المرأة ، الإسلام والعنف :

فلورنس غزلان
fozmon@yahoo.fr

2016 / 11 / 30

المرأة ، الإسلام والعنف :ــ
لا أريد مناقشة أوضاع المرأة قانونياً ، ــ فلهذا الأمر مختصوه ــ وبنفس الوقت لست ضليعة في الإسلام، لكني امرأة مسلمة بالولادة والوراثة كما الإرث المجتمعي والتاريخي ، إنما سأتطرق لأكثر القوانين والموروثات الإسلامية استلاباً واستعباداً للمرأة العربية المسلمة تحديداً .
كلنا يعرف أن جُلَ قوانيننا العربية أو كلها مستمدة من الشريعة الإسلامية، ومايعني بقية مكونات الشعب يعود إلى ماتسنه شرائع الكنيسة ومايجيزه زعماء الطوائف الأخرى وتسير حسب رغبتهم بشكل يتيح لهم التسيد والبقاء في ساحة الإعلام والفعل سياسياً واجتماعياً ،..هنا يبرز مدى ارتباطهم السياسي بالأنظمة ومسايرتهم لها أو ولائهم المطلق غالب الأحيان، أي أننا نجد في نهاية المطاف ...ارتباط كل السلطات الدينية بالحكومات وتنفيذها إرادة الحكومة القائمة ...التي تتبنى وتهتم باستقطاب هذه الفئة إلى جانبها لتكون سيفها ويدها في تنفيذ السياسة المطلوبة منها، والتي تسهم بشكل رئيس وأساسي في تثبيت دعائم السلطة القائمة ..وترون في كل دولة شيخ " جليل"! يضرب بسيف السلطان مع أنه مسجل ومبرمج "كعالم دين" ...له باعه الذي يطول ويقصر حسب ماتعتمده يد السلطة ...والأمثلة أمامكم ومن حولكم عديدة:ــ " القرضاوي، شيخ الأزهر ، العريضي، ...وحسون ، وحسن نصر الله..الخ بما فيهم كل زعماء الطوائف في لبنان...المكرَّسين كزعماء سياسيين باقتدار وجدارة...ولكل دوره السياسي الذي يلعبه ...وينفذه ، يختلفون في السياسة غالباً ...ويتفقون فقط حين تمس سلطاتهم المذهبية وأدوارهم في التأثير والقيادة والضرب بعصا السلطة التي يتبعونها...على سبيل المثال : ــ
حين ظهرت في لبنان عام 2013 على ما أعتقد، بوادر شبابية مترافقة مع مظاهرات تسعى لتشريع " الزواج المدني" ، بعد قصة زواج شابين من مذهبين مختلفين " نضال وخلود" ، ومع أنهما فتحا الطريق لزواجات قليلة أخرى ، لكن الزواج المدني ظل مرفوضا ومعقداً ويشترط على الزوجين شطب دينهما من سجل النفوس، اتفق حينها جميع المشايخ والعلماء ورجال الكنيسة دون استثناء ...على عرقلة هذا المشروع وتقويضه...! لأنه يسحب منهم بساط الزعامة أولاَ ، ويثبت بشكل قطعي انحياز الشباب إلى هذا النوع من الزواج، ويزعزع كذبهم الزمني الطويل في مقولات ...اشتغلوا هم ومن سبقهم عليها...والتي لا أساس شرعي أو ديني لها من الصحة، والتي" تمنع زواج المسلمة من كتابي أو العكس"، وكلهم يعتمدون على فتاوي مشايخ ، ورجالات دين أطلقها هذا الشيخ ذات يوم أو ذاك من ابن تيميه للغزالي...الخ وقد تحولت أقوال هؤلاء لفتاوي مقدسة لايجوز المساس بها، وكأنهم أنبياء وأوصياء على الإسلام والمسلمين ..ومنذ الأزل لاهم لهم إلا سيادة ذكوريتهم...واستدامة سلطتهم كذيول لسلطات تعاقبت بالسيف والبسطار العسكري على رؤوس أبناء المنطقة في مشرق أرض العرب ومغربها.
مع أن مجتمعاتنا تعج بالكثير من المتنورين، أمثال " جمال البنا، محمد شحرور، المرحوم حامد أبو زيد محمد سعيد العشماوي...وجودت سعيد...الخ...وليت شبابنا يعود لقراءة ، ابن خلدون ، وابن رشد ، والشيخ عبد الرازق.... ومحمد أركون...الخ.
الآن سآتي على ذكر بعض الممنوعات في الإسلام أمام المرأة ، وكلها استندت على أحاديث ...رواها ابو هريرة وذا وذاك ممن يقال فيهم " رضي الله عنهم "!!! ، كلها مجرد روايات شفهية...وكل رواية شفهية تحتوي الخطأ والصواب ، والتغيير والتحوير، والتدوير حسب الهوى والزمن ، ومصلحة الراوي في مزيد من العطاء والكساء ، إن لم تستند إلى آية قرآنية تثبت صحتها، ولن ننس كيف منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابو هريرة من التحرك والرواية واختراع الأحاديث واعتبره دجالا يتكسب على لسان الرسول ، وفرض عليه حجرا وأغلق فمه كليا أثناء خلافته، ولو تصرف بقية الخلفاء كعمر ...لكان وجه الإسلام أكثر حضارة وإنصافاً وأقل دجلا وتلفيقاً وتأليهاً على لسان الرسول.
وأنت يامرأة مسلمة ، ماهو موقفك من تشييئك ، وتحويلك من إنسانة ، إلى عبدة أو لُعبة، أو سلعة ،وفي أحسن الأحول قاصراً لاتملك ولاية على نفسها، ويمكن لشقيقها الصغير أن يكون وليها ، أو ابنها الذي لايتجاوز العشرة أعوام ، كيف ترتضين الخضوع والخنوع، وقبول التابعية والدونية ...ويمحى دورك ...كإنسانة تساوي نصف الكون ، نصف المجتمع، بل أمُه وسبب وجوده وتكوينه، ــ لا أعني بكلامي أن تسحبي البساط من الذكورة لتحتلي مكانها كأنثى ــ ، بل أن تكوني مساوية وعلى قدم وساق في البيت والحياة وتقرير مصير المجتمعات، بما أنك الفاعل الأول فيها، لكنك ترضين أن تكوني المفعول به القابع في الخلف ، في العتمة، في الظل..مع أن الحياة أثبتت أنك مصدر الحياة ونورها ، وقوام تشكيلها وتكوينها وبقاءها يعتمد عليك، رغم ماتقدمينه من تضحيات وماتتعرضين له من اضطهاد وعنف جسدي وجنسي، ولفظي، يطال مايعادل نصف نساء العالم، فمابلك بالمرأة في المشرق العربي خاصة؟ّ،وفي ظل ظروف حرب طاحنة جعلت منك وسيلة للاستغلال والانتقام ، فتعرضتِ ومازلتِ تتعرضين لشتى أنواع العنف ، ومع هذا تجدين في الغالب نفسك أماً وأباً تعيلين أسرتك ، ثم يتحول ابنك ليقدم لك نصائحه الدينية التي سمعها من هذا الإمام المعتوه أو ذاك وعليك تنفيذها باعتباره ولي أمرك؟؟؟؟.
ــ صوتكِ عورة، شعرك عورة ، ساقيك وذراعيك عورة...وكلك في النهاية عورة وقاصر، عليكِ أن تقبعي في بيتك ولا تخرجي إلا بإذن من والدك أو أخوكِ !، إن كنتِ عزباء ..ومن زوجك أو حماتك ...أو والد زوجك ! إن كنتِ متزوجة....
على ماذا استندت هذه العورات؟ ...ومن الذي صنف هذه الممنوعات وأفتى بها...سوى ذكور لا يريدون أن يسحب بساط الزعامة والقوامة من تحتهم...؟ ومن الذي أفتى بها سوى علماء في هذا الزمن الغابر أو ذاك ...منذ قرون لم تتغير ولم يطرأ عليها مايعادل شعرة من التطور بما يتناسب والزمن والتاريخ وأحداثه...وهل لها مستند شرعي قرآني؟ ...هنا اختلف العلماء في التفسير والتحليل وأسباب وأزمان نزول الآيات...فكل يفسر حسب هواه وقناعته...أو حسب هوى سوط الإسلام ...ومنه يستمد سوطه كعالِم يعتمد عليه سياسياً وبدونه لايسير مركب لسلطة ولاتدوم زعامة لرئيس أو ملك أو أمير.
إذن في عصرنا الحديث ...تم تسييس الإسلام ليكسب مواقعاً هامة في السلطة ويصل إليها مستغلا دور الإيمان لدى عامة الناس، والإيمان هنا لايعني الإسلام...فليس كل مؤمن مسلماً ، وليس كل مؤمن كافرا لأنه غيرمسلم، لكن الإسلام السياسي على أنواعه السلفية ومن تسمي نفسها بالوسطية،ــ وأعني هنا كل الطوائف المدرجة تحت سقف الإسلام ـــ ، لم تتغير مواقفها من المرأة ولم تتطور إلا بحدود ضيقة جداً ...تسمح للسلطة أن تصطاد وأن تسخر الدين لخدمتها وديمومتها,
فالحجاب المُختَلف عليه بين العلماء ،أمر سياسي اجتماعي ، وتقليد متوارث وله بُعد اقتصادي كذلك، فكلمة حجاب باللغة تعني " ستارا" يحجب بين المعنيات في الأمر وبين رجال يودون التحدث إليهن ، وهن نساء الرسول فقط لاغير.
لكن الإسلام السياسي جعل منه وسيلة للتمييز بين الملتزمة بإسلامهم وغير الملتزمة ...وهذا العمل عملية فصل وتقطيع لأوصال المجتمع. وإضعاف بالتالي للعلاقة الوطنية بين أبناء شعب تتنوع تركيبتهم المذهبية . فعندما نرى تمدد واتساع وتيرة هذه الظاهرة ونسبها للإسلام...أصاب بلوثة، لأن المرأة قبل الرجل تنساق وراء عالم جاهل أو إمام لايفقه من الإسلام إلا صورته السطحية، لذا أتمنى على كل امرأة تمر بساحة القراءة ويعنيها أمر الإطلاع والمعرفة أن تقرأ لتفسيرات متضاربة ومتعارضة ، قبل أن تأخذ موقفاً وترتدي حجاباً ...تقول أنها فعلت ذلك عن " قناعة"!!!، القناعة تأتي بعد البحث والاستقصاء والمقارنة بين مايقوله على سيبل المثال : القرضاوي ، والعريضي ، ومايقوله جمال البنا ومحمد شحرور، وحامد أبو زيد " وكذلك الأمر في كل مايعني الإسلام...وموقفه من أمور الزواج المختلط والميراث ، والطلاق والقوامة...وكل مايتعلق بأمور الحياة ..مع الأخذ بعين الاعتبار ..أن لكل نص من نصوص القرآن زمن وتاريخ ...وسبب لنزول الآية...فعلينا أن نميز بين سلطة النص كنص يتعلق بأمور الدين ، ونص يتعلق في أمور الدنيا والحياة ( زواج ، ميراث، طلاق، علاقة زوجية ...الخ ) ، أي الأحوال المدنية، وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار تاريخية النص ومدى تناسبه للتاريخ الذي نحن فيه.
خلاصة الأمر، نجد أن كل مايُعَد ويقدم للمجتمع وخاصة للمرأة هو عبارة عن سياسة ممهورة بمهر السلطان ومخلوطة بالدين ...كي يتم تأليهه وعدم السماح بالنقاش والتفكير فيه ، بإضفاء القدسية عليه مع أن من شرعه وأفتى به بشر مثلنا ...لم يراعِ إلا ذكوريته وذكورية السلطان صاحب نعمته، ومما زاد في قبول هذه المشاهد تَدرج في شوارعنا" أي المرأة المسلمة المحجبة" ...الوضع الاقتصادي المتردي لمعظم مجتمعاتنا وخاصة في الأحياء الفقيرة وبعد أن طحنت الحروب المرأة وأعادتها لدرجات السلم الاجتماعي الأولى من الاستلاب والاستعباد ...فالحجاب رغم أنه ملون اليوم ...ومعه " مانطو أو ثوب طويل" لاتحتاج المرأة لتغييره وتبديله كل يوم، كما لاتحتاج لتصفيف شعرها "العورة " لتظهر كأنثى جميلة. كوني يا أختي كما أنت ..قرري واختاري بنفسك دون تأثير أحد عليكِ ...كوني سيدة نفسك وبيتك، شريكة للرجل في الضراء والسراء...لا عبدة خاضعة مطيعة ...ولا جارية لإرضاء رغباته فقط ،...كوني الإنسانة التي تحترم أنوثتها ،وكيانها ودورها كواهبة للحياة.

ــ باريس 29/11/2016



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة