أوضاع المرأة العراقية في ظل الاحتلال والانتداب البريطاني

سعد سوسه
Saadalsultan5@gmail.com

2021 / 11 / 26

شهد وضع المرأة العراقية تحولاً جديداً تمثل في اختلاف نظرة البريطانيين لها مقارنة مع أسلافهم العثمانيون ,إذ ظهر هذا الاختلاف في توجه البريطانيين نحو ضرورة تعليم المرأة العراقية, فبدأت أولى خطواتهم تلك عام 1919, عندما تم الاتفاق على فتح مدرسة للإناث بناءً على توصيه من (جيرترود بيل) (Gertrude Bell) السكرتيرة الشرقية, وعلى أثر تلك التوصية استقدمت المس كيلي (Kelly) إلى العراق كونها تملك خبرة تعليمية من خلال ممارستها المهنية في الهند, إذ بدأت نشاطها بفتح أول مدرسة (افتتحت المدرسة في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 1920, بحضور عدد من سيدات البلد البارزات, فضلاً عن المس بيل التي أكدت في كلمتها بالمناسبة أن افتتاح المدرسة جاء بناءً على رغبات الناس, وإن إدارة المدرسة سوف تعمل على احترام العادات والتقاليد لذوي الطالبات, وتكون كادر المدرسة من أرسياك خانم نائبة للمديرة, والمعلمات زهرة خضر , نظيرة خانم , هلن سعدي خانم , شلن سعدي خانم , افتخار خانم , مادبلت خانم , وجميلة خانم, وضمت تلك المدرسة عدداً من الطالبات لم يزد على الثمانية فقط ) ( 1 ) , وأدارتها في عهد الاحتلال البريطاني .
شجعت هذه الخطوة البريطانية الحكومة العراقية في التوسع بالتعليم النسوي, إذ تم افتتاح مدارس للإناث في ألوية الموصل والديوانية, ومدرسة ثالثة في جانب الكرخ بناءً على طلب الأهالي, للتخلص من مشقة عبور النهر إلى جانب الرصافه ( 2 ) , وهذا دليل على تنامي الوعي بين الناس بضرورة تعليم المرأة وان كان هذا الوعي بين فئات محدودة من المجتمع العراقي. فضلاً عن ذلك أسهمت الطوائف الدينية غير المسلمة في دفع عملية التعليم النسوي إلى الأمام من خلال فتح عدد من المدارس الخاصة بهن حتى إن عدداً من الفتيات المسلمات انضممن إلى تلك المدارس كونها أدخلت اللغة العربية في مناهج دراستها إلى جانب لغة الطائفة صاحبة المدرسة. ومن أشهر تلك المدارس هي مدرسة (راهبات التقدمة) افتتحت عام 1930 من قبل الطائفة الأرمنية في بغداد . ( 3 ) .
مع استمرار الحكومة في إنشاء مدارس الإناث ازداد عددها من أربع مدارس في العام الدراسي 1920-1921الى سبع وعشرين مدرسة في العام الدراسي 1921(-1922) ثم أخذت الزيادة بالتدريج ، وصل عدد المدارس في نهاية عهد الانتداب البريطاني للعراق عام 1932 إلى تسع وأربعين مدرسة , رافقتها زيادة في أعداد الطالبات , فبعد أن كان عددهن في العام الدراسي (1920- 1921) أربعمائة واثنين وستين طالبة وصل العدد إلى ثمانية آلاف وثمانمائة وخمس وأربعين في العام الدراسي (1931- 1932) . ( 4 ) .
كان هذا التوسع في عملية تعليم المرأة أثناء مدة الاحتلال والانتداب البريطاني من الأسباب الرئيسة التي ساهمت في تطور وعي المرأة العراقية, فضلاً عن تغير نظرة المجتمع نحو عملية تعليمها, إذ إن هذا التطور أخذ يعطي ثماره في نهاية عهد الانتداب وبدأت المرأة العراقية بالنزول إلى ميادين الحياة كافة .
كانت عملية تعليم المرأة العراقية من بين أهم العوامل في نقطة الشروع نحو النهوض بواقعها ولكنه لم يكن الوحيد بل كانت هناك عوامل أخرى أسهمت في هذا النهوض منها إن المرأة نفسها قد أسهمت في حركة تطورها من خلال خوضها معترك الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية, فعندما أعلن الشعب العراقي ثورته الكبرى ضد البريطانيين عام 1920, كان للمرأة دورها البارز في شد أزر الثوار, لاسيما أهازيجها التي كانت تثير الحماس والاندفاع لديهم , كما ساهم عدد من نساء بغداد في التظاهرة التي خرجت لتشييع جثمان احد شهداء الثورة وهو عبد الكريم رشيد النجار المعروف بالأخرس من جامع الحيدرخانة, فضلا ًعن قيام أخريات بتقديم مذكرة احتجاج إلى المس بيل, بسبب اعتقال عدد من زعماء الثورة من قبل إدارة الانتداب البريطاني, فأدى الضغط والمطالبة بإطلاق سراحهم إلى الكشف عن مصير المعتقلين ومكان وجودهم تم نفي بعض زعماء الثورة البارزين إلى جزيرة هنجام, إحدى جزر الخليج العربي التي تقع بمحاذاة الساحل الجنوبي لجزيرة (قشم) , وتبعد عنها بمسافة 55 كم, وكذلك إلى الجنوب من جزيرة (أم الغنم) التابعة إلى سلطنة عمان . أما موقعها من خطوط الطول والعرض, فهي تقع شمال خط الطول الشرقي (56) درجة, والى الجنوب من خط العرض الشمالي (26) درجة , سكانها عرب من بني ياس, فهم امتداد لقبيلة بني ياس في دبي . ( 6 ) .
في ضوء ذلك يمكن القول إن مشاركة المرأة العراقية في الثورة ضد البريطانيين, سواء كانت تلك المساهمة عفوية أو واعية, تعد البذرة الأولى نحو انطلاقها في الحياة السياسية لتفرض نفسها على معظم الذين كانوا لا يؤمنون بقدرتها على خوض معترك الحياة بما فيهم عدد من قادة السياسة في العراق كان عبد الرحمن النقيب رئيس وزراء العراق (1920- 1922), لا يسمح لبناته بالسير في باحة الدار دون حجاب, خشية أن تمر طائرة في السماء فتقع عين الطيار عليهن وهن غير محجبات . ( 7 ) وهذا ما توضح من خلال إصرارها على اخذ دورها في الحياة, لاسيما بعد قيامها بإصدار مجلة نسائية تعنى بمشاكلها, إذ تُعد أول مجلة نسويه في العراق تحت اسم (مجلة ليلى)( صدر العدد الأول منها في 15تشرين الأول 1923المصادف 4ربيع أول 1342في 48 صفحة , ووشحت غلافها بعبارة (في سبيل نهضة المرأة العراقية) وكتب عليها أيضاً (مجلة نسائية تبحث في كل مفيد وجديد في ما يتعلق بالعلم والفن والأدب والاجتماع وتدبير المنزل), لكنها توقفت عن الصدورعام 1925بعد صدورعشرين عدداً منها نتيجة الهجمة التي شنت عليها من قبل الرافضين لنهضة المرأة) من قبل الآنسة بولينا حسون (ولدت عام 1865,في فلسطين من أب عراقي وأم فلسطينية, عاشت في مصر, والأردن قبل عودتها إلى العراق عام 1922,عينت مديرة لمدرسة باب الشيخ في بغداد عام 1925, ثم نقلت إلى مدرسة أخرى بعد أن تعرضت مجلتها إلى حملة شعواء . غادرت العراق نهاية عام 1925بعد أن توقفت مجلتها عن الصدور, توفيت عام 1965: ) ( 9 ) . ومما يلفت النظر أن صدور هذه المجلة جاء متزامناً مع انبثاق أول مجلس تأسيسي عراقي, إذ طالبت المجلة أعضاء المجلس بضرورة مساهمتهم في إنجاح النهضة النسوية الناشئة وأن ذلك - كما أشارت المجلة - :" منوط بغيرة وشهامة أعضاء المجلس الذين تحملوا مسؤولية تأسيس الحياة الديمقراطية في العراق وان هذه الحياة هي ليست للرجال فقط " . وفي عددها الصادر في الخامس عشر من نيسان عام 1924, أشارت المجلة إلى أن مقالتها الأولى كانت تهدف إلى لفت أنظار النواب من اجل تحقيق مطالب المرأة السياسية, وعرجت في مقالتها على الجدل الذي حصل حول هذا الموضوع في جلسة مجلس النواب بين معارض ومساند .
إن صدور هذه المجلة, وتناولها موضوع الحقوق السياسية للمرأة العراقية من خلال المطالبة الصريحة بهذا الحق, يعد نقطة تحول كبير في مسيرة المرأة العراقية التي بدأت تتلمس طريقها في نيل حقوقها, ومشاركتها الرجل في المجالات كافة, الأمر الذي أدى بأعضاء المجلس التأسيسي إلى مناقشة ضرورة إصلاح وضع المرأة, من خلال إشارة بعض النواب إلى أن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تبنى على نحو حسن إلا على قاعدة تعميم التهذيب وخاصة النسوي .
كان لدخول المرأة العراقية مجال التعليم والتوسع فيه أثرٌ فاعلٌ في تنامي وعيها بضرورة المطالبة بحقوقها المسلوبة, لكن هذه المطالب لم تكن لتتحقق لولا مساندة بعض من أصحاب الفكر التنويري كعلماء الدين والشعراء , إذ بذلوا ما في وسعهم لخدمة قضية المرأة, على الرغم من ردة الفعل الكبيرة التي واجهوها من قبل المجتمع بمختلف شرائحه.


المصادر
1 . عبد الرزاق الهلالي , تاريخ التعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطاني 1914-1921, بغداد , 1975, ص172- 173.
2 .عبد الرزاق الهلالي , معجم العراق ,ج1 , ص216.
3 . طارق نافع الحمداني، الحركة النسوية ، حضارة العراق ، ج13 ، بغداد 1985 ، ص186.
4 . وفاء كاظم ماضي محمد, تطور الحركة النسوية في العراق 1921- 1958 , رسالة ماجستير غير منشورة , كلية التربية (ابن رشد) جامعة بغداد , 2000 , ص 31- 32 .
5 . فريق المزهر آل فرعون , الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920ونتائجها , ج1, مطبعة المصباح , بغداد , 1952, ص496-498.
6 . الموسوعة الجغرافية , شبكة المعلومات الدولية(الانترنت) , http://www.geography.com
7 . رجاء حسين حسني الخطاب , عبد الرحمن النقيب حياته الخاصة وآراؤه السياسية وعلاقته بمعاصريه , ط1 , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بغداد , د. ت, ص10.
8 . سميرة عبد الواحد , مجلة ليلى باكورة الصحافة النسوية , مجلة الرافدين , وزارة الثقافة , دار الكتب والوثائق العراقية , العدد العاشر , 2011.
9 . مجلة ليلى , العدد السادس , 15/آذار/ 1924, ص1.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة