجزء الأول )

فلورنس غزلان
fozmon@yahoo.fr

2010 / 4 / 28


لعظيمات من وطني ، للمنتظرات ولمن انتظرن طويلاً على درب الأمل...أحمل هم الوفاء لهن...وفاء للتاريخ ..ومن حقهن علي أن أقول شيئاً نفخر به وتفخر به الأجيال السورية التي ساهمن ببنائها بكل جدارة..
يبدو لي أن حوافر الخيل هاجرت ورحلت نحو أفق لايعشش فيه الضباب ولا تنهش لحم أطفاله الكلاب...يشدني اليوم حنين لرفيقات درب ينساهن الزمن كما نسيتهن الكتابة...تلفعن سنيناً بثياب العفة وثياب الحزن وقهر الوقت والانتصار على الانتظار..سجلن تاريخاً لايعترف لهن بصناعته ولا يريد أن يكون شريكاً في حياة نساء منحنه ملامح الصدق في العطاء والتضحية دون حدود، يدير لهن الظهر ويسرق منهن الشباب ، زرعن دربه بالورود...لكنه حمل لهن الأشواك وترك غالبيتهن على مفارق طرق لاعلامات تحفظ اتجاهاتها، ولا حجارة ترصف مسيرتهن أو تصنع لصغارهن قوة الضرب وقوة الانطلاق...فوقفن له بالمرصاد وبنين للصغار أعشاشاً تحميهم من غربان الوطن وتقيهم شر التساؤل ومعنى اليتم قبل الأوان.
سأتناول بعض الأسماء ، أو بعض الأمهات المناضلات:ــ
لم أتقصد البداية ولن أتقصد من سيأتي ذكرها بعد الأخرى...لكني اتبعت خيط الذاكرة...وخيط الحضور فيها...هناك خيوط تُلح ...لأنها مازالت تعيش سياط الانتظار...وخيوط عانت وتلقت السياط ومضت تبريء الجراح وتعض على النواجذ كي لاتخذل مَن كبروا ولا مَن شاخوا...
ـــ يا أم نسرين.... كيف أفسر طغيان حضورك الياقوتي المبدع لعجين الكلام؟ كيف أفسر ابتسامة تمنح المتلقي سهلاً من الممتنع..وتبعث توهجاً ودفئاً لحروف المخاطبة اللائقة؟ لا أرى أمامي إلا حقلاً من زهور نيسان يرسم جوكندا اسمها سهام، كانت ومازالت امرأة مختلفة .. كانت واحدة ممن وقفن بالظل خلف رجالهن، أو حفظن العهد وحفظن الأُسَر من التشتت ومن الضياع، سيدة اقتحمت ميادين العمل والبناء، فكنتِ سيدة الأمهات والآباء في نفس الوقت، كنتِ مّصَّداً للريح ومصدراً للصمود ، مهداً للحب..وملاذاً لرأس متعبة حين تكبر مساحة الألم. ..قمتِ بجملة من الوظائف يعجز عن أدائها أعتى الرجال ...كنت رجلاً حين عزت الرجولة، وأماً فخراً للأمومة، ندرة في التضحية والإيثار والعطاء...قمة تقف بجلال فوق قمم الشموخ تبذل دون أن تنتظر مقابلاُ...تنتظر وتعد الساعات ، مع أنها أمضت عقوداً في غياهب تاريخ غّيَّب حضورها ..مع أنها قاست مُرّاً وذاقت طعم الحنظل مع كل لقمة ، وازدردت السم الزعاف مع كل نباح ومع كل طرقة على باب...كانت ساعات ليلها أقل من ساعات نهارها...وسهدها متواصل ملتصق بصبرها..تحسن الصمت وتتقن لغة الإشارة كما لغة العصافير والإيماء...تعلمتها بالفطرة...لأنها ضرورة لأيامها ولزيارات معجونة بالعذاب ومغموسة بالذل. لكنها مُعَمَرة بالحب معلقة بخيوط الشمس والأمل ...
سهام هذه التي تترفع حتى عن ذكر مافعلت وتخجل باحمرار كصبية عاشقة...وهي كذلك...لأنها لم تعش كما عاشت كل النساء...المرأة الحاضرة هنا سواء أم نسرين العزيزة أم غيرها...كلهن في الوجع والألم سواء مع ميزات فردية نسبية تختلف بمقدار هنا وهناك...لكن النتيجة صبراً وقوة انبثقت فجأة حين حان وقتها..هكذا كانت سهام ...جمعت خيوط قوتها ولَمَّتها معاً بيد تتقن الثبات لتحمي أسرتها وصغيرتيها من زمن لايرحم، لتحمي مصدر عيشها ورزقها من جيوب وعيون لاتشبع ، خاطبت نوارس البحر كما حمام القلعة، وزعت زهورها فوق بساط أسرتها لتجعلها أكثر نضارة رغم حجم الألم..كانت جبلاً يتحرك يتأمل يغني أناشيد الحب والفرح لتكبر الصغيرات ، تُزَودهن بهدوء مرتب وتمنحهن سكينة الحنان الدافق..وردة صاغتها الأيام فطرحت ثمراً شهياً يقظاً أكثر تفتحاً وتوازناً ممن حظيوا بأسرة متكاملة..هذه القدرة المعجزة بموسيقاها المبتسمة الفرحة دوماً تحمل نغمة الحياة حين تحاصرها أسراب الوجع ، ...هي قليل من كثير من النساء السوريات...عشن على دروب السجون وربين أسراً حُرِمت من الأبوة ...آن الأوان...أن نفتح نافذة النور...لنقول لأبنائنا...صلوا...
فهاهي آيات تستحق السجود..آيات تستحق القداسة...لأنها آيات حية تدب على الأرض ولم يذكرها أحد..
ـــ يا أم علي ها أنت تجيدين الابتسام رغم التخريب المفتعل لأيامك ، رغم شحنات البرد المحاصرة لسريرك ، رغم اقتحامات العسكر لحرمة بيتك...لم تغادري في السابق ولن تغادري اليوم حياً عرفك مرفوعة الرأس، قوية صلبة بوجه الضغط المستمر ووجه كابوس النهار ووحشة الليل دون أن يكون أبا علي مناصفاً لك ومشاركاً في صنع الغد لأسرة حملت هَمَّ الوطن ، قبل أن تحمل هَم تأمين الرغيف لعلي وأخوته...فكان لرغد وأبنائها نصيب من حجرتك ونصيب في صحن علي..لأنك تعودت على اقتسام المحبة واقتسام الفقر..ففيه يعيش ثراءك وإثراء الوطن. نقلتِ بحنكتك ذخيرة الحب والياسمين ، وحملتِ على كاهليكِ أسرار المواعيد وصخور الوقت الطويل ، الذي يمتط ويتمدد فوق أيامك وأيام أسرتك بعد أن حالوا بينك وبين أبا علي ، وسدوا منافذ التواصل ، منعوا أمواج الأصوات علها تغني عن الامساك بيد حنونة أو قراءة العيون وفهم ماوراءها دون أن تترجمها عبارات المشاركة واللوعة..ربطتي أحلامك بأحلام علي وأشقائه ورحتي تزرعين الأمل وتبنين قوارب النجاة معهم إلى أن يأتي الفارس من خلف قضبان العسس حافظاً للصدى وللوعد ...نحو البحر والماء توجهت قواربك ...ترصد سفن السياسة وبواخر التجار في الأمس واليوم...تعرفتي على أساليبهم فردياً وجماعياً ، فلم تعد تنطلي عليكِ لغة الخرافة مُنَضَدةً فوق رفوف المكاتب الفارغة ، ولامفرداتهم المنتهكة لحرمة البيوت وحرمة الملح في الخبز...
ظلت عيونك معلقة بصورة الفارس، وقمت بدور الأب والأم...إلى أن يعود الفرح...لكنهم أرادوا لأسرتك أن تظل معلقة بين سماء الأمل وضحالة الواقع...فأعادوا لحليمة وهج بُخلها ووهج صيدها وولعها في اقتناص الفرح واقتناص الحلم...وتخريب الشطآن..
لاتيأسي أم علي...فأمامك كثيرات...وحولك صديقات...سبقنك أو لحقن بك...وكلكن في المحنة سواء...جميعكن لنا سداً منيعاً بوجه زحف المغول نحو آرام ...بوجه التتار حين حلوا بديار الياسمين...كوني كما عرفناك وابقي كما عهدناك..أم علي الكبيرة والمناضلة في صفها الخلفي ...بواقع المجتمع ..لكنها فوق رؤوسنا جميعاً في واقع الحال.
ـــ أما أنتِ يا روزيت...يا أم بيسان فمن شغاف القلب لك محبة ومن دمع العين ذكرى وألق..جرحكِ أعمق من آبار غربتنا وجمرته أكثر حرقة من نارنا المتأججة حنيناً لأيام المحبة وأيام لم الشمل...في درب الجلجلة سار أكرم ومعه كنتِ تحملين جزءاً من صليب الفولاذ وصخور الصمود...كسرتما أبواب الأسوار بقوة الطرق وقوة الإرادة...بعزيمة الحب وعزيمة نشيد تجري حروفه لهيباً في شررايينكما..خرجتِ من كهوف الأسر لتقفين من جديد طوداً ..أماً وحبيبة..تعشقين بصمت وتشربين الحزن بألم وسكينة...كم من المرات ارتجفت يداك فوق جسد بيسان النحيل تضميها وترحلين بعيونك بعيداً خلف أسوار الأسر...تنام ولا تنامين ...تنهضين مع الصباح لتعدين رحلة الزيارة...وتسمعين من جديد ومن خلف القضبان غناء غيفارا...لا تأبهين لصفير الريح ولا لرصاص الكلام..لأنك مؤمنة بأن الليل سيموت، وأن الحجاج سيرحل ...مؤمنة بأن روح غيفارا ستنهض وتأتيك تقطع الفيافي والقفار،وتمسح على رأسك حباً وتغمرك دفئاً.....لأنك الوفاء بعينه...لأنك المحبة مصورة فوق التراب...لأنك تقمصت المحبة حين سقطت من السماء....وانفجرت طاقة لايقوى عليها كل من اعتقد أنه من الأقوياء...
إليه ترنو عيناك..وبمفردات لم تنطقيها احترقت شفتاكِ...حملتِ له رسائل الأمل مُلَحَّنة بالثقة..أعدتِ دورك أمام المرآة مراراً كي لاتخسري لغة اليقين والانتصار..تمدين بظلك وجناحيكِ لتغطي على بيادر الأخوة ..وتعانقين صبر راغدة..بحكمة الخبرة والقدرة على اختراق خطوط النار والمرور بسلام...إلى أن ينبلج فجرنا الجديد بملامح الخضرة وعطر الياسمين الدمشقي ...يا أم بيسان دوري بخمرصبرك وحبك المعتق...دوري بحبك يغسل حقد الإنسان ويمسح لغة الطغيان...دوري بكأسك المترع بسنين لم تعشها إلا ملائكة صنعها الرحمن..دوري بكأس ذاقتها يديك وعشناها معك... عشقناها لا كعشقك وأكرم... صنعتها معكم بيسان...صنعها عشقكم للأوطان
ارفعي رايات نزفت حروف سلام ومحبة وإخاء..حروف لغة لاتنطوي إلا على علم الواقع ويقين المعرفة والمواطنة، أنت ياروزيت يامن تكتبين سطوراً كل يوم في صفحات التاريخ السوري، ويامن كتبت وخلال ربع قرن من الزمان حروفاً نقشتها الأجيال صلاة عشق وصلاة أمل بلقاء أبدي...لا أعتقد أن مايسمونه اليأس تَمَكَن منك يوماً رغم إصراره ورغم غدر الزمان ..لأنك قوس البيت وعموده متين العمق والأصالة...لأنك عمود محبة كبر مع تفتح الوعي الذي زرعتيه في عقل وعيون بيسان ،كبر مع ابتسامتها ونضجها...فكانت خير ابنة لأم عظيمة...يتقدس التراب كلما مرت أطراف ثوبها فوقه ...فيهجع غباره وتنحني تضاريسه..اعترافاً بعظمة السائرة على درب عذرا...لتصافح عينيها وجه أكرم.
هل يمكنني أن آتي على مرارتك وتضحياتك دون أن أمر بجارتك " أختك راغدة"، المعلقة بتلابيبك دموياً وشريكتك في الهم السابق كما أنت شريكتها في الهم اللاحق، وها تعيشان انحسار الشمس عن بيتكما، تشربان معاً حنظل الفراق وفداحة الظلم ، وتغسلان بأهدابكما قسوة السؤال بعيون الأولاد ، قسوة الجدران حين تضيق مساحتها وتُدخِلكما في شرنقات الدروب المحفوفة بأخطارها اليومية ، تمدان الخطا واسعة باتجاه الريح القادرة على إسعاف البيارق ومساعدتكما كربان لسفينة تصارع أمواج القهر دون أن تضطرب البوصلة بين يديك ويدي راغدة..فوجهتكما شمساً توقظ النيام وفجراً يفتح عيون المحبة فوق بيادر غزاها جراد الحقد عقوداً، ساريتكما صلبة تعرف طرق المقاومة بوجه عواصف الكآبة وعواصف الألم والزمن الخائب ، لكن طاقة المعجزة في قلبيكما ، وطاقة الأمل أكبر من أن تنالها أسراب الغربان وأكبر من أن تصطادها شباك الأجهزة الأمنية .....رأيتما معاً عجز الكون وهزالته أمام اللامنطق أمام اللاعقل...أمام الانحياز للباطل والانحياز للطاغوت...أمام جنون العظمة وجنون اعتلاء الأسماء القادمة من مزابل التاريخ...لتتصدر صفحاته ويستمر زئبقها في التصاعد فيغطي على كل الأطراف المتسللة خلسة لتمرير بهجة الحلم..
لكني على يقين من أن ارتفاع الحرارة في زئبق الغد السوري سيفجر كل الترموميترات السلطوية من داخلها...من قلبها...من لبها...وسيستوي الحق وسيكون الشأن للمنتظرات...لكليكما الشأن اليوم وغداً...نفرش أرواحنا لتعبر تضحياتكما...وتشرق الابتسامة في بيتكما...كما بيوت الآخريات.
ــ يا أم أيهم في القلب لك مهداً وفي التاريخ ذكريات، وفي الدرب معجزات
حدائقاً من البنفسج وألوان قزح سيجتي فيها بيتك الصغير، ملايين من الآهات اختنقت في حنجرتك وأنت تأملين وترقبين طريق عودة ميشيل...وروداً من الجوري الدمشقي لونتي حجرته ومكتبه...وأنت ترسمينه يكتب وينتظر فنجان قهوته الصباحية تأتيه مع بسمتك المشرقة...تفتح شهيته على فكرة كنتِ جبريلها...وعلى إجابة لوحت بها شفتاكِ وتساؤل نطقت بها عيناكِ ..تجلسين قبالة المكتب تحدثينه بلهفة المشتاق...وفجأة تكتشفين الخواء ..تدخل الغيوم عينيك وينطلق الشوق مع اللوعة أحداق يومك فتشحنين الصمت بغذاء الأمس وذكريات العمر مع ميشيل...كي تستمر الأيام وتعدو رغم ثقلها، فتتغلب على الجليد المقتحم لحديقتك الجميلة..تنثرين كلمات نطقها وتعيدين ترتيلها لتجعل من الصبر أيقونة ومن الأسود بياضاً يثري الأمل...تضحكين من جهل الأغبياء وتهزين سرير الأحفاد بغناء وترنيمة تعبر السحاب وتحملها عصافير الدوري لنوافذ مرتفعة فوق الأسوار...فربما يذكر صوتها...أو تعود لذاكرته مفرداتها
يخفق قلبك عند سقوط الخبر الأول...لكن غصة الكبد أمام زيف الحقائق الممسوخة...والمحاكم المصورة..تعود مع عبرة حَرَّى لتمسح الألم وتستعيد وديعة سيادتها على الوقت وعلى عذوبة الكلام...لن ينوء الجسد ولن تضعف النفس ، لأن سلاحها يقين وكلمة صادقة تدربت عليها في عشرة طويلة مع ميشيل...احتفظت بنبضاتها...ليوم آتٍ ...دقت فيه نواقيس الفرح والفرج...وخرج ساقي الأمل من كهوف الأسر...ليعبر جسراً فرشته أم أيهم ببساط المحبة...أمد لكِ يدي ياصديقتي..وأعبر البحر...وفي أعماقي الكثير مما لا أفيه حقه...ولا تسعفني اللغة...عن تصويره..ستظلان صديقان توامان للروح وللحب...ولأسرة بنتها يداك...ولكواكب تسطع من حولك...ترسم فرح أيامك القادمة...ويكون لنا فيها نصيب المشاركة، ولك حق الصدارة.
باريس 27/04/2010



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة