نحو تغيير جذري في واقع ودور وحياة المرأة العراقية

كاظم حبيب
khabib@t-online.de

2004 / 8 / 28

أولاً: نظرة سريعة حول تعذيب النساء في جمهورية الرعب الصدّامية

1. طبيعة النظام الصدّامي
لم يميز النظام العراقي بين الرجال والنساء في الاعتقال والتحقيق والتعريض للتعذيب والاغتصاب والقتل تحت التعذيب. ولم يكن التعذيب للنساء موجهاً ضد النساء اللاتي يعملن في الحقل السياسي, بل ضد كل النساء اللاتي تعتقلن لأي سبب كان من أجل انتزاع الاعترافات بشأن القضايا التي اعتقلن من أجلها, حتى لو كانت التهمة جنحة أو مخالفة.
أقام صدام حسين في وقت مبكر جمهورية الرعب الصدامية, على أسس معينة لا تختلف كثيراً عن جميع الدكتاتوريات في العالم, وخاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, ولكنها تتميز عنها في ثلاث نواحي تستوجب الإشارة إليها لأهميتها في مواجهة نظم من هذا الطراز في المستقبل:
* استفاد إلى أقصى الحدود من خبرة وتجارب الدول الأخرى في سبل ممارسة الإرهاب والقمع والقسوة البالغة وحماية النظام الدكتاتوري من الرافضين له والمناضلين ضده.
* دمج في ممارسة الإرهاب وإرعاب المجتمع وقمع المعارضة كل الأساليب التي عرفتها النظم الاستبدادية السابقة مضيفاً إليها كل ما استجد من أساليب التعذيب وممارسة القسوة في إسقاط الضحية أو تدمير كرامته وثقته بنفسه وقدرته على الصمود, أي أنه دمج بين أساليب القهر البربرية للاستبداد الشرقي وأساليب القرون الوسطى والأساليب الحديثة الأكثر تطوراً من الناحية التقنية والمنتجة في بلدان الشرق والغرب.
* حظي النظام ولأكثر من عقدين من السنين بدعم كامل من دول الشرق والغرب ومساعدة في التسلح وخوض الحروب الداخلية ضد الشعب العراقي والحروب الخارجية وفي مساعدة النظام للإفلات من العقاب بسبب ممارسته سياسات مناهضة لحقوق الإنسان والتعذيب والقتل الجماعي, رغم أن العالم كان يعرف بكل ما كان يجري في العراق تماماً. كما أنه حظي بدعم الدول العربية لسنوات طويلة حتى غزوه الكويت والدول الإقليمية.
لقد تسنى لصدام حسين الحكم الفعلي في العراق قرابة 35 عاماً باسم البعث, سواء كنائب للرئيس أو باعتباره رئيساً مباشراً للجمهورية العراقية, وباعتباره منتخباً من الشعب بالرغم من رفض الشعب العراقي له ونظامه الدموي. ويمكن تلخيص أهم الأسس التي أقيم النظام الصدّامي على أساسها في النقاط المهمة التالية:
1. اعتبار كل الناس في المجتمع, سواء أكانوا من الرجال أم النساء, أعداء محتملين للنظام الجديد الذي أقيم في العراق عبر انقلاب عسكري, وبالتالي يفترض هذا التفكير تطوير جانب الحذر منهم جميعاً دون استثناء.
2. من أجل حماية النظام من جميع الأعداء المحتملين لا بد من تكوين آله عسكرية قادرة على تدمير العدو المحتمل حال بروز شك بسيط به, حتى لو كان أقرب أقرباء رأس النظام, فالولاء بالأساس ليس للنظام بذاته بل لرأس النظام ومن خلاله للنظام الذي يقف على رأسه.
3. من أجل حماية النظام يفترض تغييب كل أصحاب الفكر الآخر والناشطين في الحياة السياسة من غير أتباع النظام أو العاملين تحت رايته, سواء بتصفية تلك التنظيمات بالتي هي أحسن ومن خلال تقديم الجزرة المناسبة أو بالسجن والتعذيب والتدمير الكامل الجسدي لوجود صاحب الرأي والموقف الآخر. وفي هذا الموقف لا يوجد أي تمييز بين المرأة والرجل فكلاهما سواسية ويتحملون نفس العواقب من جراء حملهم للرأي الآخر. ومن الجدير بالإشارة إلى أن الفكر الصدّامي, الذي عمق الجانب العنصري والاستبدادي والقمعي لفكر البعث العفلقي, هو فكر استئصالي للآخر, سوا أكان الآخر فرداً أم جماعة أم حزباً أم جماعة قومية أخرى أم حتى شعباً آخر.
4. تعتبر كل مخالفة لقواعد النظام أو القوانين التي أصدرها بمثابة عدوان على النظام وعلى رأس النظام وبالتالي فالعقوبة تنزل بهم كما تنزل بالسياسيين المعادين للنظام أو المخالفين لرأي رأس النظام.
5. يفترض العمل على كسب الناس إلى حزب النظام ومنظمات النظام, سواء أكانون مستقلين أساساً أم أعضاء في أحزاب أخرى ويفترض ممارسة جميع الأساليب لتحقيق هذا الهدف, ومنها العنف والقسوة للفرد, سواء أكان رجلاً أم امرأة, ولأفراد عائلته. إلا أن عضوية الحزب أو المنظمات المهنية التابعة له لا يعني الثقة به, بل يفترض فرض الرقابة عليه وعلى أفعاله والتيقن المستمر منه.
6. وللوصول إلى مثل هذا الهدف لا يمكن الاعتماد على جهاز واحد, إذ أن الشك بولاء الأجهزة الأمنية ذاتها يفترض أن يبقى قائماً باستمرار لكي لا ينتفي الحذر منها, خاصة وأنها تمتلك وسائل العنف في يديها أيضاً, وبالتالي لا بد من تشكيل أكثر من جهاز أمني متعدد الأغراض وأحدهما يراقب الثاني وهلمجرا وتبقى خيوطها بيد رأس النظام ذاته وأقرب المقربين له ومنه.
7. إن وجود التعدد في الأجهزة الأمنية غير كاف لحماية رأس النظام من المجتمع, فلا بد والحالة هذه أن يتحول جزء كبير من بنات وأبناء المجتمع إلى مخبرين للنظام الأمني الذي كونه, سواء بدفع رواتب لهم أم بالتطوع. على أن يكون عمل هؤلاء في مختلف المجالات والمستويات وأكبر عدد ممكن منهم, إذ بذلك يتم ربط هذه المرأة أو ذاك الرجل بالنظام وحركة عجلته واتجاهات تطوره. ويمكن لهؤلاء أن يرتبطوا بآخرين وبالتالي يمكن تحويل الملايين من البشر ممن لا يثق النظام بهم بأساليب وطرق مختلفة بالنظام وأجهزته الأمنية وغير الأمنية وبمنظماته المهنية. والهدف من وراء ذلك شد المواطنة والمواطن بعدة خيوط لا يمكن الإفلات منها ويبتعد عن كل نشاط يمكن أن يؤذي النظام بأي صورة من الصور.
8. ولا يكفي ربط النظام بمثل هذه الخيوط الأمنية لحماية النظام من نشاط المناوئين, بل لا بد له من السيطرة الكاملة على الجهاز والنشاط الاقتصادي في البلاد لكي يشعر كل إنسان في المجتمع بأنه محتاج للنظام في الحصول على رزقه وعلى حجم الرزق الذي يريد الحصول عليه. وتتم السيطرة بشكل خاص على أجهزة الإعلام كلها لضمان تربية المواطنة والمواطن بالأفكار والسلوكية التي يريده رأس النظام لأفراد المجتمع, إذ بدونها يمكن نشوء بؤر مضادة له.
9. وأكثر الأمور أهمية بالنسبة للنظام هي أنه يمنح الحرية لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء في كل الأمور التي تمس المواطن وحقوقه المشروعة دولياً, ولكن من حيث المبدأ لا توجد حياة حرة ولا ديمقراطية بصورة مطلقة, إذ يفترض على المواطن إبداء آيات الخضوع والطاعة التامتين لرأس النظام وتعليماته في الحياة والعيش والعمل, وفي أوقات الحرب والسلام. وتعليماته تعتبر قوانين وقواعد عمل ملزمة للناس, سواء أكانوا من الرجال أم من النساء.
10. لا تكفي فروض الخضوع والطاعة لرأس النظام, بل يفترض العمل المتواصل على تمجيد رأس النظام والتسبيح بحمده. ومن هنا تعززت وأصبحت فعلاً يومياً, وهما العقاب لمن لا يلتزم بذلك والثواب لمن يلتزم بذلك. فتبارت مجموعات من الشعراء والقصاصين والرواة وكاتبي المقالات الصفراء وناشري المطبوعات التمجيدية عن الحياة الشخصية للدكتاتور وعن "أفعاله العظيمة" التي ارتبطت بتقديم الهدايا والأوسمة من نقود وسيارات ودور سكن وحلى ذهبية ومعالجات طبية باعتبارها عطايا القائد للمخلصين له من أبناء شعبه, لكل المداحين. وكان النسيان أو العقاب يشمل الآخرين ممن لا يقف مع فرق المداحين.
11. وخلال فترة غير قصيرة مارس النظام سياسة فرق تسد ونهج التحالف لضرب وتدمير طرف ثالث وهكذا استطاع النجاح في ضرب العديد من الأطراف بهذه السياسة. ولكن لم يكن العيب فيه وحده, بل العيب في الأطراف التي قبلت الوقوع في فخ التحالفات المؤقتة للتخلص من الآخرين أو لقناعة بأن في مقدورها التأثير على وجهة سير النظام, رغم الدروس الماضية التي كانت قد أوضحت بعدم إمكانية الوصول إلى تغيير في طبيعة هذه المجموعة من القوى السياسية ذات الاتجاهات الشوفينية والعنصرية والاستبدادية. ومع أن القوى التي وقعت في حبائل النظام لم تكن كثيرة, إلا أنها كانت كافية لتعزيز مواقع النظام في فترات أحس بها بالضعف والحاجة للآخر وأضعفت مصداقيتها في أعين الكثير من المؤيدين لها قبل ذاك.
12. ومن أجل منح فكره وسياسته قوة دافعة وكاسحة هيمن النظام على أجهزة الإعلام السمعية والبصرية والمقروءة وعلى النشر والطباعة والمسرح والسينما بهدف التثقيف الكامل بوجهة البعث, وكذلك على مناهج التدريس في مختلف مراحل التدريس ابتداءً من الروضة وانتهاءً بالدراسات العليا.
12. ووفق سياسات خارجية معينة مارسها النظام تسنى له ولفترة طويلة التحكم بعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع أغلب دول العالم في فترة كان العالم ما يزال يعاني من عواقب الحرب الباردة بين الشرق والغرب أولاً, كما كانت سياسة دول العالم, وهي ما زالت حتى الآن, تقوم على المصالح أساسا وليس على المبادئ التي تضمن حقوق الإنسان والشعوبً, وبالتالي كان النظام مستعداً لتلبية مصالح تلك الدول من خلال الثروة النفطية الهائلة من جهة, ومن خلال استيراد المزيد من السلع العسكرية والاستهلاكية بسبب امتلاكه لعوائد النفط الخام المصدر من جهة ثانية. وقد حققت الدول الكبرى وغيرها الكثير من الأرباح على حساب مصالح وحياة ومستقبل الشعب العراقي من خلال أسلوب وأهداف تعاملها غير الإنسانية مع النظام العراقي.

2. أساليب تعذيب النسوة في نظام صدام حسين
نتيجة كل ذلك أقام صدام حسين في العراق نظاماً دكتاتورياً يتميز بالقسوة والشراسة والسادية الدموية, نظاماً لا يميز بين الشيخ والصبي, وبين المرأة والرجل, وبين المريض والناصح في التصدي لمن يشعر بأنه يشكل بهذا القدر أو ذاك خطراً عليه. وفي المقابل سكت العالم عن كل ما كان يعرفه من ممارسات إجرامية لهذا النظام سكوت أبي الهول. ولهذا السبب أيضاً تمكن النظام من البقاء فترة طويلة في الحكم. وبقى المجتمع العراقي في حينها وإلى حين سقوطه يعاني من قسوة النظام وجلاوزته ومن سياساته وعقوباته ونشاط أجهزته الأمنية العديدة. والنسوة في العراق عانين من طبيعة هذا النظام ومن سياساته باتجاهات عديدة, فقد فقدن أقرباؤهن في الحروب الداخلية والخارجية وفي السجون والمعتقلات, وحرمن من حقوقهن المشروعة وجرى التجاوز حتى على حقوقهن التي ضمنها الدستور المؤقت للنظام. كما واجهن غضب النظام وقمعه الشرس بشكل مباشر عبر الملاحقة والاعتقال والتعذيب والسجن دون محاكمة والاغتصاب الجنسي والقتل تحت التعذيب أو الإعدام بمختلف الأساليب.
لقد فقدت المرأة حقوقها التي تمتعت بها قي ظل العهود والحكومات السابقة, وخاصة تلك الحقوق البسيطة التي منحتها لها ثورة تموز 1958, وأصبحت من جديد تعاني من ويلات اضطهاد الرجل في البيت والذكور في المجتمع عموماً ومن الدولة بقوانينها وعقوباتها وسلبها كامل شخصيتها تقريباً.
ولم تختلف أساليب التعذيب التي كانت تمارس ضد النساء عن تلك التي مورست ضد الرجال, فكن في هذا الأمر سواسية, إلا أن ما كان يصيبهن وهن حاملات مثلاً يفوق ما كان يصيب الرجل, إذ غالباً ما كن يفقدن حملهن بسبب التعذيب أو يقتلن وفي بطونهن حملهن أو يلدن وهن في السجن ثم تتم مصادرة أطفالهن أو حتى يقتلون.
نشرت الكاتبة البريطانية جين ساسون في عام 2003 كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية ثم ترجم في نفس العام إلى اللغة الألمانية تحت نفس العنوان "ميادة ابنة العراق" . يحكي هذا الكتاب قصة حياة سيدة عراقية من عائلة عراقية معروفة هي ميادة نزار جعفر مصطفى العسكري, حفيدة الشخصية القومية العربية المعروفة ساطع الحصري من جانب الأم (سلوى الحصري), وحفيدة القائد العسكري العراقي ووزير دفاع أسبق في العهد الملكي جعفر مصطفي العسكري من جانب الأب (نزار العسكري) . وفي هذا الكتاب تسجل الكاتبة البريطانية لوحة مريعة ومحزنة جداً لواقع النظام العراقي في فترة حكم صدام حسين وتضع القارئة والقارئ في صورة واقعية, ولكنها جزئية, لمعاناة النسوة في بعض معتقلات النظام العراقي وخارجه وعن جملة من أساليب التعذيب التي مورست ضدهن في معتقلات مديرية الأمن العامة (البلديات) في بغداد على أيدي جلاوزة النظام, كما تقدم لوحة صادقة عن سلوكيات بعض أبرز مسئولي النظام وأجهزته الأمنية. وضعت السيدة ميادة العسكري في الزنزانة رقم 52 الخاصة بالنساء. كانت الزنزانة قد صممت لتسع ثمانية أشخاص في الحد الأقصى, ولكن وجدت نفسها مع سبعة عشر امرأة. تفوح من هذه الزنزانة رائحة العفونة والبول والرطوبة وبرودة الأرضية الكونكريتية المسلحة. ثمانية عشر امرأة: سمارا وعلياء ورشا ورولا وإيمان وصباح ومنى وسفانة وسارا وجميلة وحياة وآسيا وآمان ومي وأماني وأنوار ووفاء وميادة. ليس بينهن سوى ثلاث نساء اتهمن بهذا القدر أو ذاك بالسياسة, إحداهن بعثية وأخرى متهمة بقربها من الشيوعيين وثالثة اعتقلت لأن زوجها وابنها هربا إلى تركيا خشية الاعتقال بسبب اتهامهما بالعمل مع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية. أما ميادة فاتهمت في احتمال استخدام أحد العاملين لديها جهاز الاستنساخ في مكتبها في استنساخ بعض البيانات لقوى دينية شيعية. أما البقية فالاتهامات الموجهة لهن أما السفر بجواز سفر مزور أو فقدانهن جواز سفرهن واستخدامه من أخريات للسفر إلى خارج العراق أو حصول سرقة في الدائرة التي يعملن بها أو تلاعب مديرهن بحسابات البنك الذي كانوا يعملون به ...الخ.
جميع النسوة المعتقلات في الزنزانة رقم 52 تعرضن للتعذيب الشرس يومياً تقريباً وبالتناوب لانتزاع اعتراف منهن بأنهن مشاركات في التهم الموجهة إليهن دون أن تكون التهم الموجهة لأغلبهن, إن لم نقل لجميعهن, صحيحة أو مستندة إلى وثائق دامغة, إذ لم يكن هناك تحقيقاً سليماً من الناحية القانونية, كما لم يكن التحقيق سوى عملية تعذيب وإهانة واستباحة, وخلال عملية التعذيب تطرح الأسئلة من الجلادين أنفسهم. بعض النسوة قضى ثلاث سنوات مثلاً وانتقل من معتقل إلى آخر إلى أن حط الرحال في الزنزانة رقم 52, وعانين من التعذيب بمختلف صوره وأشكاله في كل تلك المعتقلات, ولكن قمة العذاب كانت في معتقل الأمن العامة في البلديات. أغلب النساء المعتقلات كن من أتباع المذهب الشيعي, في حين تتبع ميادة المذهب السني.
تصف الكاتبة البريطانية وصفاً دقيقاً وحزيناً لحالات من التعذيب الذي تعرضت له سارا مرة وسفانة مرة أخرى أو سمارا أو منى أو جميلة أو ميادة أو غيرهن من المعتقلات. كما كانت تنقل عن ميادة وصفها لحالة المعتقلين الآخرين من الرجال والنساء في الزنازين المجاورة. ففي نهاية الفصل الموسوم "جدو ساطع" الحصري, نقلاً عن ميادة العسكري, تشير الكاتبة ساسون إلى المعتقل الشيعي أحمد المتهم بالوهابية, والذي كان يؤذن في الصباح الباكر أو يتلو آيات من القرآن بصوت مرتفع يصل عبر الجدار العازل بين زنزانته وزنزانة النساء فتقول:
"من خلال الجدار كان بإمكانهم سماع صوت الشاب الوهابي المتدين وهو يدعو إلى الصلاة بصوت مرتفع. وفجأة تحولت صلاته إلى صراخ. بلغت التوتر العصبي لدى ميادة إلى الحد قفزت من مكانها وتشبثت بذراعي سمارا وصرخت مرعوبة: "إنهم يقتلونه! إنهم يقتلونه!"
ردّت عليها سمارا بصوت منخفض قائلة: كلا, ولكن ما يفعلونه به هو أبشع من الموت, وبشكل خاص لرجل مسلم متدين.
لم تفهم ميادة ما كانت تعنيه سمارا, إلى أن سمعت, كيف كان الرجال يسحبون أحمد إلى الممر حتى وصولا به بشكل متعمد أمام مدخل زنزانة النساء. وبدأوا باغتصابه واحداً بعد الآخر. كانت ميادة في حالة ارتعاب. الاغتصاب البهيمي استمر حوالي ساعة واحدة, ثم سمعت ميادة, كيف كان أحد الحراس يضحك وهو يقول لأحمد: " ريح نفسك. أنت الآن امرأة لثلاثة رجال ويجب أن تكون منذ الآن طوع إرادتنا" .
وفي الفصل الموسوم ب"التعذيب" تصف الكاتبة نقلاً عن ميادة حالة الزنزانة والنسوة المعتقلات وأساليب التعذيب التي كن يتعرضن لها يومياً, سواء أكان ذلك في الصباح أم في الليل, رغم أن عمليات التعذيب كانت تتم في غرفة التعذيب الخاصة ليلاً. مورس في الغرفة المهيأة لأغراض التعذيب من قبل جلادين ضخاماً غلاظ النفوس وبليدي الإحساس, قساة لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلوبهم, يتلذذون ويقهقهون ويتندرون في ما بينهم وهم يمارسون الأساليب التي تؤدي إلى إصابة المرأة المعتقلة بالرعب والخوف والتشنجات العصبية بسبب عذابات التعذيب أو خشية الموت تحت التعذيب. كان الضرب المبرح بالسياط على الظهور أو الضرب بالعصي والسياط على باطن الأقدام أو الضرب العشوائي في كل مكان من أنحاء الجسم, وخاصة على العمود الفقري والرقبة, أو التعليق والضرب وتقييد الأيدي أو استخدام التيار الكهربائي على المواقع الحساسة من جسم المرأة وإنزال الصعقات التي تعرض الضحية إلى شتى أشكال العذاب والاقتراب من الغيبوبة أو السقوط بها فعلاً. كان التعذيب عادة يومية لا مناص منها, ولكنها كانت تتباين في من يسحب للتحقيق أو لمجرد التعذيب والتلذذ به. يجري التعذيب في أحيان غير قليلة والمرأة عارية تماماً بهدف لإذلالها أو التمتع الجنسي السادي بعذاباتها وهدر كرامتها أو بعض الأحيان اغتصابها دون أن تجرأ المرأة المغتصبة جنسياً التحدث بذلك أو حتى دون أن يجرأن الأخريات من النسوة الاستفسار عن ذلك. ولكن كل الدلائل كانت تشير إلى احتمال كبير بحصول ذلك. وتحت سياط التعذيب سقطت جميلة جثة هامدة. كان فرك أعقاب السجائر المشتعلة في جسم الضحية, على الثديين والحلمة وفي البطن والظهر والساقين والمؤخرة حالة اعتيادية في عمليات التعذيب. وكان التعذيب يمارس بسبب اعتياد الجلادين على ممارسته دون الرغبة في الحصول على معلومات, إذ كان الجلادون يدركون أن ليست هناك معلومات يمكن الحصول عليها أو يمكنهن الإدلاء بها.
وتصف ميادة عبر الكاتبة البريطانية ما حصل لهن جميعاً حين جاء الجلادون واقتادوهن واحدة تلو الأخرى وبحركة سريعة جنوبية صوب غرفة التعذيب والصراخ يملأ الممر والقاعة التي وضعوا فيها وكيف بدأ التهديد بإطلاق العيارات النارية وكأن هناك من يريد قتلهن جميعاً. كانت الصورة مأساوية وكان الرعب قد سيطر على كل النسوة دون استثناء وكان الصراخ منهن يعم القاعة وكانت قهقها وزعيق الشرطة السرية المكلفة بحراستهن وتعذيبهن والتحقيق معهن يعلو كل الأصوات. كن قد تدافعن واصطدمت الواحدة بالأخرى في غرفة مظلمة لا يعرفن أين وماذا يراد بهن, ثم تم دفعهن إلى مؤخرة القاعة حيث فرض عليهن الوقوف جنباً إلى جنب ووجوههن صوب الحائط. ثم بدأت الشرطة بتهيئة البنادق الرشاشة وكأنهم يريدون رمي النساء. أيقن النسوة بأنهن يعشن آخر لحظات حياتهن, فبدأ بعضهن بالصلاة والدعاء وبعضهن الأخر يفكر بما ترك خلفه من أطفال وأمهات كبيرات السن ,,الخ. وبعد عدة ساعات من هذا النمط من التعذيب النفسي والجسدي أعدن إلى زنزانتهن وهن اقرب إلى الغيبوبة والموت منهن إلى الحياة. هكذا كانت رغبة الجلادين في أن يتمتعوا بتعذيب النسوة على هذه الطريقة, إذ لم يكن لهم ما يقومون به غير ذلك النوع من العمل غير الإنساني والبشع.
لم يكن النظام العراقي قد عرض النسوة إلى التعذيب تماماً كما كان يحصل للرجل ويزيد عن ذلك, بل كان قد بدأ بقطع رؤوسهن بحجة العهر والرذيلة, في حين كان النظام نفسه يغوص في العهر السياسي والرذيلة الفعلية واغتصاب النساء والرجال على حد سواء.

ثانياً واقع المرأة في المجتمع في العراق

لم تكن معاناة المرأة في ظل النظام الاستبدادي القمعي إلا مغالاة وإمعاناً في اغتصاب حقوق المرأة وجعلها جزء هامشياً تابعاً وخاضعاً لسيادة الرجل. إذ أن الأصل في كل ذلك هو موقف الرجل عموماً من المرأة في المجتمع العراقي. فالمعايير التي يعتمدها علم الاجتماع في التعرف على الموقع الذي تحتله المرأة في أي من المجتمعات البشرية كثيرة ومتعددة الأوجه, ومن خلالها يمكن التعرف على واقع ومستوى تطور تلك المجتمعات. ويمكن في هذا الصدد إيراد ثلاثة معايير جوهرية تعتبر معايير مركزية لاختبار موقع المرأة ومكانتها في مجتمع ما, وهي:
• طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في هذا البلد أو ذاك ومستوى تطور القوى المنتجة المادية منها والبشرية فيه, بما في ذلك مستوى تطور التعليم والمهارة الفنية وتطور العلوم والحياة الثقافية والمعارف العامة, أو ما يطلق عليه اليوم بالتطور البشري أو الإنساني.
• مستوى الحياة الديمقراطية ومدى وجود وسيادة دستور ديمقراطي وتمتع شعوب هذا البلد أو ذاك بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية.
• دور المرأة ومكانتها في المجتمع إلى جانب الرجل ومكانتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومدى تمتعها بحريتها وحقوقها كاملة غير منقوصة من جهة ومدى تمتع الطفل بالرعاية والحماية والتربية العلمية من جهة أخرى, إضافة إلى سبل التعاون والتفاعل بين المرأة والرجل في البيت والمجتمع.
وإذا حاولنا دراسة واقع المجتمع العراقي من خلال هذه المعايير, أي من خلال الربط العضوي في ما بين البناء التحتي للمجتمع والبناء الفوقي المهيمن عملياً لوجدنا الحقائق التالية:
1. سيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وتقاليدها وعاداتها, بما في ذلك العلاقات العشائرية التي تعود إلى حد ما إلى العلاقات الأبوية التي تسبق العلاقات الإنتاجية الإقطاعية في الريف, ولكن تعكس تأثيراتها وممارساتها البارزة على المدينة بشكل كبير وبشكل خاص في المجمعات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً من قبل الدولة والمجتمع والمنحدرة من أصل ريفي فلاحي ولم تدخل عالم الصناعة والعلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وهي علاقات تحترم المرأة نسبياً في داخل العائلة, ولكنها تحتقرها خارج إطار العائلة والمجتمع وتعتبرها ناقصة العقل وعاجزة عن التفكير والتصرف العقلاني وهي دونية ينبغي الحذر منها, إذ حتى عندما يأتي ذكر المرأة في حديث بين الرجال يرفقها الرجل "حاشاك!", وكأنها شيئاً محتقراً أو غير نظيف. وهو تعبير يحط من قدر الأنثى, وكأن الذكور يتحدثون عن شيء لا قيمة له بل أن ذكره يسيء للإنسان الذكر الذي هو "أعلى خلقاً وأكثر عقلاً وأوفر حصافة وقدراً من الأنثى في المجتمع". والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ترتبط بالإنتاج الزراعي في الريف الذي يعتمد الزراعة اليدوية والأدوات البالية التي تؤثر على ضعف مستوى الإنتاجية والإنتاج ومستوى المعيشة للغالبية العظمى من الفلاحين مما يجعل حياة الفلاحين في فقر مدقع ودين دائم, في حين يهيمن الإقطاعي على القسم الأعظم من الريع المنتج من جهد الفلاحين لصالحه ولصالح أفراد عائلته وسراكيله. ويحرم هذا الواقع الفلاحين بشكل عام من القدرة على التعلم والتمتع بالثقافة وفهم أمور الحياة بشكل أعمق, علماً بأن المرأة في الريف تُستغل بشكل مريع وأكثر من الرجل في أحايين كثيرة, فهي التي تنجب الأطفال وتطبخ وتنظم وتنظف الدار وتربي الأطفال وتعمل في الحقل وهي التي يمكن أن تذهب لتسويق المنتجات الزراعية في السوق المحلية, ورغم كل ذلك فهي غير مستقلة اقتصادياً عن الرجل, بل خاضعة وتابعة لسطوة الرجل وهيمنته الكاملة اجتماعياً واقتصادياً, ولكنهما يخضعان معاً, أي المرأة والرجل, لنفوذ الإقطاعي وسطوته المالية وهيمنته الكاملة واستغلاله البشع. والمجتمع العراقي لم ينفض عن نفسه هذه العلاقات, رغم صدور قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة تموز 1958, فأن المرحلة التي تلت ذلك, وخاصة في فترة الثمانينات وما بعدها عاد المجتمع إلى تلك العلاقات الاستغلالية المتخلفة والمعرقلة للتطور الصناعي لتفرض نفسها في الواقع الحياتي المعاش في الريف والمدينة. وهكذا نجد وضع المرأة العراقية في المدينة لا يختلف كثيراً عن المرأة في الريف إلا من حيث كونها تحصل على بعض الخدمات الإضافية التي تحرم منها المرأة في الريف, وهي حبيسة البيت والمطبخ وتربية الأطفال وسجن العباءة الظالم والحرمان من أغلب الحقوق والواجبات الحقيقية في المجتمع. وعندما تحرم النسبة العظمى من النساء من العمل والحصول على أجر مناسب, فهن لا يتمتعن بأي استقلال اقتصادي ولا بحريتهن, وبالتالي فهن خاضعات وتابعات للرجل.

2. والحياة السياسية في العراق على امتداد العقود الثمانية المنصرمة لم تكن في الغالب الأعم سوى حياة خالية من ممارسة النصوص الدستورية, سواء أكانت نصوص دستورية دائمة أم مؤقتة, رغم أن تلك الدساتير كانت تتضمن بعض المبادئ الديمقراطية, ولكن الممارسة العملية كانت تشير إلى عكس ذلك وخاصة في العقود الأربعة الأخيرة. فالمجتمع خلال فترة حكم البعث الصدامي لم يعرف الحرية والديمقراطية واغتيلت بالكامل حقوق الإنسان وحريته وكرامته بصيغ وأساليب وأدوات شتى. وكانت حصة المرأة تمثل الجزء الأكبر من الحرمان والظلم والعذاب والتمييز المقيت في كل شيء. فإذا كانت حصة الرجل الزج في الحروب ليحمل السلاح ويقابل الموت يومياً وسقط منهم مئات الآلاف, فأن المرأة فقدت حتى ذلك الجزء الضئيل من الحرية التي تمتعت بها في العهد الملكي, وخاصة الفئة الأرستقراطية أو الفئة المثقفة, أو في العهد الجمهوري الأول وفق قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959, رغم كل نواقصه الجدية. وتعرضت المرأة إلى الموت تماماً كما تعرض الرجل في إطار الاعتقالات والتعذيب والحملات العسكرية التي نظمها النظام الاستبدادي ضد الشعب الكردي والقوميات الأخرى في كردستان العراق والعراق عموماً, وضد عرب الأهوار والوسط والجنوب, أو ضد الأكراد الفيلية, أو في ولوج السجون والتعذيب والموت تحت التعذيب أو التهجير الإجباري. كما تحملت مع أطفالها الكثير من المعاناة بما في ذلك جرائم الحرب وسقوط القنابل والصواريخ على رؤوس المدنيين في تلك الحروب القذرة وموت الكثير من البشر بسببها. لم تتمتع المرأة بحريتها واستقلالها الاقتصادي ونشاطها الاجتماعي ولم تُظلم من قبل الدولة والحكومة وحدهما فحسب, بل من قبل المجتمع, والذكور منهم بشكل خاص. وهي إشكالية مرتبطة بالعامل الأول. وغياب الدستور المدني الديمقراطي هو الذي يعزز من الحالة الراهنة التي تواجهها المرأة العراقية, وهي اليوم ليست حبيسة الدار والمطبخ والعباءة فحسب, بل حبيسة تخلف الغالبية العظمى من النسوة والجهل الكبير والتفسير الخاطئ والمتحيز والسيئ للدين من قبل الذكور والموجه ضد النسوة وحريتهن. ورغم اعتراف دولة العراق بلائحة حقوق الإنسان منذ إقرارها في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948, فإنها لم تجد التطبيق الفعلي, بل داس جميع الحكام في العراق عليها بالأقدام, وعندما حاول عبد الكريم قاسم إجراء تغيير نسبي على وضع المرأة باتجاه التغيير والتحسين النسبي وفق ما جاء في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959, هبت ضده كل قوى الظلام, وخاصة الرجال منهم, وشنت ضده حملة ظالمة في هذا المجال, لأنه أراد سحب بعض الامتيازات الممنوحة للرجل ومنح المرأة بعض حقوقها, من بينها الحد من تعدد الزوجات والإرث والطلاق ...الخ. وشاركت هذه القوى الظلامية بدورها في التأليب ضد قاسم من هذا المنطلق وساهمت في إسقاطه, وهي ما تزال تحمل رايات الظلام لتجهز على المرأة قبل أن تطالب بحقوقها, وقبل أن تصل تلك القوى إلى السلطة.

3. لو ألقينا نظرة فاحصة على المجتمع العراقي الراهن لوجدنا ما يلي:
 تراجع حقيقي للمرأة عن المشاركة في الحياة الوظيفية والخدمة العامة وفي النشاط الاقتصادي, وبالتالي تبعية فعلية للرجل في الحصول على تأمين لقمة العيش والمأوى.
 تراجع فعلي في دور المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية وفي التأثير الإيجابي على المجتمع وفي حياة الأندية الفكرية والرياضية والمحافل الثقافية.
 تراجع شديد في عدد الطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات بما يعكس موقف الرجل من المرأة. وكل المعطيات المتوفرة تشير إلى ذلك بصراحة كاملة.
 انتشار البطالة بشكل واسع في صفوف الإناث أضعاف حجم البطالة في صفوف الذكور.
 التأثير الصارخ لرجال الدين الرجعيين, وليس لبعض علماء الدين الذين يقرأون القرآن قراءة سليمة عقلانية واعية لأمور الدين والدنيا والعصر الحديث والتغيرات الطارئة عل هذه الحياة, وكذلك المشعوذين والسحرة واللاعبين بعقول كثرة من الذكور البسطاء والمسيطرين على عقول نسبة كبيرة من النساء وعلى تصرفاتهن وممارساتهن اليومية.
 وقوع المرأة حبيسة العباءة المركبة والحجاب الخانق الذي لم يأمر به القرآن ولا السنة المحمدية ولا الخلفاء الراشدين ولا علماء الدين المدركين لأمور الدين والدنيا, بل بعض أولئك الذين قرأوا القرآن بصورة خاطئة وغير عقلانية وظالمة ووفق ما يريدونه مسبقاً للنساء المسلمات. إنها تجسد الرغبة الجامحة لدى الرجال في الهيمنة على المرأة والغيرة غير العقلانية عليها, وهي تنطلق من وعي مسطح ونزعة جنسية ذكورية إزاء المرأة. إن من ينظر إلى المرأة المثقفة والمتعلمة في عراق اليوم, تلك المرأة التي كانت قبل عشرين عاماً قد وضعت العباءة جانبا, يراها قد عادت العشرينات من القرن العشرين, وهي أزمة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية يعيشها الشعب العراقي وتعيشها المرأة بالذات, كما يلعب الإرهاب الديني المشوه دوراً كبيراً في كل ذلك, وهو ما يفترض مواجهته والتصدي له بكل حزم.
 وإذا كانت المرأة قد وضعت في مجلس الحكم الانتقالي ثم في الحكومة المؤقتة واختيرت أو انتخبت ضمن المئة بخمسة وعشرين عضواً, فذلك جاء بتأثير المدنيين العلمانيين الديمقراطيين في قوى المعارضة العراقية السابقة وربما بتأثير مباشر وإيجابي من قبل بريمر, لا بتأثير المجتمع العراقي أو القوى التي لا تريد الخير للمرأة.
 ويمكن إيراد العشرات من الظواهر الأخرى التي تؤشر واقع تخلف المرأة في العراق وحرمانها من الدور والمكانة التي تليق بها باعتبارها النصف الأكثر حيوية في المجتمع والمسئول الفعلي عن إعادة إنتاج الإنسان مع الرجل. فالمرأة لها كل الحق في أن تكون نداً للرجل ومالكاً لكامل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الرجل دون استثناء وفي جميع المجالات. فالمرأة ليست للإنجاب فحسب, بل هي للحياة كلها بمختلف جوانبها ومستوياتها, وهي نبع الحياة وعلى النبع أن يمتلك الحياة بكل معانيها مع الرجل سواء بسواء.

ثالثاً: نحو تغيير موقف المجتمع من المرأة وموقف المرأة من نفسها في العراق
إن المجتمعات الغربية, رغم كل النواقص التي ما تزال المرأة تعاني منها, فإنها تمتلك حقوقاً يصعب على غالبية النساء العراقيات أن يحلمن بها بسبب حالة القهر والحرمان والتخلف والظلم التي تعشن تحت وطأتها. وهذه الحقوق ناجمة عن اختلاف في المعايير التي أوردناها قبل ذاك, إذ تسود في هذه البلدان العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وهي مجتمعات مدنية تسودها دساتير وحياة ديمقراطية تحترم كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته, وللمرأة في هذه المجتمعات مكانة ودور كبيرين ينموان باستمرار, رغم تعرض المجتمع كله إلى استغلال العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, واستغلال الإناث فيها أكبر من استغلال الذكور حتى الآن وجود بعض جوانب التمييز الصارخة بما في ذلك التمييز في الأجر إزاء نفس العمل وعدد ساعاته. ولكن المرأة تسير على خط نضالي متصاعد لانتزاع كامل حقوقها ومساواتها التامة بالرجل. وأول شيء تحتاجه المرأة هو التعليم بمختلف مراحله لتأمين القدرة على وعي ما يجري حولها والمشاركة في ذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر أشير إلى أن نفوس مدينة برلين, عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية بلغ في عام 2003 حوالي 3400000 نسمة. في هذه المدينة ثلاث جامعات والكثير من الكليات والمعاهد المتخصصة, بلغ عدد الدارسين فيها في السنة الدراسية 2003/2004 (140177) طالبة وطالباً. 52,6 % من الإناث في مقابل 47,4 % من الذكور. حتى أن بعض الجامعات نجد أن نسبة الإناث بلغت 58,3 %’, كما هو الحال في جامعة همبولدت. إن المرأة في الغرب تحتل مواقعها في السياسة وفي قيادات الأحزاب وفي الوزارات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية وكذلك في المجالس النيابية على مختلف المستويات, كما أنها تلعب دوراً متميزاً في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء, وفي الحياة الثقافية والتأليف والنشر وفي مجالات العمل الإبداعي بمختلف جوانبه. ومع ذلك هناك الكثير من العوائق والمصاعب التي تواجه المرأة ومنها التمييز في بعض مجالات العمل والتوظيف والأجر والاستغلال والبطالة وانتشار ظاهرة العهر النسوي بسبب الحالة المادية لعدد متزايد من النسوة, وخاصة القادمات من أوروبا الشرقية, وهي جزء من تركة المجتمع الإقطاعي الذكوري والطابع الاستغلالي للمجتمع الرأسمالي الراهن أيضاً.
إن ما ينبغي النضال من أجله في العراق في المرحلة الراهنة يتلخص في:
• تضمين الدستور مساواة تامة بين المرأة والرجل في كل الميادين والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والفنية والعسكرية دون استثناء. إصدار قانون خاص يستند إلى لائحة حقوق المرأة الدولية, وإلغاء جميع القوانين المخالفة للائحة حقوق الإنسان ولائحة حقوق المرأة الدولية وتلك التي تستهين بدور المرأة ومكانتها في المجتمع أو تمارس التمييز ضدها.
• رفض أي شكل من أشكال التمييز إزاء المرأة وإدانته ومكافحته وتقديم من يمارسه إلى القضاء لمقاضاته.
• دعم جهود المرأة في مكافحة أمية كبار السن وخاصة في الريف, وكذلك النهوض بمستواها التعليمي والثقافي وقدرتها على مزاولة مختلف النشاطات الفكرية والثقافية والاجتماعية والفنية وتشكيل منظماتها غير الحكومية.
• دعم جهودها للحصول على فرص عمل وضمان استقلالها الاقتصادي وأجر مساو لأجر الرجل لعمل مماثل.
• حق المرأة في احتلال جميع المناصب في الدولة ابتداء من رئيس الجمهورية وانتهاء بالوزراء ورؤساء المؤسسات وكبار الموظفين والمستخدمين والقضاء العراقي ومجلس النواب والمجالس البلدية ... الخ.
• تأمين فرص مناسبة لضمان مساعدة المرأة في تحمل أعباء تربية الأطفال مع الرجل ومن خلال فتح دور الحضانة ورياض الأطفال ... الخ.
• إصدار قانون بحرم تعريض الأطفال والصبية إلى الضرب في البيت أو المدرسة أو في أي مكان آخر وحمايته ومنع تشغيله وإلزامه بدخول المدرسة حتى نهاية الصف التاسع /نهاية الدراسة المتوسطة, وتامين الظروف المناسبة لنشأته على أسس صحيحة.
• احتلال المرأة موقعها المناسب في مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتخصيص نسبة مناسبة لها تقترب تدريجاً ومع تطور دورها مع نسبتها في عدد السكان.
• رفض القيود التي يراد فرضها على المرأة من خلال تطبيق الشريعة, التي هي من عمل الذكور بالأساس ومتباينة من مشرع إلى آخر ومن بلد إسلامي إلى آخر, ووضع قانون الأحوال الشخصية يتماشى والعصر الذي نعيشه والحقوق التي حققتها المرأة على الصعيد الدولي.
• رفض مبدأ تعدد الزوجات وحماية المرأة من اضطهاد الرجل وتطبيق لائحة حقوق المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة بالكامل.
• رفض إلزام المرأة المسلمة بارتداء الحجاب أو العباءة, وتركها تمارس ما تريده ومساعدتها على الخلاص من أي قيد يحد من حريتها وحركتها وتنقلاته داخل وخارج الوطن ونشاطها ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقوات المسلحة وقوات الشرطة وشرطة المرور والأمن الداخلي.
• تحريم التجاوز على المرأة أو ضربها وتحريم ما يطلق عليه "القتل من أجل غسل العار" ومعاقبة صارمة لفاعليه ومروجيه والمدفعين عنه, فالمحاكم المدنية هي المسئولة عن البت في مثل هذه الأمور.
• ,,,, الخ.
إن مثل هذه البنود تستوجب إقامة دولة فيدرالية مدنية ديمقراطية حديثة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات واحترام استقلالية القضاء والفصل بين الدين والدولة مع الاحترام الكامل لكل الأديان والمذاهب والأفكار والاتجاهات السياسية السلمية ورفض العنف في الوصول إلى السلطة أو فرض الرأي.
إذا كان هذا الجانب هو الأساسي في النضال من اجل انتزاع حقوق المرأة وتأكيدها تشريعاً, فإن المجتمع العراقي, وخاصة المرأة, بحاجة إلى نضال خاص مع المرأة ذاتها لإقناعها بأهمية تمتعها بحقوقها المشروعة وعدم الرضوخ لهيمنة الرجل أو القبول بالتبعية له. وهي عملية نضالية ليست اقل أهمية من الشق الأول, إذ أن القرون والعقود المنصرمة جعلت المرأة تعتقد بأن لا حقوق لها وأن الله قد كتب عليها العيش بهذه الصورة لا غيرها, وأن أفضل ما تقوم به هو إرضاء زوجها. إن النضال لتغيير هذه النظرة, لتغيير ما في النفس, أصعب بكثير من القيام بثورة ضد القيم القديمة البالية والراسخة في أذهان الناس. إن مهمة الرجال هو الاقتناع بذلك أولاً ذم البدء بممارسته في البيت والمحيط الذي يعيش ويعمل فيه وفي عموم المجتمع, إنها عملية معقدة ولكن لا مناص منها.
كما أن من واجب المرأة الواعية لحقوقها وواجباتها في البيت والمجتمع والدولة أن تمارس النضال لإقناع النسوة اللواتي يعملن معها والمحيط الذي تعمل وتعيش فيه والمجتمع, إذ بدون ذلك لن نحقق النتائج المرجوة. علينا أن نعمل لإقناع النساء, كل النساء, بحقوقهن المشروعة والعادلة وبواجباتهن.
ويمكن لمنظمات المجتمع المدني النسوية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية الأخرى أن تلعب دوراً كبيراً في هذا الصدد. والخطوة الأساسية على هذا الطريق تبدأ بالتخلص من الجهل والأمية التعليمية والسياسية, ومن ثم الثقافية والحضارية,
إن المجتمع العراقي الجديد مؤهل لأن يبني حضارة جديدة ويستفيد من حضارة العصر الجديد لتطوير قدراته وكفاءاته وتعزيز دوره للمساهمة في بناء الحضارة البشرية الحديثة, تماماً أو حتى أفضل من الدور الذي قام به المجتمع العراقي القديم ف بناء أول حضارة إنسانية في هذه العالم الواسع الأرجاء. إن الشعب العراقي يقبل هذا التحدي الذي يفرضه العصر, والمرأة العراقية, سواء أكانت عربية أم كردية أم تركمانية أم آشورية وكلدانية, وسواء أكانت مسلمة أم مسيحية أم إيزيدية أم صابئية مندائية أم يهودية أم أي دين أو مذهب آخر تؤمن به وتتبعه, ستكون في طليعة هذا الركب الإنساني الحديث. إنها ليست أمنيات فحسب, بل هي طاقات وإمكانيات كامنة يفترض تفجيرها بعناية كبيرة ورعاية تامة ووعي بالمسئولية التاريخية الملقاة على عاتق الجيل الجديد من الشابات والشباب العراقي, ولكنها تبقى مهمة الجميع.
برلين في 27/08/2004 كاظم حبيب

كاظم حبيب

نحو تغيير جذري في واقع ودور وحياة المرأة العراقية

أولاً: نظرة سريعة حول تعذيب النساء في جمهورية الرعب الصدّامية

1. طبيعة النظام الصدّامي
لم يميز النظام العراقي بين الرجال والنساء في الاعتقال والتحقيق والتعريض للتعذيب والاغتصاب والقتل تحت التعذيب. ولم يكن التعذيب للنساء موجهاً ضد النساء اللاتي يعملن في الحقل السياسي, بل ضد كل النساء اللاتي تعتقلن لأي سبب كان من أجل انتزاع الاعترافات بشأن القضايا التي اعتقلن من أجلها, حتى لو كانت التهمة جنحة أو مخالفة.
أقام صدام حسين في وقت مبكر جمهورية الرعب الصدامية, على أسس معينة لا تختلف كثيراً عن جميع الدكتاتوريات في العالم, وخاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, ولكنها تتميز عنها في ثلاث نواحي تستوجب الإشارة إليها لأهميتها في مواجهة نظم من هذا الطراز في المستقبل:
* استفاد إلى أقصى الحدود من خبرة وتجارب الدول الأخرى في سبل ممارسة الإرهاب والقمع والقسوة البالغة وحماية النظام الدكتاتوري من الرافضين له والمناضلين ضده.
* دمج في ممارسة الإرهاب وإرعاب المجتمع وقمع المعارضة كل الأساليب التي عرفتها النظم الاستبدادية السابقة مضيفاً إليها كل ما استجد من أساليب التعذيب وممارسة القسوة في إسقاط الضحية أو تدمير كرامته وثقته بنفسه وقدرته على الصمود, أي أنه دمج بين أساليب القهر البربرية للاستبداد الشرقي وأساليب القرون الوسطى والأساليب الحديثة الأكثر تطوراً من الناحية التقنية والمنتجة في بلدان الشرق والغرب.
* حظي النظام ولأكثر من عقدين من السنين بدعم كامل من دول الشرق والغرب ومساعدة في التسلح وخوض الحروب الداخلية ضد الشعب العراقي والحروب الخارجية وفي مساعدة النظام للإفلات من العقاب بسبب ممارسته سياسات مناهضة لحقوق الإنسان والتعذيب والقتل الجماعي, رغم أن العالم كان يعرف بكل ما كان يجري في العراق تماماً. كما أنه حظي بدعم الدول العربية لسنوات طويلة حتى غزوه الكويت والدول الإقليمية.
لقد تسنى لصدام حسين الحكم الفعلي في العراق قرابة 35 عاماً باسم البعث, سواء كنائب للرئيس أو باعتباره رئيساً مباشراً للجمهورية العراقية, وباعتباره منتخباً من الشعب بالرغم من رفض الشعب العراقي له ونظامه الدموي. ويمكن تلخيص أهم الأسس التي أقيم النظام الصدّامي على أساسها في النقاط المهمة التالية:
1. اعتبار كل الناس في المجتمع, سواء أكانوا من الرجال أم النساء, أعداء محتملين للنظام الجديد الذي أقيم في العراق عبر انقلاب عسكري, وبالتالي يفترض هذا التفكير تطوير جانب الحذر منهم جميعاً دون استثناء.
2. من أجل حماية النظام من جميع الأعداء المحتملين لا بد من تكوين آله عسكرية قادرة على تدمير العدو المحتمل حال بروز شك بسيط به, حتى لو كان أقرب أقرباء رأس النظام, فالولاء بالأساس ليس للنظام بذاته بل لرأس النظام ومن خلاله للنظام الذي يقف على رأسه.
3. من أجل حماية النظام يفترض تغييب كل أصحاب الفكر الآخر والناشطين في الحياة السياسة من غير أتباع النظام أو العاملين تحت رايته, سواء بتصفية تلك التنظيمات بالتي هي أحسن ومن خلال تقديم الجزرة المناسبة أو بالسجن والتعذيب والتدمير الكامل الجسدي لوجود صاحب الرأي والموقف الآخر. وفي هذا الموقف لا يوجد أي تمييز بين المرأة والرجل فكلاهما سواسية ويتحملون نفس العواقب من جراء حملهم للرأي الآخر. ومن الجدير بالإشارة إلى أن الفكر الصدّامي, الذي عمق الجانب العنصري والاستبدادي والقمعي لفكر البعث العفلقي, هو فكر استئصالي للآخر, سوا أكان الآخر فرداً أم جماعة أم حزباً أم جماعة قومية أخرى أم حتى شعباً آخر.
4. تعتبر كل مخالفة لقواعد النظام أو القوانين التي أصدرها بمثابة عدوان على النظام وعلى رأس النظام وبالتالي فالعقوبة تنزل بهم كما تنزل بالسياسيين المعادين للنظام أو المخالفين لرأي رأس النظام.
5. يفترض العمل على كسب الناس إلى حزب النظام ومنظمات النظام, سواء أكانون مستقلين أساساً أم أعضاء في أحزاب أخرى ويفترض ممارسة جميع الأساليب لتحقيق هذا الهدف, ومنها العنف والقسوة للفرد, سواء أكان رجلاً أم امرأة, ولأفراد عائلته. إلا أن عضوية الحزب أو المنظمات المهنية التابعة له لا يعني الثقة به, بل يفترض فرض الرقابة عليه وعلى أفعاله والتيقن المستمر منه.
6. وللوصول إلى مثل هذا الهدف لا يمكن الاعتماد على جهاز واحد, إذ أن الشك بولاء الأجهزة الأمنية ذاتها يفترض أن يبقى قائماً باستمرار لكي لا ينتفي الحذر منها, خاصة وأنها تمتلك وسائل العنف في يديها أيضاً, وبالتالي لا بد من تشكيل أكثر من جهاز أمني متعدد الأغراض وأحدهما يراقب الثاني وهلمجرا وتبقى خيوطها بيد رأس النظام ذاته وأقرب المقربين له ومنه.
7. إن وجود التعدد في الأجهزة الأمنية غير كاف لحماية رأس النظام من المجتمع, فلا بد والحالة هذه أن يتحول جزء كبير من بنات وأبناء المجتمع إلى مخبرين للنظام الأمني الذي كونه, سواء بدفع رواتب لهم أم بالتطوع. على أن يكون عمل هؤلاء في مختلف المجالات والمستويات وأكبر عدد ممكن منهم, إذ بذلك يتم ربط هذه المرأة أو ذاك الرجل بالنظام وحركة عجلته واتجاهات تطوره. ويمكن لهؤلاء أن يرتبطوا بآخرين وبالتالي يمكن تحويل الملايين من البشر ممن لا يثق النظام بهم بأساليب وطرق مختلفة بالنظام وأجهزته الأمنية وغير الأمنية وبمنظماته المهنية. والهدف من وراء ذلك شد المواطنة والمواطن بعدة خيوط لا يمكن الإفلات منها ويبتعد عن كل نشاط يمكن أن يؤذي النظام بأي صورة من الصور.
8. ولا يكفي ربط النظام بمثل هذه الخيوط الأمنية لحماية النظام من نشاط المناوئين, بل لا بد له من السيطرة الكاملة على الجهاز والنشاط الاقتصادي في البلاد لكي يشعر كل إنسان في المجتمع بأنه محتاج للنظام في الحصول على رزقه وعلى حجم الرزق الذي يريد الحصول عليه. وتتم السيطرة بشكل خاص على أجهزة الإعلام كلها لضمان تربية المواطنة والمواطن بالأفكار والسلوكية التي يريده رأس النظام لأفراد المجتمع, إذ بدونها يمكن نشوء بؤر مضادة له.
9. وأكثر الأمور أهمية بالنسبة للنظام هي أنه يمنح الحرية لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء في كل الأمور التي تمس المواطن وحقوقه المشروعة دولياً, ولكن من حيث المبدأ لا توجد حياة حرة ولا ديمقراطية بصورة مطلقة, إذ يفترض على المواطن إبداء آيات الخضوع والطاعة التامتين لرأس النظام وتعليماته في الحياة والعيش والعمل, وفي أوقات الحرب والسلام. وتعليماته تعتبر قوانين وقواعد عمل ملزمة للناس, سواء أكانوا من الرجال أم من النساء.
10. لا تكفي فروض الخضوع والطاعة لرأس النظام, بل يفترض العمل المتواصل على تمجيد رأس النظام والتسبيح بحمده. ومن هنا تعززت وأصبحت فعلاً يومياً, وهما العقاب لمن لا يلتزم بذلك والثواب لمن يلتزم بذلك. فتبارت مجموعات من الشعراء والقصاصين والرواة وكاتبي المقالات الصفراء وناشري المطبوعات التمجيدية عن الحياة الشخصية للدكتاتور وعن "أفعاله العظيمة" التي ارتبطت بتقديم الهدايا والأوسمة من نقود وسيارات ودور سكن وحلى ذهبية ومعالجات طبية باعتبارها عطايا القائد للمخلصين له من أبناء شعبه, لكل المداحين. وكان النسيان أو العقاب يشمل الآخرين ممن لا يقف مع فرق المداحين.
11. وخلال فترة غير قصيرة مارس النظام سياسة فرق تسد ونهج التحالف لضرب وتدمير طرف ثالث وهكذا استطاع النجاح في ضرب العديد من الأطراف بهذه السياسة. ولكن لم يكن العيب فيه وحده, بل العيب في الأطراف التي قبلت الوقوع في فخ التحالفات المؤقتة للتخلص من الآخرين أو لقناعة بأن في مقدورها التأثير على وجهة سير النظام, رغم الدروس الماضية التي كانت قد أوضحت بعدم إمكانية الوصول إلى تغيير في طبيعة هذه المجموعة من القوى السياسية ذات الاتجاهات الشوفينية والعنصرية والاستبدادية. ومع أن القوى التي وقعت في حبائل النظام لم تكن كثيرة, إلا أنها كانت كافية لتعزيز مواقع النظام في فترات أحس بها بالضعف والحاجة للآخر وأضعفت مصداقيتها في أعين الكثير من المؤيدين لها قبل ذاك.
12. ومن أجل منح فكره وسياسته قوة دافعة وكاسحة هيمن النظام على أجهزة الإعلام السمعية والبصرية والمقروءة وعلى النشر والطباعة والمسرح والسينما بهدف التثقيف الكامل بوجهة البعث, وكذلك على مناهج التدريس في مختلف مراحل التدريس ابتداءً من الروضة وانتهاءً بالدراسات العليا.
12. ووفق سياسات خارجية معينة مارسها النظام تسنى له ولفترة طويلة التحكم بعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع أغلب دول العالم في فترة كان العالم ما يزال يعاني من عواقب الحرب الباردة بين الشرق والغرب أولاً, كما كانت سياسة دول العالم, وهي ما زالت حتى الآن, تقوم على المصالح أساسا وليس على المبادئ التي تضمن حقوق الإنسان والشعوبً, وبالتالي كان النظام مستعداً لتلبية مصالح تلك الدول من خلال الثروة النفطية الهائلة من جهة, ومن خلال استيراد المزيد من السلع العسكرية والاستهلاكية بسبب امتلاكه لعوائد النفط الخام المصدر من جهة ثانية. وقد حققت الدول الكبرى وغيرها الكثير من الأرباح على حساب مصالح وحياة ومستقبل الشعب العراقي من خلال أسلوب وأهداف تعاملها غير الإنسانية مع النظام العراقي.

2. أساليب تعذيب النسوة في نظام صدام حسين
نتيجة كل ذلك أقام صدام حسين في العراق نظاماً دكتاتورياً يتميز بالقسوة والشراسة والسادية الدموية, نظاماً لا يميز بين الشيخ والصبي, وبين المرأة والرجل, وبين المريض والناصح في التصدي لمن يشعر بأنه يشكل بهذا القدر أو ذاك خطراً عليه. وفي المقابل سكت العالم عن كل ما كان يعرفه من ممارسات إجرامية لهذا النظام سكوت أبي الهول. ولهذا السبب أيضاً تمكن النظام من البقاء فترة طويلة في الحكم. وبقى المجتمع العراقي في حينها وإلى حين سقوطه يعاني من قسوة النظام وجلاوزته ومن سياساته وعقوباته ونشاط أجهزته الأمنية العديدة. والنسوة في العراق عانين من طبيعة هذا النظام ومن سياساته باتجاهات عديدة, فقد فقدن أقرباؤهن في الحروب الداخلية والخارجية وفي السجون والمعتقلات, وحرمن من حقوقهن المشروعة وجرى التجاوز حتى على حقوقهن التي ضمنها الدستور المؤقت للنظام. كما واجهن غضب النظام وقمعه الشرس بشكل مباشر عبر الملاحقة والاعتقال والتعذيب والسجن دون محاكمة والاغتصاب الجنسي والقتل تحت التعذيب أو الإعدام بمختلف الأساليب.
لقد فقدت المرأة حقوقها التي تمتعت بها قي ظل العهود والحكومات السابقة, وخاصة تلك الحقوق البسيطة التي منحتها لها ثورة تموز 1958, وأصبحت من جديد تعاني من ويلات اضطهاد الرجل في البيت والذكور في المجتمع عموماً ومن الدولة بقوانينها وعقوباتها وسلبها كامل شخصيتها تقريباً.
ولم تختلف أساليب التعذيب التي كانت تمارس ضد النساء عن تلك التي مورست ضد الرجال, فكن في هذا الأمر سواسية, إلا أن ما كان يصيبهن وهن حاملات مثلاً يفوق ما كان يصيب الرجل, إذ غالباً ما كن يفقدن حملهن بسبب التعذيب أو يقتلن وفي بطونهن حملهن أو يلدن وهن في السجن ثم تتم مصادرة أطفالهن أو حتى يقتلون.
نشرت الكاتبة البريطانية جين ساسون في عام 2003 كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية ثم ترجم في نفس العام إلى اللغة الألمانية تحت نفس العنوان "ميادة ابنة العراق" . يحكي هذا الكتاب قصة حياة سيدة عراقية من عائلة عراقية معروفة هي ميادة نزار جعفر مصطفى العسكري, حفيدة الشخصية القومية العربية المعروفة ساطع الحصري من جانب الأم (سلوى الحصري), وحفيدة القائد العسكري العراقي ووزير دفاع أسبق في العهد الملكي جعفر مصطفي العسكري من جانب الأب (نزار العسكري) . وفي هذا الكتاب تسجل الكاتبة البريطانية لوحة مريعة ومحزنة جداً لواقع النظام العراقي في فترة حكم صدام حسين وتضع القارئة والقارئ في صورة واقعية, ولكنها جزئية, لمعاناة النسوة في بعض معتقلات النظام العراقي وخارجه وعن جملة من أساليب التعذيب التي مورست ضدهن في معتقلات مديرية الأمن العامة (البلديات) في بغداد على أيدي جلاوزة النظام, كما تقدم لوحة صادقة عن سلوكيات بعض أبرز مسئولي النظام وأجهزته الأمنية. وضعت السيدة ميادة العسكري في الزنزانة رقم 52 الخاصة بالنساء. كانت الزنزانة قد صممت لتسع ثمانية أشخاص في الحد الأقصى, ولكن وجدت نفسها مع سبعة عشر امرأة. تفوح من هذه الزنزانة رائحة العفونة والبول والرطوبة وبرودة الأرضية الكونكريتية المسلحة. ثمانية عشر امرأة: سمارا وعلياء ورشا ورولا وإيمان وصباح ومنى وسفانة وسارا وجميلة وحياة وآسيا وآمان ومي وأماني وأنوار ووفاء وميادة. ليس بينهن سوى ثلاث نساء اتهمن بهذا القدر أو ذاك بالسياسة, إحداهن بعثية وأخرى متهمة بقربها من الشيوعيين وثالثة اعتقلت لأن زوجها وابنها هربا إلى تركيا خشية الاعتقال بسبب اتهامهما بالعمل مع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية. أما ميادة فاتهمت في احتمال استخدام أحد العاملين لديها جهاز الاستنساخ في مكتبها في استنساخ بعض البيانات لقوى دينية شيعية. أما البقية فالاتهامات الموجهة لهن أما السفر بجواز سفر مزور أو فقدانهن جواز سفرهن واستخدامه من أخريات للسفر إلى خارج العراق أو حصول سرقة في الدائرة التي يعملن بها أو تلاعب مديرهن بحسابات البنك الذي كانوا يعملون به ...الخ.
جميع النسوة المعتقلات في الزنزانة رقم 52 تعرضن للتعذيب الشرس يومياً تقريباً وبالتناوب لانتزاع اعتراف منهن بأنهن مشاركات في التهم الموجهة إليهن دون أن تكون التهم الموجهة لأغلبهن, إن لم نقل لجميعهن, صحيحة أو مستندة إلى وثائق دامغة, إذ لم يكن هناك تحقيقاً سليماً من الناحية القانونية, كما لم يكن التحقيق سوى عملية تعذيب وإهانة واستباحة, وخلال عملية التعذيب تطرح الأسئلة من الجلادين أنفسهم. بعض النسوة قضى ثلاث سنوات مثلاً وانتقل من معتقل إلى آخر إلى أن حط الرحال في الزنزانة رقم 52, وعانين من التعذيب بمختلف صوره وأشكاله في كل تلك المعتقلات, ولكن قمة العذاب كانت في معتقل الأمن العامة في البلديات. أغلب النساء المعتقلات كن من أتباع المذهب الشيعي, في حين تتبع ميادة المذهب السني.
تصف الكاتبة البريطانية وصفاً دقيقاً وحزيناً لحالات من التعذيب الذي تعرضت له سارا مرة وسفانة مرة أخرى أو سمارا أو منى أو جميلة أو ميادة أو غيرهن من المعتقلات. كما كانت تنقل عن ميادة وصفها لحالة المعتقلين الآخرين من الرجال والنساء في الزنازين المجاورة. ففي نهاية الفصل الموسوم "جدو ساطع" الحصري, نقلاً عن ميادة العسكري, تشير الكاتبة ساسون إلى المعتقل الشيعي أحمد المتهم بالوهابية, والذي كان يؤذن في الصباح الباكر أو يتلو آيات من القرآن بصوت مرتفع يصل عبر الجدار العازل بين زنزانته وزنزانة النساء فتقول:
"من خلال الجدار كان بإمكانهم سماع صوت الشاب الوهابي المتدين وهو يدعو إلى الصلاة بصوت مرتفع. وفجأة تحولت صلاته إلى صراخ. بلغت التوتر العصبي لدى ميادة إلى الحد قفزت من مكانها وتشبثت بذراعي سمارا وصرخت مرعوبة: "إنهم يقتلونه! إنهم يقتلونه!"
ردّت عليها سمارا بصوت منخفض قائلة: كلا, ولكن ما يفعلونه به هو أبشع من الموت, وبشكل خاص لرجل مسلم متدين.
لم تفهم ميادة ما كانت تعنيه سمارا, إلى أن سمعت, كيف كان الرجال يسحبون أحمد إلى الممر حتى وصولا به بشكل متعمد أمام مدخل زنزانة النساء. وبدأوا باغتصابه واحداً بعد الآخر. كانت ميادة في حالة ارتعاب. الاغتصاب البهيمي استمر حوالي ساعة واحدة, ثم سمعت ميادة, كيف كان أحد الحراس يضحك وهو يقول لأحمد: " ريح نفسك. أنت الآن امرأة لثلاثة رجال ويجب أن تكون منذ الآن طوع إرادتنا" .
وفي الفصل الموسوم ب"التعذيب" تصف الكاتبة نقلاً عن ميادة حالة الزنزانة والنسوة المعتقلات وأساليب التعذيب التي كن يتعرضن لها يومياً, سواء أكان ذلك في الصباح أم في الليل, رغم أن عمليات التعذيب كانت تتم في غرفة التعذيب الخاصة ليلاً. مورس في الغرفة المهيأة لأغراض التعذيب من قبل جلادين ضخاماً غلاظ النفوس وبليدي الإحساس, قساة لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلوبهم, يتلذذون ويقهقهون ويتندرون في ما بينهم وهم يمارسون الأساليب التي تؤدي إلى إصابة المرأة المعتقلة بالرعب والخوف والتشنجات العصبية بسبب عذابات التعذيب أو خشية الموت تحت التعذيب. كان الضرب المبرح بالسياط على الظهور أو الضرب بالعصي والسياط على باطن الأقدام أو الضرب العشوائي في كل مكان من أنحاء الجسم, وخاصة على العمود الفقري والرقبة, أو التعليق والضرب وتقييد الأيدي أو استخدام التيار الكهربائي على المواقع الحساسة من جسم المرأة وإنزال الصعقات التي تعرض الضحية إلى شتى أشكال العذاب والاقتراب من الغيبوبة أو السقوط بها فعلاً. كان التعذيب عادة يومية لا مناص منها, ولكنها كانت تتباين في من يسحب للتحقيق أو لمجرد التعذيب والتلذذ به. يجري التعذيب في أحيان غير قليلة والمرأة عارية تماماً بهدف لإذلالها أو التمتع الجنسي السادي بعذاباتها وهدر كرامتها أو بعض الأحيان اغتصابها دون أن تجرأ المرأة المغتصبة جنسياً التحدث بذلك أو حتى دون أن يجرأن الأخريات من النسوة الاستفسار عن ذلك. ولكن كل الدلائل كانت تشير إلى احتمال كبير بحصول ذلك. وتحت سياط التعذيب سقطت جميلة جثة هامدة. كان فرك أعقاب السجائر المشتعلة في جسم الضحية, على الثديين والحلمة وفي البطن والظهر والساقين والمؤخرة حالة اعتيادية في عمليات التعذيب. وكان التعذيب يمارس بسبب اعتياد الجلادين على ممارسته دون الرغبة في الحصول على معلومات, إذ كان الجلادون يدركون أن ليست هناك معلومات يمكن الحصول عليها أو يمكنهن الإدلاء بها.
وتصف ميادة عبر الكاتبة البريطانية ما حصل لهن جميعاً حين جاء الجلادون واقتادوهن واحدة تلو الأخرى وبحركة سريعة جنوبية صوب غرفة التعذيب والصراخ يملأ الممر والقاعة التي وضعوا فيها وكيف بدأ التهديد بإطلاق العيارات النارية وكأن هناك من يريد قتلهن جميعاً. كانت الصورة مأساوية وكان الرعب قد سيطر على كل النسوة دون استثناء وكان الصراخ منهن يعم القاعة وكانت قهقها وزعيق الشرطة السرية المكلفة بحراستهن وتعذيبهن والتحقيق معهن يعلو كل الأصوات. كن قد تدافعن واصطدمت الواحدة بالأخرى في غرفة مظلمة لا يعرفن أين وماذا يراد بهن, ثم تم دفعهن إلى مؤخرة القاعة حيث فرض عليهن الوقوف جنباً إلى جنب ووجوههن صوب الحائط. ثم بدأت الشرطة بتهيئة البنادق الرشاشة وكأنهم يريدون رمي النساء. أيقن النسوة بأنهن يعشن آخر لحظات حياتهن, فبدأ بعضهن بالصلاة والدعاء وبعضهن الأخر يفكر بما ترك خلفه من أطفال وأمهات كبيرات السن ,,الخ. وبعد عدة ساعات من هذا النمط من التعذيب النفسي والجسدي أعدن إلى زنزانتهن وهن اقرب إلى الغيبوبة والموت منهن إلى الحياة. هكذا كانت رغبة الجلادين في أن يتمتعوا بتعذيب النسوة على هذه الطريقة, إذ لم يكن لهم ما يقومون به غير ذلك النوع من العمل غير الإنساني والبشع.
لم يكن النظام العراقي قد عرض النسوة إلى التعذيب تماماً كما كان يحصل للرجل ويزيد عن ذلك, بل كان قد بدأ بقطع رؤوسهن بحجة العهر والرذيلة, في حين كان النظام نفسه يغوص في العهر السياسي والرذيلة الفعلية واغتصاب النساء والرجال على حد سواء.

ثانياً واقع المرأة في المجتمع في العراق

لم تكن معاناة المرأة في ظل النظام الاستبدادي القمعي إلا مغالاة وإمعاناً في اغتصاب حقوق المرأة وجعلها جزء هامشياً تابعاً وخاضعاً لسيادة الرجل. إذ أن الأصل في كل ذلك هو موقف الرجل عموماً من المرأة في المجتمع العراقي. فالمعايير التي يعتمدها علم الاجتماع في التعرف على الموقع الذي تحتله المرأة في أي من المجتمعات البشرية كثيرة ومتعددة الأوجه, ومن خلالها يمكن التعرف على واقع ومستوى تطور تلك المجتمعات. ويمكن في هذا الصدد إيراد ثلاثة معايير جوهرية تعتبر معايير مركزية لاختبار موقع المرأة ومكانتها في مجتمع ما, وهي:
• طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في هذا البلد أو ذاك ومستوى تطور القوى المنتجة المادية منها والبشرية فيه, بما في ذلك مستوى تطور التعليم والمهارة الفنية وتطور العلوم والحياة الثقافية والمعارف العامة, أو ما يطلق عليه اليوم بالتطور البشري أو الإنساني.
• مستوى الحياة الديمقراطية ومدى وجود وسيادة دستور ديمقراطي وتمتع شعوب هذا البلد أو ذاك بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية.
• دور المرأة ومكانتها في المجتمع إلى جانب الرجل ومكانتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومدى تمتعها بحريتها وحقوقها كاملة غير منقوصة من جهة ومدى تمتع الطفل بالرعاية والحماية والتربية العلمية من جهة أخرى, إضافة إلى سبل التعاون والتفاعل بين المرأة والرجل في البيت والمجتمع.
وإذا حاولنا دراسة واقع المجتمع العراقي من خلال هذه المعايير, أي من خلال الربط العضوي في ما بين البناء التحتي للمجتمع والبناء الفوقي المهيمن عملياً لوجدنا الحقائق التالية:
1. سيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وتقاليدها وعاداتها, بما في ذلك العلاقات العشائرية التي تعود إلى حد ما إلى العلاقات الأبوية التي تسبق العلاقات الإنتاجية الإقطاعية في الريف, ولكن تعكس تأثيراتها وممارساتها البارزة على المدينة بشكل كبير وبشكل خاص في المجمعات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً من قبل الدولة والمجتمع والمنحدرة من أصل ريفي فلاحي ولم تدخل عالم الصناعة والعلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وهي علاقات تحترم المرأة نسبياً في داخل العائلة, ولكنها تحتقرها خارج إطار العائلة والمجتمع وتعتبرها ناقصة العقل وعاجزة عن التفكير والتصرف العقلاني وهي دونية ينبغي الحذر منها, إذ حتى عندما يأتي ذكر المرأة في حديث بين الرجال يرفقها الرجل "حاشاك!", وكأنها شيئاً محتقراً أو غير نظيف. وهو تعبير يحط من قدر الأنثى, وكأن الذكور يتحدثون عن شيء لا قيمة له بل أن ذكره يسيء للإنسان الذكر الذي هو "أعلى خلقاً وأكثر عقلاً وأوفر حصافة وقدراً من الأنثى في المجتمع". والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ترتبط بالإنتاج الزراعي في الريف الذي يعتمد الزراعة اليدوية والأدوات البالية التي تؤثر على ضعف مستوى الإنتاجية والإنتاج ومستوى المعيشة للغالبية العظمى من الفلاحين مما يجعل حياة الفلاحين في فقر مدقع ودين دائم, في حين يهيمن الإقطاعي على القسم الأعظم من الريع المنتج من جهد الفلاحين لصالحه ولصالح أفراد عائلته وسراكيله. ويحرم هذا الواقع الفلاحين بشكل عام من القدرة على التعلم والتمتع بالثقافة وفهم أمور الحياة بشكل أعمق, علماً بأن المرأة في الريف تُستغل بشكل مريع وأكثر من الرجل في أحايين كثيرة, فهي التي تنجب الأطفال وتطبخ وتنظم وتنظف الدار وتربي الأطفال وتعمل في الحقل وهي التي يمكن أن تذهب لتسويق المنتجات الزراعية في السوق المحلية, ورغم كل ذلك فهي غير مستقلة اقتصادياً عن الرجل, بل خاضعة وتابعة لسطوة الرجل وهيمنته الكاملة اجتماعياً واقتصادياً, ولكنهما يخضعان معاً, أي المرأة والرجل, لنفوذ الإقطاعي وسطوته المالية وهيمنته الكاملة واستغلاله البشع. والمجتمع العراقي لم ينفض عن نفسه هذه العلاقات, رغم صدور قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة تموز 1958, فأن المرحلة التي تلت ذلك, وخاصة في فترة الثمانينات وما بعدها عاد المجتمع إلى تلك العلاقات الاستغلالية المتخلفة والمعرقلة للتطور الصناعي لتفرض نفسها في الواقع الحياتي المعاش في الريف والمدينة. وهكذا نجد وضع المرأة العراقية في المدينة لا يختلف كثيراً عن المرأة في الريف إلا من حيث كونها تحصل على بعض الخدمات الإضافية التي تحرم منها المرأة في الريف, وهي حبيسة البيت والمطبخ وتربية الأطفال وسجن العباءة الظالم والحرمان من أغلب الحقوق والواجبات الحقيقية في المجتمع. وعندما تحرم النسبة العظمى من النساء من العمل والحصول على أجر مناسب, فهن لا يتمتعن بأي استقلال اقتصادي ولا بحريتهن, وبالتالي فهن خاضعات وتابعات للرجل.

2. والحياة السياسية في العراق على امتداد العقود الثمانية المنصرمة لم تكن في الغالب الأعم سوى حياة خالية من ممارسة النصوص الدستورية, سواء أكانت نصوص دستورية دائمة أم مؤقتة, رغم أن تلك الدساتير كانت تتضمن بعض المبادئ الديمقراطية, ولكن الممارسة العملية كانت تشير إلى عكس ذلك وخاصة في العقود الأربعة الأخيرة. فالمجتمع خلال فترة حكم البعث الصدامي لم يعرف الحرية والديمقراطية واغتيلت بالكامل حقوق الإنسان وحريته وكرامته بصيغ وأساليب وأدوات شتى. وكانت حصة المرأة تمثل الجزء الأكبر من الحرمان والظلم والعذاب والتمييز المقيت في كل شيء. فإذا كانت حصة الرجل الزج في الحروب ليحمل السلاح ويقابل الموت يومياً وسقط منهم مئات الآلاف, فأن المرأة فقدت حتى ذلك الجزء الضئيل من الحرية التي تمتعت بها في العهد الملكي, وخاصة الفئة الأرستقراطية أو الفئة المثقفة, أو في العهد الجمهوري الأول وفق قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959, رغم كل نواقصه الجدية. وتعرضت المرأة إلى الموت تماماً كما تعرض الرجل في إطار الاعتقالات والتعذيب والحملات العسكرية التي نظمها النظام الاستبدادي ضد الشعب الكردي والقوميات الأخرى في كردستان العراق والعراق عموماً, وضد عرب الأهوار والوسط والجنوب, أو ضد الأكراد الفيلية, أو في ولوج السجون والتعذيب والموت تحت التعذيب أو التهجير الإجباري. كما تحملت مع أطفالها الكثير من المعاناة بما في ذلك جرائم الحرب وسقوط القنابل والصواريخ على رؤوس المدنيين في تلك الحروب القذرة وموت الكثير من البشر بسببها. لم تتمتع المرأة بحريتها واستقلالها الاقتصادي ونشاطها الاجتماعي ولم تُظلم من قبل الدولة والحكومة وحدهما فحسب, بل من قبل المجتمع, والذكور منهم بشكل خاص. وهي إشكالية مرتبطة بالعامل الأول. وغياب الدستور المدني الديمقراطي هو الذي يعزز من الحالة الراهنة التي تواجهها المرأة العراقية, وهي اليوم ليست حبيسة الدار والمطبخ والعباءة فحسب, بل حبيسة تخلف الغالبية العظمى من النسوة والجهل الكبير والتفسير الخاطئ والمتحيز والسيئ للدين من قبل الذكور والموجه ضد النسوة وحريتهن. ورغم اعتراف دولة العراق بلائحة حقوق الإنسان منذ إقرارها في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948, فإنها لم تجد التطبيق الفعلي, بل داس جميع الحكام في العراق عليها بالأقدام, وعندما حاول عبد الكريم قاسم إجراء تغيير نسبي على وضع المرأة باتجاه التغيير والتحسين النسبي وفق ما جاء في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959, هبت ضده كل قوى الظلام, وخاصة الرجال منهم, وشنت ضده حملة ظالمة في هذا المجال, لأنه أراد سحب بعض الامتيازات الممنوحة للرجل ومنح المرأة بعض حقوقها, من بينها الحد من تعدد الزوجات والإرث والطلاق ...الخ. وشاركت هذه القوى الظلامية بدورها في التأليب ضد قاسم من هذا المنطلق وساهمت في إسقاطه, وهي ما تزال تحمل رايات الظلام لتجهز على المرأة قبل أن تطالب بحقوقها, وقبل أن تصل تلك القوى إلى السلطة.

3. لو ألقينا نظرة فاحصة على المجتمع العراقي الراهن لوجدنا ما يلي:
 تراجع حقيقي للمرأة عن المشاركة في الحياة الوظيفية والخدمة العامة وفي النشاط الاقتصادي, وبالتالي تبعية فعلية للرجل في الحصول على تأمين لقمة العيش والمأوى.
 تراجع فعلي في دور المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية وفي التأثير الإيجابي على المجتمع وفي حياة الأندية الفكرية والرياضية والمحافل الثقافية.
 تراجع شديد في عدد الطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات بما يعكس موقف الرجل من المرأة. وكل المعطيات المتوفرة تشير إلى ذلك بصراحة كاملة.
 انتشار البطالة بشكل واسع في صفوف الإناث أضعاف حجم البطالة في صفوف الذكور.
 التأثير الصارخ لرجال الدين الرجعيين, وليس لبعض علماء الدين الذين يقرأون القرآن قراءة سليمة عقلانية واعية لأمور الدين والدنيا والعصر الحديث والتغيرات الطارئة عل هذه الحياة, وكذلك المشعوذين والسحرة واللاعبين بعقول كثرة من الذكور البسطاء والمسيطرين على عقول نسبة كبيرة من النساء وعلى تصرفاتهن وممارساتهن اليومية.
 وقوع المرأة حبيسة العباءة المركبة والحجاب الخانق الذي لم يأمر به القرآن ولا السنة المحمدية ولا الخلفاء الراشدين ولا علماء الدين المدركين لأمور الدين والدنيا, بل بعض أولئك الذين قرأوا القرآن بصورة خاطئة وغير عقلانية وظالمة ووفق ما يريدونه مسبقاً للنساء المسلمات. إنها تجسد الرغبة الجامحة لدى الرجال في الهيمنة على المرأة والغيرة غير العقلانية عليها, وهي تنطلق من وعي مسطح ونزعة جنسية ذكورية إزاء المرأة. إن من ينظر إلى المرأة المثقفة والمتعلمة في عراق اليوم, تلك المرأة التي كانت قبل عشرين عاماً قد وضعت العباءة جانبا, يراها قد عادت العشرينات من القرن العشرين, وهي أزمة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية يعيشها الشعب العراقي وتعيشها المرأة بالذات, كما يلعب الإرهاب الديني المشوه دوراً كبيراً في كل ذلك, وهو ما يفترض مواجهته والتصدي له بكل حزم.
 وإذا كانت المرأة قد وضعت في مجلس الحكم الانتقالي ثم في الحكومة المؤقتة واختيرت أو انتخبت ضمن المئة بخمسة وعشرين عضواً, فذلك جاء بتأثير المدنيين العلمانيين الديمقراطيين في قوى المعارضة العراقية السابقة وربما بتأثير مباشر وإيجابي من قبل بريمر, لا بتأثير المجتمع العراقي أو القوى التي لا تريد الخير للمرأة.
 ويمكن إيراد العشرات من الظواهر الأخرى التي تؤشر واقع تخلف المرأة في العراق وحرمانها من الدور والمكانة التي تليق بها باعتبارها النصف الأكثر حيوية في المجتمع والمسئول الفعلي عن إعادة إنتاج الإنسان مع الرجل. فالمرأة لها كل الحق في أن تكون نداً للرجل ومالكاً لكامل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الرجل دون استثناء وفي جميع المجالات. فالمرأة ليست للإنجاب فحسب, بل هي للحياة كلها بمختلف جوانبها ومستوياتها, وهي نبع الحياة وعلى النبع أن يمتلك الحياة بكل معانيها مع الرجل سواء بسواء.

ثالثاً: نحو تغيير موقف المجتمع من المرأة وموقف المرأة من نفسها في العراق
إن المجتمعات الغربية, رغم كل النواقص التي ما تزال المرأة تعاني منها, فإنها تمتلك حقوقاً يصعب على غالبية النساء العراقيات أن يحلمن بها بسبب حالة القهر والحرمان والتخلف والظلم التي تعشن تحت وطأتها. وهذه الحقوق ناجمة عن اختلاف في المعايير التي أوردناها قبل ذاك, إذ تسود في هذه البلدان العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وهي مجتمعات مدنية تسودها دساتير وحياة ديمقراطية تحترم كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته, وللمرأة في هذه المجتمعات مكانة ودور كبيرين ينموان باستمرار, رغم تعرض المجتمع كله إلى استغلال العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, واستغلال الإناث فيها أكبر من استغلال الذكور حتى الآن وجود بعض جوانب التمييز الصارخة بما في ذلك التمييز في الأجر إزاء نفس العمل وعدد ساعاته. ولكن المرأة تسير على خط نضالي متصاعد لانتزاع كامل حقوقها ومساواتها التامة بالرجل. وأول شيء تحتاجه المرأة هو التعليم بمختلف مراحله لتأمين القدرة على وعي ما يجري حولها والمشاركة في ذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر أشير إلى أن نفوس مدينة برلين, عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية بلغ في عام 2003 حوالي 3400000 نسمة. في هذه المدينة ثلاث جامعات والكثير من الكليات والمعاهد المتخصصة, بلغ عدد الدارسين فيها في السنة الدراسية 2003/2004 (140177) طالبة وطالباً. 52,6 % من الإناث في مقابل 47,4 % من الذكور. حتى أن بعض الجامعات نجد أن نسبة الإناث بلغت 58,3 %’, كما هو الحال في جامعة همبولدت. إن المرأة في الغرب تحتل مواقعها في السياسة وفي قيادات الأحزاب وفي الوزارات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية وكذلك في المجالس النيابية على مختلف المستويات, كما أنها تلعب دوراً متميزاً في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء, وفي الحياة الثقافية والتأليف والنشر وفي مجالات العمل الإبداعي بمختلف جوانبه. ومع ذلك هناك الكثير من العوائق والمصاعب التي تواجه المرأة ومنها التمييز في بعض مجالات العمل والتوظيف والأجر والاستغلال والبطالة وانتشار ظاهرة العهر النسوي بسبب الحالة المادية لعدد متزايد من النسوة, وخاصة القادمات من أوروبا الشرقية, وهي جزء من تركة المجتمع الإقطاعي الذكوري والطابع الاستغلالي للمجتمع الرأسمالي الراهن أيضاً.
إن ما ينبغي النضال من أجله في العراق في المرحلة الراهنة يتلخص في:
• تضمين الدستور مساواة تامة بين المرأة والرجل في كل الميادين والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والفنية والعسكرية دون استثناء. إصدار قانون خاص يستند إلى لائحة حقوق المرأة الدولية, وإلغاء جميع القوانين المخالفة للائحة حقوق الإنسان ولائحة حقوق المرأة الدولية وتلك التي تستهين بدور المرأة ومكانتها في المجتمع أو تمارس التمييز ضدها.
• رفض أي شكل من أشكال التمييز إزاء المرأة وإدانته ومكافحته وتقديم من يمارسه إلى القضاء لمقاضاته.
• دعم جهود المرأة في مكافحة أمية كبار السن وخاصة في الريف, وكذلك النهوض بمستواها التعليمي والثقافي وقدرتها على مزاولة مختلف النشاطات الفكرية والثقافية والاجتماعية والفنية وتشكيل منظماتها غير الحكومية.
• دعم جهودها للحصول على فرص عمل وضمان استقلالها الاقتصادي وأجر مساو لأجر الرجل لعمل مماثل.
• حق المرأة في احتلال جميع المناصب في الدولة ابتداء من رئيس الجمهورية وانتهاء بالوزراء ورؤساء المؤسسات وكبار الموظفين والمستخدمين والقضاء العراقي ومجلس النواب والمجالس البلدية ... الخ.
• تأمين فرص مناسبة لضمان مساعدة المرأة في تحمل أعباء تربية الأطفال مع الرجل ومن خلال فتح دور الحضانة ورياض الأطفال ... الخ.
• إصدار قانون بحرم تعريض الأطفال والصبية إلى الضرب في البيت أو المدرسة أو في أي مكان آخر وحمايته ومنع تشغيله وإلزامه بدخول المدرسة حتى نهاية الصف التاسع /نهاية الدراسة المتوسطة, وتامين الظروف المناسبة لنشأته على أسس صحيحة.
• احتلال المرأة موقعها المناسب في مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتخصيص نسبة مناسبة لها تقترب تدريجاً ومع تطور دورها مع نسبتها في عدد السكان.
• رفض القيود التي يراد فرضها على المرأة من خلال تطبيق الشريعة, التي هي من عمل الذكور بالأساس ومتباينة من مشرع إلى آخر ومن بلد إسلامي إلى آخر, ووضع قانون الأحوال الشخصية يتماشى والعصر الذي نعيشه والحقوق التي حققتها المرأة على الصعيد الدولي.
• رفض مبدأ تعدد الزوجات وحماية المرأة من اضطهاد الرجل وتطبيق لائحة حقوق المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة بالكامل.
• رفض إلزام المرأة المسلمة بارتداء الحجاب أو العباءة, وتركها تمارس ما تريده ومساعدتها على الخلاص من أي قيد يحد من حريتها وحركتها وتنقلاته داخل وخارج الوطن ونشاطها ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقوات المسلحة وقوات الشرطة وشرطة المرور والأمن الداخلي.
• تحريم التجاوز على المرأة أو ضربها وتحريم ما يطلق عليه "القتل من أجل غسل العار" ومعاقبة صارمة لفاعليه ومروجيه والمدفعين عنه, فالمحاكم المدنية هي المسئولة عن البت في مثل هذه الأمور.
• ,,,, الخ.
إن مثل هذه البنود تستوجب إقامة دولة فيدرالية مدنية ديمقراطية حديثة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات واحترام استقلالية القضاء والفصل بين الدين والدولة مع الاحترام الكامل لكل الأديان والمذاهب والأفكار والاتجاهات السياسية السلمية ورفض العنف في الوصول إلى السلطة أو فرض الرأي.
إذا كان هذا الجانب هو الأساسي في النضال من اجل انتزاع حقوق المرأة وتأكيدها تشريعاً, فإن المجتمع العراقي, وخاصة المرأة, بحاجة إلى نضال خاص مع المرأة ذاتها لإقناعها بأهمية تمتعها بحقوقها المشروعة وعدم الرضوخ لهيمنة الرجل أو القبول بالتبعية له. وهي عملية نضالية ليست اقل أهمية من الشق الأول, إذ أن القرون والعقود المنصرمة جعلت المرأة تعتقد بأن لا حقوق لها وأن الله قد كتب عليها العيش بهذه الصورة لا غيرها, وأن أفضل ما تقوم به هو إرضاء زوجها. إن النضال لتغيير هذه النظرة, لتغيير ما في النفس, أصعب بكثير من القيام بثورة ضد القيم القديمة البالية والراسخة في أذهان الناس. إن مهمة الرجال هو الاقتناع بذلك أولاً ذم البدء بممارسته في البيت والمحيط الذي يعيش ويعمل فيه وفي عموم المجتمع, إنها عملية معقدة ولكن لا مناص منها.
كما أن من واجب المرأة الواعية لحقوقها وواجباتها في البيت والمجتمع والدولة أن تمارس النضال لإقناع النسوة اللواتي يعملن معها والمحيط الذي تعمل وتعيش فيه والمجتمع, إذ بدون ذلك لن نحقق النتائج المرجوة. علينا أن نعمل لإقناع النساء, كل النساء, بحقوقهن المشروعة والعادلة وبواجباتهن.
ويمكن لمنظمات المجتمع المدني النسوية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية الأخرى أن تلعب دوراً كبيراً في هذا الصدد. والخطوة الأساسية على هذا الطريق تبدأ بالتخلص من الجهل والأمية التعليمية والسياسية, ومن ثم الثقافية والحضارية,
إن المجتمع العراقي الجديد مؤهل لأن يبني حضارة جديدة ويستفيد من حضارة العصر الجديد لتطوير قدراته وكفاءاته وتعزيز دوره للمساهمة في بناء الحضارة البشرية الحديثة, تماماً أو حتى أفضل من الدور الذي قام به المجتمع العراقي القديم ف بناء أول حضارة إنسانية في هذه العالم الواسع الأرجاء. إن الشعب العراقي يقبل هذا التحدي الذي يفرضه العصر, والمرأة العراقية, سواء أكانت عربية أم كردية أم تركمانية أم آشورية وكلدانية, وسواء أكانت مسلمة أم مسيحية أم إيزيدية أم صابئية مندائية أم يهودية أم أي دين أو مذهب آخر تؤمن به وتتبعه, ستكون في طليعة هذا الركب الإنساني الحديث. إنها ليست أمنيات فحسب, بل هي طاقات وإمكانيات كامنة يفترض تفجيرها بعناية كبيرة ورعاية تامة ووعي بالمسئولية التاريخية الملقاة على عاتق الجيل الجديد من الشابات والشباب العراقي, ولكنها تبقى مهمة الجميع.
برلين في 27/08/2004 كاظم حبيب



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة