استمرار استعباد المرأة بسلطة التطليق والتوريث

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2013 / 3 / 1

مع أن الإسلام قد ورث المرأة مقيدة بالفعل في مكانة اجتماعية واقتصادية متدنية ومنحطة مقارنة بالرجل، غير أن الإسلام أيضاً لم يسهم بشكل إيجابي وفعال في تخفيف القيود الثقيلة الموروثة عن كاهل المرأة، ولا يستطيع الفقه الإسلامي التنصل من جريمة تقنين استمرار استعباد المرأة للرجل وتكريس الهيمنة الذكورية عبر سلطتي التطليق والتوريث، التي إلى اليوم لا يزال يرفض الإسلام، بحجة المحافظة على تماسك واستقرار الأسرة، أن يعمل فيهما شروط العدل والمساواة بين الرجل والمرأة. أو في جملة أخرى، الفقه الإسلامي لا يمانع في أن يضحي بمبادئ العدل والمساواة إذا كان ذلك، من وجهة نظره، يحفظ أمن الأسرة واستقرار المجتمع.

سوف يجادل الفقهاء المسلمون بأن الإسلام قد ساوى بالفعل بين الرجل والمرأة إذ أباح أن تكون العصمة بيد الزوجة كما بيد الزوج. كما أن الإسلام قد أعطى المرأة ذمة مالية منفصلة ومستقلة عن الرجل وحتى لم يكلفها، كما فعل مع الزوج، بأن تنفق منها على الأسرة. على هذا، في رأي الفقهاء، يمكن الادعاء نظرياً على الأقل بأن الإسلام على العكس أنصف المرأة على الرجل، لدرجة أن من يحق له حقيقة أن يرفع الشكوى طالباً العدل والمساواة هو الرجل وليس المرأة كما يزعم الليبراليون دعاة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرهما من الاتفاقيات الحقوقية الدولية. هكذا، كما قد تمضي الحجة الكلامية الفقهية، يكون السحر قد انقلب على الساحر، ويكتشف فجأة أن الفقه الإسلامي قد ظل منذ أكثر من ألف سنة هو الأكثر عدلاً ومساواة وحماية لحقوق المرأة من كل إنتاج منظومة القانون الدولي والقوانين والتشريعات الوضعية/العلمانية المحلية.

على ذكر المنظومة أعلاه، يجب التذكير أن المنظومة- سواء المادية أو العضوية أو الاعتبارية- هي كل متكامل لا يمكن أن تعمل أو تعطي إنتاجها عندما يكون مكون أو أكثر من مكوناتها الأساسية معطل أو لا يعمل بالكفاءة المطلوبة، أو غير موجود من الأصل. الإنسان، كمثال لمنظومة عضوية، يمكن أن يعيش بغير رجل أو ذراع أو إحدى الكليتين، أو حتى بقلب أو كبد مريض لدرجة غير مميتة. لكن من الصعب إن لم يكن من المستحيل تخيل إنسان على قيد الحياة من دون قلب ينبض أو رئة تتنفس أو جهاز هضمي يعمل. داخل منظومة البدن الحيواني، ثمة مكونات أساسية وأخرى فرعية لابد أن تتوفر وتعمل وتتكامل فيما بينها عند عتبة دنيا محددة لا تنزل عنها حتى يستطيع الجسم الحي أن يؤدي وظائفه البيولوجية ويواصل حياته. في غياب ذلك، يصبح من الحماقة التباهي، مثلاً، بتوفر أصح قلب أو أوسع رئة أو أجمل عينين أو أفتل العضلات في بدن من دون رأس.

الإسلام يعطي المرأة نصف ما يعطي الرجل من الميراث، ويقبل من المرأة نصف ما يقبل من الرجل في الشهادة؛ أو، بتعبير آخر، الإسلام في الميراث والشهادة يجعل الرجل الواحد يساوي امرأتين اثنين. فوق هذا الأساس التمييزي الاقتصادي والاجتماعي الواضح، شيد رجال الفقه الإسلامي بمبررات دينية صريحة صرحاً عملاقاً من الجور والظلم والافتئات وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص في جميع المجالات بحق المرأة اشتمل، من جملة أمور كثيرة، حرمانها من حريات وحقوق وفرص خص بها الرجل دون المرأة، في السفر والعمل وشغل المناصب الدنيا والمتوسطة والعليا في كل المجالات، حتى التي تخص المرأة ذاتها، وبشكل خاص في الجيش والقضاء والرئاسة، وداخل المؤسسة الدينية ذاتها، لدرجة أن المرأة السعودية، مثلاً، لا تزال لا تستطيع حتى أن تقود سيارتها بنفسها. هنا يطرح السؤال نفسه: ما الجدوى من إعطاء المرأة، مثلاً، ذمة مالية مستقلة وحرية وحق في أن تقتني سيارة، بينما هي في الحقيقة لا تستطيع أن تقودها أو تسافر بها بمفردها؟ كذلك، ما هي القيمة الحقيقية لعصمة وسلطة تطليق بيد المرأة في مساواة مع الرجل بينما المرأة خاضعة ومستعبدة له في كل مجال آخر؟ في إطار منظومة الفقه الإسلامي الكلية، ورغم بعض الضمانات والمميزات المبعثرة هنا وهناك، لا شك أن معظم الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة باليمين عاد وسلبها بالشمال، لتبقى المرأة في نهاية المطاف كما كانت طوال آلاف السنين قبل الإسلام أسيرة عطف وإحسان- وأهواء- الرجل، القادر على أن يوفر لها النفقة والرعاية والحماية، أو أن يطلقها ويشردها من الأسرة إذا ما عصيت أو تمردت أو رفضت الطاعة.

في الميراث والطلاق، العدل والمساواة واضحة وضوح الشمس: أن ترث المرأة مثل ما يرث الرجل، وأن لا تترك سلطة التطليق بيد الزوج وحده أو بيد الزوجة وحدها، إنما تعطى لهما معاً مناصفة لدى المحكمة، التي تحكم بالعدل والمساواة فيما بين الطرفين المتنازعين.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة