لماذا أصبحت مصر مرتعًا للاغتصاب الجنسي؟

ياسين المصري
yasiensm@gmail.com

2019 / 12 / 19

الذين عاشوا طفولتهم وصباهم في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي يعرفون أننا لم نسمع عن شيء إسمه التحرُّش اللفظي أو الاغتصاب الجنسي خاصة في القرى المصرية حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا. بل ولم يعرف قاموس لغتنا اليومية آنذاك مثل هذه الكلمات. هذا لا ينفي حدوثهما في المجتمع كما هو الحال في كافة المجتمعات البشرية، ولكنهما بالتأكيد كانا يحدثان بصورة فردية نادرة وغير وبائية، وكانت تتم معالجتها بأساليب رادعة في حينها، بحيث أننا لم نسمع عنها ولم تتطلب الحديث عنها بشكل علني كما هو الحال في الوقت الراهن.
أذكر في ذلك الوقت عندما كنت في الخامسة من عمري، أنَّنا نحن الصبيان في الريف المصري كنّا نصنع آلة من جريد النخيل عند تحريكها تحدث صوتًا مفزعًا إسمها ”مقرعة“، تسللت بها في حقل الذرة خلف عمتي التي كانت تكبرني بسنوات قليلة، وتقوم بجمع أوراق الذرة الخضراء للماشية، وقرعت بها قرب أذنها فانفزعت وصرخت. سمعها والدي وجاء مسرعًا، عرف ما حدث، فحمل جسدي الصغير من أذنيَّ ورفعني عاليًا ثم تركني أسقط على الأرض محذرًا أياي من تكرار هذا العمل. ومع أن هذا الفعل لم يكن تحرشًا، إلَّا أنه بلا شك يعد انتهاكا لشعور الآخرين بالأمان النفسي والاجتماعي، أدرك والدي هذا الشعور بفطرته الإنسانية التي لا تتطلب تعليمًا جامعيًا، أو ثقافة دينية أو أخلاقية..
بالطبع كان المجتمع المصري آنذاك كأي مجتمع سليم لا يخلوا من تعبيرات المديح والغزل المقبول وربما المتبادل بين الجنسين. ولكنه اليوم تفسخ وتخطى كل الحدود والأعراف إلى انتهاك خصوصيات الآخرين والاعتداء على كرامتهم وحقهم في الحفاظ على أجسادهم والتنمر عليهم باللفظ أو بالإكراه على فعل جسدي ضد إرادتهم وبشكل لا مثيل له بين الحيوانات الضارية!. وأصبحت المرأة المصرية هي الهدف لكل هذا، فنقرأ مثلا وبـ (باختصار) في الجرائد المصرية في شهر واحد فقط (يوليو 2019):
• اغتصاب الطفلة "جنى" التى تبلغ من عمرها الأربع سنوات، وذلك بعد انفصال والديهما وترك الطفلتين في رعاية الجدة من الأم، فقام الخال بكل وحشية وانعدام الرحمة بإغتصابها، وبدأت الطفلة تتبول لا إراديًّا بسبب سؤء حالتها النفسية. قررت الجدة ان تتستر على ابنها بتسخين "غطاء الحلة" وحرقها في جسدها واعضاءها التناسلية وعندما توجهت إلى مستشفي المنصورة الدولي قرروا الاطباء ببتر ساقيها نتيجة غرغرينا بسبب جلطة والحروق الشديدة التى تعرضت اليها، لكنها فارقت الحياة في العناية المركزة .
• تعرضت طفلة لم تكمل عامها الـ15 لواقعة تحرش واغتصاب وهتك عرض على يد والدها واثنين من أعمامها، بمنطقة كرداسة.
• اغتصب ثلاثة أشخاص سيدة 30 عاما أمام طفلتها، 4 أعوام، ورضيعها، وتناوبوا عليها الاغتصاب قرابة ساعة ونصف، أمام طفليها وتركوها في حالة إعياء شديدة، وفروا هاربين.
• عُثر على جثة طفلة تبلغ من العمر 6 سنوات، وبعد البحث والتحقيق تبين أن صبيًا يبلغ من العمر 15 عامًا، اختطفها واغتصبها بأرض زراعية ثم خنقها للتخلص منها في مركز المنشأة جنوبي محافظة سوهاج.
• شهدت مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية جريمة اغتصاب، حيث اغتصب رجل طفلة عمرها 13 عامًا، فيما كانت زوجته على علم بذلك.
• ألقت الأجهزة الأمنية بالقاهرة القبض على شاب (32 عاما) اغتصب والدته مرتين داخل شقتها بمنطقة مصر القديمة.
• تجرد فيها أب من مشاعر الأبوة، واعتدى على ابنته جنسيًا داخل شقته بمدينة نصر، حيث أكدت الفتاة في التحقيقات أن والدها دائم التعدي عليها جنسيا، وكانت أمها على علم بذلك.
• اعترف عامل خمسيني في شبرا الخيمة بـ"اغتصاب ابنته ومعاشرتها تحت تأثير المخدرات لأكثر من مرة"، حتى حملت منه سِفاحا.
هذا ما ظهر في شهر واحد فقط، وما خفي كان أفدح!
ولذلك نجد أن التقارير والتحقيقات المحلية والدولية أجمعت منذ أعوام على أن مصر أصبحت من أسوأ دول العالم في نسب التحرُّش اللفظي والاغتصاب الجنسي، وأنَّ مدنها وقراها أصبحت غير آمنة على النساء، وأن "نسبة 99.3% من النساء المصريات تعرضن مرات عديدة للتحرش في الشارع والميادين العامة، وفي المواصلات وأماكن العمل والدراسة أو في المنزل بيِّن الأسرة. وأشارت إلى أن مملكة آل سعود تقع في المركز الثالث بين 24 دولة متأسلمة بعد أفغانستان التي صنفت كواحدة من أخطر دول العالم على النساء. بينما دولة الإمارات احتلت مرتبة متقدمة على مستوى العالم في تجارة الرقيق الأبيض.
أغلب التقارير والتحقيقات تتناول هذه الظاهرة الوبائية وتحاول شرح أسباب انتشارها من الناحية القانونية أو التعريفية وتركز على مدى قصور القوانين أو تطبيقها في تلك البلاد، ولكنها تغفل عن ذكر أهم الدوافع الأساسيات وراءهما، ربما عن خوفٍ أو عن جهلٍ منها، هذه الدوافع تنبع في مجملها من الأوضاع السياسية والاحتماعية والثقافية التي تخضع لها تلك المجتمعات منذ قرون عديدة. فما الذي جعل دول بكاملها تتفشى وتنتشر فيها أمراض التحرُّش والاغتصاب الجنسي إلى جانب كم كبير من جرائم السرقة والقتل؟
كيف أصبحت تلك السلوكيات القذرة تمارس دون رقيب أو حسيب وراء الجدران وخلف الأبواب المغلقة وفي كل مكان يتواجد فيه الجنسين معًا، ويمارسها الكبير والصغير والمتعلم والجاهل والمتزوج والأعزب والغني والفقير. قد يمارسها أي شخص، طالما هناك اشتراك بشكلِ كبير في الدوافع التربوية والثقافية ومن ثم التركيبة النفسية لأفراد المجتمع والتي تقودهم جميعهم خفية أو علانية إلى هذا السلوك.
ولأن مجتمعات العربان والمتأسلمين إعتادت دائمًا على معالجة الخطأ بخطأٍ أفدح، فإنها تجبر الضحية على الزواج بمغتصبها جنسيًا، ليفلت من العقاب، إذ رغم تغيير المادة 291 اللاإنسانية، بل الإجرامية، في مصر عام 1999 من قانون العقوبات، والتي تعفي المغتصب من العقوبة في حال تزوج ضحيّته، مازال العمل بها ساريًا ومتبِّعًا خاصة في المناطق الريفية والعشوائية في ظل غياب تام للحكومة، وعدم وصول عدالة ناجزة إلى قاع المجتمع.
لا جدال في أن التحرُّش والاغتصاب الجنسي موجودان بنسب متفاوتة في جميع المجتمعات البشرية تقريبًا، ولكن الدول الحضارية المتقدمة تعتبرهما جريمة كبرى وتتخذ تجاههما أساليب ردع قوية وعقوبات صارمة قد تصل في بعض الجرائم إلى السجن المؤبد أو الإعدام، بينما في مصر وبلاد الشرق الأوسط الغنية منها والفقيرة تتزايد الظاهرة باستمرار وتتخذ شكلا وبائيًا منقطع النظير، مما يشير إلى وجود خلل ما في المنظومة السياسية والاجتماعية السائدة في تلك الدول، الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام وطرح الكثير من الأسئلة:
ما هي أسباب  تفشي هذه الظاهرة؟
وهل السبب هو غياب الوازع الديني كما يزعم رجال الدين، مما أدَّى إلى انفلات الأخلاق وتراجع القيم؟
أم بسبب الظروف السياسية والاقتصادية؟
ام أن هناك أسباب أخرى؟
تتحدث كتب التاريخ عن أن المرأة في الحضارة المصرية القديمة والحضارة البابلية والسومرية في بلاد الرافدين (العراق حاليًا) وفي سوريا كانت ملكة وكانت تقود الجيوش أو تشارك فيها، وتتمتع بحرية عامة وخاصة مساوية للرجل تمامًا، وفِي بلاد العربان نجد أنها كانت تاجرة وشاعرة وحرة في حياتها واختيارها لزوجها أو الطلاق منه، وكان بإمكانها أن تمارس الدعارة إذا شاءت (صاحبات الرايات الحمراء). وظلت على هذا الحال حتى بعد ان ضرب المنطقة وباء التأسلم، بناء على نص قرآني بعدم إكراههم عليها (النور 33)، حتى جاء العصر العباسي - الفارسي الذي اتَّسم بالاستبداد السياسي مع الانفتاح الفكري وتفشِّي السلوكيات الشاذة دون ضوابط، ممَّا أفضى بالمجتمعات المتأسلمة إلى التدهور الأخلاقي، فبدا الطغيان الذكوري يسيطر على فضاء المرأة وإلقاء اللوم عليها في حدوثه. ومن المرجح جدًّا في تلك الفترة أنْ تكون الآيات القرآنية التي تبخس من وضع المرأة في الأسرة وتقلل من قيمتها في المجتمع، قد أضيفت إلى القرآن، وصيغت الأحاديث النبوية المشابهة لها في ذلك الوقت.
من طبيعة المجتمعات البشرية أن تتسبب السيطرة الذكورية في تخلف وانحطاط المجتمع إذ يلهث الرجال وراء تردي الأخلاق وينطلقون بشغف في سلوكيات شاذة متحللين من كل الضوابط حتى يسود الاعتقاد العام بأن المرأة تعتدي على فضائهم وتطغى على وجاهتهم الرجولية، فيعزون كل ذلك إليها وحدها. هذا قد يفسر عدم تدخلهم بمن فيهم رجال الأمن أنفسهم للدفاع عنها حين تتعرض للتحرش، (نقرأ أن ضابطًا مصريًا قال لها: تستهلي)، بل وقد تبدو نظراتهم مليئة بالتلذذ والشماتة وكأنهم يرون في ذلك انتقاماً منها لاقتحامها المتخيَّل على فضائهم الذكوري، وطغيانها المصطنع على وجاهتهم الرجولية.
الشاعر العراقي الرحل أحمد مطر يقص علينا أحداث فيلم إيراني، عنوانه (أين بيت صديقي؟)، فيقول إنه: « يحكي قصّة تلميذ صغير يحاول أن يرجع دفتر زميله الذي نسيه معه في زحمة الخروج من الصف، وهو يعلم أن المدرّس سيعاقبه في اليوم التالي إذا لم يكن قد كتب واجبه المدرسي، وذلك لأنه قد كرّر نسيان دفاتره أكثر من مرّة.
ولأنّ بطل الفيلم لا يعرف عنواناً محدداً لزميله سوي أنّ بيته يقع خلف التلال البعيدة، فإن استغراقه في البحث عن العنوان طول اليوم، يأخذنا معه في رحلة إنسانية رائعة، عمادها الشخصيات المبثوثة في البيت والطرقات والقري النائية. وفي غضون ذلك تعمل مباضع النقد الاجتماعي البنّاء برهافة في الفيلم، فنحسّ بأثرها عميقاً دون أن نراها تسيل دماً. ونخلص إلي حقيقة قالها الفيلم دون أن ينطق بها، وهي أنّ هناك اثنين في المجتمع لا يجدان من يصغي إليهما: الطفل والمرأة».
إقرأ مقاله حديقة الإنسان: أفلام أصيلة على الرابط التالي:
https://www.aljarida.com/articles/1461700489069147900/
إن عدم وجود من يصغي إلى الطفل والمرأة نابع عن الثقافة المتأصل في سياق ديني تم إعداده من ذكور موتورين لأمثالهم من الذكور، بحيث يضعهما في الجانب المهمش من المجتمع الإسلاموي، ويجعل منهما هدفًا لشذوذ الذكور وانحرافاتهم. ولأن عصور التخلف والانحطاط ترتبط دائمًا وأبدًا بعجز واستبداد الحكام، فإنهم يلجأون إلى الدين لإنقاذهم من العجز وتبرير استبدادهم، ليسمح لهم بفرض الممنوعات والمحظورات الدينية والاجتماعية، وتضييق مجال الحريات وتقليص مساحة التعبير عن الرأي، وبالتبعية تخف في دولهم قبضة العدل، فتنتشر الجريمة وتزداد ممارسات التحرش بالألفاظ والاغتصاب الجنسي للفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع من الأطفال والنساء.
فلا غرابة إذن من إن وضعًا كهذا يصيب المرء بالانفصام في شخصيته، فتتملكه مبررات نفسية قوية لممارسة التحرش والاغتصاب الجنسي دون تردد، ومهما وضعت هذه الدول من قوانين لمنعه من ممارستهما، لن تكون رادعة له ولأمثاله على الإطلاق في وجود النصوص الدينية المقدسة التي أعدت خصيصًا لتبخيس واحتقار المرأة والحد من قيمتها وفاعليتها في المجتمع، ووجود ثقافة طاغية قامت في مجملها على تلك النصوص، ولأن منسوب أو مستوى التدين لدي الرجال يكون مجرد إنعكاس لمدى إلتزامهم السلوكي بالنص الديني تجاه المرأة وصغار السن والتباهي بذلك. وينطبق هذا الأمر بالمثل على المرأة التي تلتزم بالقوالب المفروضة عليها دينيًا واجتماعيًا. وبالضرورة يؤدي هذا التباهي بالتدين المظهري والغلو فيه إلى سحق الطبيعة الإنسانية لدي أفراد المجتمع، ويدفعهم دفعًا نحو سلوكيات شاذة أو منحطة.
والغريب، بل والمريب ادعاء الفقهاء ورجال الدين بأن الإسلاموية أنصفت المرأة ورفعت من قدرها، ويأتون لذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبية من سوير ماركت الآوهام، فيصدقهم الجهلة والسذَّج والبلهاء والمخدوعون ومغيبوا العقل والفكر ومعدومو الضمير، وما أكثرهم في هذه المجتمعات. وتأتي الريبة في هذه الأقوال مع ما نراه في الواقع من تحول ظاهرة التحرش إلى ممارسات اجتماعية تحل محل القوانين وتلغي فاعلية النهج الإنساني والأخلاقي القويم في مجتمعات تعاني أساسًا وإلى جانب الاستبداد السياسي، من الجهل والفقر وتفشي البطالة وتعاطي المخدرات، عندئذ لا يرتبط التحرش في مطلق الأحوال باضطرابات في شخصية المتحرش وحدها، بل بثقافة المجتمع التي تغذيه وتسانده ولا تقف ضده، فالثقافة بكل عناصرها ومضامينها تحدد السمات الأساسية للمجتمع والتقاليد والمبادئ الأخلاقية فيه، ويكتسبها الفرد من مختلف نواحي التنشئة الاجتماعية.
إذا كنا قد سمعنا عن زواج المتعة والتفنن في مسميات عديدة له عند الشيعة والسنة على حد سواء، فإننا لم تسمع حتى وقت قريب عن شيء إسمه ”إعارة الفرج“ الذي يمكن للقارئ أن يشاهد له فتاوى متكررة على اليوتوب أو يقرأ عنه العديد من التوضيحات الفقهية في شبكة الإنترنت، وهو باختصار: أن يعطي الرجل امرأته إلى رجل آخر، ليحل له أن يتمتع بها أو أن يصنع بها ما يريد، فإذا أراد رجل ما أن يسافر أوْدع امرأته عند جاره أو صديقه أو أي شخص يختاره، ويبيح له أن يصنع بها ما يشاء طيلة مدة سفره. والسبب معلوم حتى يطمئن الزوج على أن امرأته لن تزني في غيابه (!!)، كذلك إذا نزل أحد ضيفاً عند قوم وأرادوا إكرامه فإن صاحب الدار يعير امرأته أو بناته للضيف طيلة مدة إقامته عندهم فيحل له منهن كل شيء. هل نرى إسفافًا وانحطاطا أكثر من هذا. وهو ليس تحقيرًا للمرأة ومعاملتها كبضاعة رخيصة فحسب، بل تدميرًا للأسرة وإزهاقًا للعلاقات الزوجية الحميمة.
هذه هي القيم التي تسود وتنتشر في مجتمعات العربان والمتأسلمين وفي مقدمتها مصر المتعوسة بأزهرها الشريف، دون رادع أو وازع، معتمدة في مجملها على ثقافة دينية ذي إتجاه واحد تفرضه جميع نواحي التنشئة الاجتماعية التي تعتبر المرأة مجرد أداة رخيصة للمتعة وجسد مرغوب بالفطرة، يمكن تبادله بين الرجال دون خجل، لأنها مخلوق أدنى. ومن أهم تلك النواحي وأكثرها أثرًا الخطاب الديني الوقح الذي يحاصر المواطن في كل الأمكنة، وإلى جانبه الحصار الإعلامي بنفس الوقاحة، فيقوم علي المصالح والماديات واستخدام جسد المرأة لترويج السلع والأفلام والأغنيات ويبث رسائل الي المتلقي مفادها أن المرأة جسد جميل مليء بالإغواء والإغراء ونداءات المتعة، لذلك لا نتوقع من الرجال سوى السلوكيات المنحطة مثل التحرش أو الاغتصاب الجنسي كنوع من الاستقواء المستمد من مشروعية مجتمعية مكتسبة، وتشريعات دينية مفروضة، تحوم جميعها حول أجساد النساء ودورهن في إغواء الرجال ودفعهم نحو الفتنة. وهذا كما نراه انعكاسًا لمخزون ثقافي متخلف يصور المرأة على أنها سلعة يحق للرجل تملكها مرغمة، ومن ثم إلقاء اللوم عليها والتركيز على مظهرها ولبسها لحظة وقوع التحرش. ولكي يحولون الأنظار عن أهدافهم القذرة يزعمون باستمرار أن الغرب المهترئ والمتفسِّخ أخلاقيًا وسلوكيًا، يريد النيل منهم ومن ديانتهم السمحاء، ويبقى الجهلة والسذَّج والبلهاء والمخدوعون ومغيبوا العقل والفكر ومعدومو الضمير، وما أكثرهم في هذه المجتمعات، على تصديقهم لهم.
إن هذه المجتمعات تعاني منذ زمن بعيد من انحطاط لا مثيل له، وتشهد حاليًا انقسامًا اجتماعيًّا وثقافيًا حادًّا حول المظهر الخارجي للمرأة في الساحات العامة وأماكن العمل والدراسة، إذ يرى الكثيرون أن لباسها يعكس انطباعات وإيحاءات وإشارات لسلوكها وأخلاقها، بل ولمدى التزامها بتعاليم دينها!، وأنه مدعاة لحوادث التحرش والاغتصاب التي تتعرض لها. من هنا أصبحت المرأة جانية وضحية في ذات الوقت، وعليها أن تكون عرضة لتواطؤ الأعراف المجتمعية والقانونية التي تحصن الجناة من العقوبات، وتوجه إليها اللوم مصحوبًا بكثير من الانتقادات اللفظية والاعتداءات الجنسية حال ارتدائها لباسا يتجاوز حدود القالب المرسوم لها كامرأة صالحة تبعًا لشرعنة دينية ومجتمعية للنساء، مع أن الواقع المعاش يثبت أنه لا لباس محتشم ولا حجاب أو نقاب يحمي المرأة وينقذها من قبضة المتحرشين والمغتصبين لها جنسيًا.
والأدهى والأمر من كل هذا هو سكوت النساء حال تعرضهن للتحرش وإخفاء وراء صمتهن ما هو أخطر، فخوف المرأة من اتخاذ رد فعل حيال التحرش بها، لاعتبارات طفولية ساذجة كنظرة المجتمع لها، أو الفضيحة، أو إلقاء اللوم عليها، يزيد من تفشي الظاهره، ويعطي للمتحرش دافعًا للاستمرار في تحرشه.

ما العمل إذن؟
في تصوري أن العمل سوف يفرض نفسه في يوم ما رغم أنف الموتورين من رجال الدين والحكام المستبدين، وهو أن تتعلم المرأة اتخاذ القرار بداخلها من تلقاء نفسها، بألَّا تسمح لأحد أن يتعدى عليها بأي شكل، وأنها لن تتهاون في الدفاع عن نفسها بكل الطرق، لتوصِّل بذلك رسالة قوية لردع من حولها سواء في الشارع، أو المواصلات، أو العمل، أو المنزل. حينها لن يتجرأ أحد من أولئك الجبناء على الاعتداء عليها. فالانسان المتحرش جبان ويعانى من اضطراب نفسى ويشعر بداخله بعدم الثقة بالنفس والخوف والضعف، ممَّا يتسبب فى ميله للتعبير عن رغباته ومشاعره بشكل خاطئ مع أنه يحاول أن يظهر عكس ذلك.
أن خوف البنت من نظرة المجتمع لها، أو من الفضيحة، أو من إلقاء اللوم عليها، يعطي المتحرش مزيدا من القوة والثقة بقدراته ويجعله يتجاوز كل الحدود معها، لكن عندما تقف وتواجهه بقوة وحزم يتراجع ويرتبك داخليا ويشعر بعدم الثقة فى النفس وفى كثير من الاحيان يهرب أو يتوقف عن التحرش. ويجعل رجال الدين والساسة يكفون عن إمعانهم المستمر في الانحراف الفكري والسلوكي، ويقذف في يوم ما بها وبهم في سلة المهملات، وهذا ما تعمل عليه في الوقت الراهن العديد من المنظمات والجمعيات النسائية الأهلية والدولية وحققت فيه نجاحًا كبيرًا.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة