قوانين الأحوال الشخصية مقبرة العدالة.. نعم للمحاكم المدنية!

ميريلا بو خليل

2021 / 11 / 19

“لا حماية” و”لا مساواة”. مصطلحان كفيلان باختصار معاناة النساء مع قوانين الأحوال الشخصية في لبنان. إذ تهيمن الاستنسابية في التعاطي والإجحاف واضح على أكثر من صعيد، مثل الطلاق وتبعاته الاقتصادية والنفقة والحضانة والمشاهدة والاصطحاب، واللائحة تطول.

لا قانون موحد للأحوال الشخصية في لبنان. لكل طائفة قانونها الخاص تطبقه محاكمها وتصدر الأحكام والقرارات التي لا تخرج عن طور العباءة الدينية. وربما يكون سن الحضانة أحد الأمثلة التي تعكس بشكلٍ واضحٍ الخلل في التعاطي بين الأمهات والآباء.

بالنسبة إلى الطوائف الإسلامية، كانت سن الحضانة لدى المذهب السني محددة بـ7 سنوات للفتيان و9 سنوات للفتيات، قبل أن تؤدي ضغوط المجتمع المدني إلى تعديلها. فرُفعت إلى 12 عاماً للفتيان و14 عاماً للفتيات عام 2014.

أما في المذهب الشيعي، فإن سن الحضانة هو سنتين للفتيان و7 سنوات للفتيات، كما أن الأمهات تفقدن الحضانة كلياً في حال كانت على غير دين الوالد.

بينما خرجت الطائفة الكاثوليكية عن الأعمار المذكورة، وحددت سناً للرضاعة وليس للحضانة، فيحق للأطفال/الطفلات البقاء مع أمهاتهم/ن سنتين لتكون بعد ذلك الحضانة للأب. كما أنها مشروطة ومؤقتة حين يتعلق الأمر بالأمهات، فهن مهددات بخسارتها في حال قررن الزواج مرةً ثانية، لتسقط الحضانة تلقائياً. ما وضع نساءٍ كثيرات أمام الخيار الأصعب، وهو البقاء وحيدات مدى العمر كي لا تخسرن أولادهن.

والأسوء من ذلك، أنه في المقلب الآخر، يهنئ القانون الرجل إذا اتخذ القرار بالزواج من جديد ويعطيه الحضانة على طبقٍ من فضة كهديةٍ للعروسين.. لماذا؟ لأن القانون ينظر إلى هذا الزواج كـ”عائلة وبيئة مؤهلة لتربية الأطفال/الطفلات”، لكن زواج النساء مرةً أخرى يعتبره المجتمع ويوصمه على أنه “أنانية منهن” ويجعلهن “غير مؤهلات لتربية أطفالهن”، ما يضع الحضانة على المحك.

وبالتأكيد لم نتمكن من تفسير هذه الازدواجية في التعاطي إلا بالقول إن القانون يهمش النساء ويحاول استضعافهن بكل الطرق الممكنة. فالقوانين مفصلة على قياس الرجال فقط ولا مكان للنساء.

وفي حديثٍ خاص لموقع “شريكة ولكن” أكد المحامي جورج حداد من منظمة “عدل بلا حدود”، من خلال مشاهداته أن “الأمهات مُستغَلات لدى المذهبين السني والشيعي ويتم الضغط عليهن للتنازل عن حقوقهن كافة مقابل إعطائهن الحضانة أو حتى الطلاق”.

ويعود السبب الرئيسي بحسب حداد إلى أن المذهبين المذكورين يعطيان للرجال حقاً مجحفاً بحق الأمهات، هو رفض طلبهن الطلاق ما يتيح لهم الضغط عليهن للتنازل عن جميع حقوقهن كالمهر والحضانة وحتى حق رؤية أطفالهن.

وإذا رفضت النساء، تنتقل القضية إلى المحاكم التي تعطي الرجال حق رفع دعوى مساكنة لإلزام النساء على مساكنتهم، ويربح الدعوى من دون شك. وفي حال أصرت النساء على الطلاق، لا تحصلن أبداً على أي تعويض أو نفقة أو مهر أو مؤخر أو مقدم.

مشاهدة واصطحاب
بعد تحديد الحضانة، وفي حال خسارتها، يكون أمام الأمهات حل بديل هو مشاهدة واصطحاب الأولاد لفترةٍ معينة تقررها المحكمة. لكن هذا الخيار مصحوب بعراقيل عديدة. أولها، وفي معظم الأحيان، تخلف الرجال عن إحضار الأطفال/الطفلات في الموعد المحدد.

ويكون السيناريو في هذه الحالة أشبه بذاك الذي نراه في الأفلام. فتضطر الأمهات إلى اللجوء إلى القوى الأمنية لرؤية اطفالهن بالقوة. لكن العامل النفسي يبقى الأساس في هذا السيناريو، ما يُبعد الأمهات عن اللجوء إلى هذا المخرج، الذي يحمل في طياته تأثيراً كبيراً على صحة الأطفال/الطفلات النفسيّة. في المقابل، قد يعرضهن قرار العزوف عن اللجوء إلى هذا الحل لمشكلةٍ كبيرة، لأن الأب قد يستفيد من ذلك ليقنع الأولاد بأن أمهاتهم/ن لا تردن رؤيتهم/ن.

لذلك، عملت منظمة “عدل بلا حدود” على دعم الأمهات وتمكنت من الدخول على خط القرارات لتغريم الأب بقرار قضائي يجبره على دفع مبلغ مالي في كل مرة يمتنع فيها عن إحضار الأطفال/الطفلات في الموعد المحدد. والضغط في هذا الاتجاه، يحض الأب على الالتزام لأنه من جهةٍ لا يريد أن يتكبد مصاريف إضافية، ومن جهة أخرى قد يحاكم أمام المحكمة الجزائية وليس الروحية في حال لم يدفع، ما قد يضعه أمام خطر الدخول إلى السجن.

الجدير بالذكر، أن معظم الأحكام الصادرة تربط بين المشاهدة والاصطحاب والنفقة. فإذا كانت الحضانة من نصيب الأمهات، بينما كسب الآباء حق المشاهدة والاصطحاب ورفض الأولاد رؤيتهم لأسبابٍ مختلفة، يحق للآباء الطلب من المحكمة إيقاف النفقة نتيجة عدم رؤيتهم للأولاد. وتكون هذه ورقة إضافية فعالة بيدهم يضغطون بها على الأمهات من جديد بهدف استرجاع الحضانة.

النفقة
عوامل الضغط على النساء كثيرة، والنفقة عامل إضافي يعتمد الرجال عليه. فهي عبارة عن مبلغ مالي تحدده المحكمة وينبغي على الرجال دفعه للنساء في حال الهجر أو البطلان أو الفسخ، وهو يشمل الطعام والملبس والطبابة والإقامة وكل ما يلزم النساء للعيش.

وفي ما يأتي عينة من أساليب التلاعب للتهرب من النفقة، علماً أن الرجل متمكن في مجتمعاتنا القائمة على الغش والتلاعب بالحقائق للسيطرة على النساء وحياتهن.

فيعمد الزوج في غالبية الحالات إلى تقديم إفادة عمل مزورة، تشير إلى أنه يتقاضى فقط الحد الأدنى من الأجور كراتبٍ شهري. ونتيجة ذلك، تقرر المحكمة نفقة متدنية للنساء، ما يدفعهن إلى التخلي عن عدة احتياجات والعيش بأقل كلفةٍ ممكنة لتصرفن فقط على الإيجار ويتبقى لهن مكان تقيم فيه.

في سياقٍ متصل، يستفيد الآباء من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، ليعلن أنه غير قادر على تسجيل الأولاد إلا في مدارس رسمية، على الرغم من أنهم/ن كانوا مسجلين/ات في مدرسةٍ خاصة. والمحكمة لا صلاحية لها بالتدخل لإجباره على دفع مبالغ تتخطى قدرته التي يدعيها لإبقاء الأولاد في مدرستهم/ن وتجنب أي ضرر نفسي من جراء تغيير المدرسة، فتجبر الأمهات على دفع الأقساط.

لكن الأمور لا تقتصر على هذه الحيل فقط. يتفوق الرجال على أنفسهم ويستخدمون أساليب متطورة للتهرب من النفقة بالرجوع إلى القانون المليء بالثغرات التي تمكنهم من تحقيق هدفهم بسهولة.

على سبيل المثال، يتهم الرجال النساء بالزنا إذا تقدمت ضده بدعوى طلاق، ويقابلها بدعوى جزائية فتتم ملاحقتها. ويقول المحامي جورج حداد إن “النتيجة معروفة. تؤخذ النساء إلى مخفر حبيش وتبقين يومين، ويتم الضغط عليهن للتراجع عن الدعوى”.

الاستقلال الاقتصادي ضروري
اعتماد النساء على الزوج من الناحية الاقتصادية يجعلهن رهائن لسلطته. فلا خيار أمامهن إلا إيجاد عمل والحصول على راتب أو مدخول يخولهن الاتكال على أنفسهن ويتيح لهن اتخاذ قراراتهن بصورةٍ منفصلة على الصعيدين العائلي والزوجي.

بفضل ذلك، تتحرر النساء من جميع القيود، وتصبحن أقوى ومتمكنات لخوض المسار القضائي ومكافحة الفساد للحصول على حكمٍ منصف، علماً أن معظم النساء تلجأن للأسف إلى منظمات وجمعيات المجتمع المدني لتأمين مصاريف المحامين والمحاكمة.

في الخلاصة، لن يحد هذه الانتهاكات إلا أمر واحد، هو التوجه إلى محاكم مدنية تنقذ النساء والرجال معاً من هذه المعاناة لا سيما أنها تنظر إلى الفرد كمواطن ومواطنة، بعيداً عن الجنس والطائفة والمذهب والمركز الاجتماعي. حينها فقط، يكون الحق مضموناً والاجحاف ملجوماً. والمؤكد أن لا استضعاف لفئة وتقوية لأخرى. وكل ذلك ممكن عبر كف يد التدخلات الدينية والسياسية.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة